حرف الباء
برأ ـ خلق
•
"برأ"
فى اللغة: خلق على غير مثالٍ سابق، ولهذه اللفظة من الاختصاص بخلق الكائنات الحيَّة
ما ليس لغيرها، وقلَّما تُسْتَعمَل فى غير الحيوان، فيقال: بَرَأ اللهُ
النَّسَمَةَ، وخلق السماواتِ والأرض
[1].
وذهب بعض العلماء إلى أن أصل "برأ"
مهموز، بمعنى: خلق على غير مثال: وبعضهم ذهب إلى أن أصلها "بَرَى"
غير مهموز، مأخوذ من البَرَى وهو التراب، أى: خلق الله الناس من تراب
[2].
وعلى كلا التوجيهين فإن المعنى العام للفظ هو: خلق الحيوان خلقًا أوَّليًّا، وعلى
غير مثال سابق.
• و"خلق"
فى اللغة يدور حول معنيين:
- الأول: التقدير، أى تقدير وجود الأشياء قبل وجودها
[3].
- والثانى: إيجاد الشىء على مثالٍ لم يُسْبَق إليه
[4].
• وقد ورد الفعل "بَرَأ"
مرة واحدة فى القرآن الكريم، فى قول الله عز وجل:
- {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي
أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى
اللَّهِ يَسِيرٌ} الحديد/ 22.
تشير الآية الكريمة بقول الله عز وجل: {فِي الْأَرْضِ}
إلى المصائب العامة كالقحط وفيضان السيول وتَلَف الأموال، وقوله عز وجل: {وَلَا
فِي أَنْفُسِكُمْ}: إشارة إلى المصائب اللاحقة لذوات الناس من الأمراض وقطع
الأعضاء والأسر فى الحرب، وموت الأحباب ... إلخ.. والكتاب مجاز عن علم الله تعالى
[5].
فاستوعب الفعل "بَرَأ"
خَلْقَ هذه الأحداث جميعًا، ولكن البَرْءَ هنا معناه: الإيجاد عن تقدير وعلم سابق؛
فهو أَخَصُّ من الخلق؛ لأن الخلق يشمل دلالتى التقدير، والإيجاد، كما سبق.
كذلك ورد اسم الله عز وجل "البارئ"
فى القرآن الكريم مرتين فى قول الله عز وجل:
- {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ
ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ
فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ
عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}
البقرة/54.
ومرةً فى قوله عز وجل: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ
الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} الحشر/24.
فالاسم "الخالق"
معناه: المقدِّر لِما يُوجِده، و"البارئ":
المميِّز بَعْضَه من بعض بالأشكال والهيئات المختلفة
[6].
• وأمَّا "خَلَق"
فى القرآن الكريم فيتَّسِعُ معناه ويشمل التقدير السابق للأشياء، و إيجادها،
ويستوعب الحىَّ وغيره، كما يظهر بجلاء من قول الله عز وجل:
- {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ
شَيْءٍ عَلِيمٌ} البقرة/29.
• ونخلُص مما سبق إلى أن الاستخدام القرآنى لكلمتى "برأ
ـ خلق" يُظهِر اشتراكهما فى معنى: إيجاد الأشياء.
• والملمح الدلالىُّ المميِّز لكلمة "برأ"
هو: تمييز الأشياء بعضها من بعض بإعطائها هيئاتٍ متفاوتة كى تتباين.
• فى حين أن الملمح الدلالىّ المميِّز لكلمة "خلق"
هو استخدامها فى معنى: التقدير.
**************************
[1]
النهاية، اللسان (ب ر أ) .
[2]
مفردات الأصفهانى، اللسان (ب ر أ).
[3]
مفردات الأصفهانى، اللسان (خ ل ق).
[4]
مفردات الأصفهانى، اللسان (خ ل ق).
[5]
الكشاف
4/66، التحرير والتنوير 27/410-411.
[6]
الكشاف 4/87.
|
|