القيم الحضارية فى الإسلام
د. محمد داود
قيم حضارية فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)
د.
محمد داود
الحضارة فى عموم
معناها تعنى الرقى والتقدم الإنسانيين فى شتى مجالات الحياة المادية والمعنوية.
وتبدأ الحضارة حيث ينتهى القلق والاضطراب، وتقوم الحضارة على أسس ثابتة أهمها:
العلم والنظام والأخلاق والحرية. وتنطلق الحضارة من الإنسان؛ فالإنسان هو صانع
الحضارة.
والنبى صلى الله عليه وسلم صاحب أعظم إنجاز حضارى متجدد على مر الزمان، وهذا
الإنجاز يتمثل فى بناء الإنسان بناءً إيمانيًا يتم من خلاله أعظم عملية إنقاذ
للإنسان من كل مظاهر الضلال والفساد التى تسيطر عليه، وبتخلص الإنسان من الأوصاف
الذميمة والاضطراب والقلق واكتسابه لأوصاف الخير والفلاح يتأهل الإنسان لصنع
الحضارة.
ويسجل القرآن الكريم هذه الحقيقة الغالية لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يذكرنا
بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكبر نعم الله تعالى علينا ومن ثمرة هذه
النعمة هذا التحول العظيم للإنسان من كل أوصاف الضلال إلى أوصاف الإيمان والخير
والهداية.
قال الله تعالى:{ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ
وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ
قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } آل عمران/ 164.
وبناء الإنسان على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يغفل جانبًا من جوانبه، بل
اشتمل البناء على رعاية عقل الإنسان وفكره، وقلبه ومشاعره، وجسده وحاجاته.
فأما بناء الإنسان من ناحية عقله فكان بتحريره من التقليد الأعمى والتبعية على غير
هدى أو بينة. يشير القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى: {
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ
قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ
آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ } البقرة/ 170.
ويربى النبى صلى الله عليه وسلم فى الإنسان القوة العاقلة التى تحسن الاختيار فى
مجال الخير، الأفضل والأحسن والأرقى، وبـهذا تتقدم الحياة وترقى. وإلى هذه الحقيقة
يشير قول الله تعالى:
{ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ
أَحْسَنَهُ } الزمر/ 018
كما يربى النبى صلى الله عليه وسلم فى عقل الإنسان قوة البحث والمنهجية العلمية
التى تربط بين الأسباب والنتائج وتفسر الظواهر الكونية تفسيرًا علميًا ليجد الإنسان
فى عظمة صنع الله وحكيم تدبيره دليلاً على عظمة الخالق فيزداد الإيمان من جانب، ومن
جانب آخر يصل الإنسان إلى سر الانتفاع بـهذه المخلوقات التى سخرها الله لنا،
والآيات التى تدعو الإنسان إلى التأمل والبحث كثيرة، من ذلك قول الله تعالى: {
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ
اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ } آل عمران/ 190.
وأما بشأن الجانب الأخلاقى فى البناء الحضارى للإنسان على يد رسول الله صلى الله
عليه وسلم فكان بانتشال الشخصية العربية من روح القبلية والعصبية التى كانت سائدة
فى مجتمع الجاهلية من: وأد البنات، والعدوان على الغير، وممارسة الرذيلة التى تعارف
المجتمع عليها آنذاك، من بيع الجوارى للمتعة الرخيصة وإدمان المسكرات وغير ذلك.
كانت الأخلاق منحدرة فى إسفاف عجيب ضرب به المثل فى فساد الضمائر والذمم، وجاء رسول
الله صلى الله عليه وسلم مداويًا وبلسمًا هاديًا لتتحول على يديه وبـهديه المبارك
كل مظاهر الفساد إلى الفضائل والمكارم0
وتحولت الأخلاق على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم من منطق العادة إلى العبادة.
وارتبطت الأخلاق فى المنهج المحمدى بالإيمان، فالإيمان القوى يلد أخلاقًا كريمة.
وأصبحت الأخلاق من أفضل القربات لله تعالى؛ فالمؤمن يبلغ من المنازل والدرجات عند
الله تعالى بحسن الخلق ما لا يبلغه بصوم أو صدقة، بل وربط النبى صلى الله عليه وسلم
بين العبادات والأخلاق فجعل للعبادات أثرًا فى حسن الخلق؛ فالصلاة تنهى عن الفحشاء
والمنكر، والصدقة تطهر وتزكى صاحبها.
ووسع النبى صلى الله عليه وسلم دائرة الخلق فهى تشمل: أخلاق العبد مع ربه، وأخلاق
العبد مع نفسه، وأخلاق العبد مع الآخرين من الناس على اختلاف أجناسهم ودينهم،
وأخلاق العبد مع من حوله من مخلوقات تشاركنا بيئة الحياة، وتمت منظومة الأخلاق على
يد رسول الله صلى الله عليه وسلم واكتملت مكارمها، قال صلى الله عليه وسلم : "إنما
بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" .
وهكذا ينتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبشرية خطوات فسيحات إلى عالم أفضل
يعيش على الصدق ولا يعرف الكذب، تحيا فيه الأمانة وتجرم الخيانة، يعيش أفراده على
التراحم والتواضع ولا يتعاملون بحسد ولا حقد ولا غيبة ولا نميمة، لقد أمروا أن
يقولوا للناس حسنًا.
والعظيم المدهش فى البناء الأخلاقى للإنسان على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو
أسلوب الوصول إليه، أسلوب تحقيقه فى أرض الواقع!! فلم يُكْرِه النبى صلى الله عليه
وسلم أحدًا من الناس على الفضيلة، وإنما كان بحسن التربية وحكيم المعالجة مع تقديم
الأسوة والقدوة فى نفسه صلى الله عليه وسلم لكل خلق يدعو إليه.
وهكذا يُعلِّم النبى صلى الله عليه وسلم المصلحين درسًا عظيمًا فى الإصلاح
والتغيير، وهو أن الإكراه على الفضيلة لا يصنع الإنسان الفاضل، كما أن الإكراه على
الإيمان لا يصنع الإنسان المؤمن. لقد علم النبى صلى الله عليه وسلم المصلحين أن
يجتهدوا فى إزالة أسباب الانحراف، وأن يعملوا على معالجة النفس من الهوى، ثم يأتى
فى النهاية دور الحدود على الجرائم الخلقية لحماية الشرفاء والصالحين ممن استعصوا
على كل محاولات الإصلاح وأصروا على الفساد.
وأما بشأن بناء الجانب النفسى للإنسان بناءً حضاريًّا على يد رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقد تم من خلال هديه صلى الله عليه وسلم فى تربية الإنسان على التصالح
والعلاقات الودودة مع الآخرين، فالتعامل يتم على أساس حسن الظن بدلاً من الوساوس
والشكوك والأوهام التى تعذب الإنسان وتدفعه إلى القطيعة أو الانعزال أو الإساءة
للغير.
وخلص الهدى المحمدى الإنسان من كل ألوان العقد النفسية الناتجة عن ألوان الحرمان
المختلفة، ففى الله عوض عن كل مفقود.
أيضًا ربى النبى صلى الله عليه وسلم الإنسان المؤمن على الاعتدال بعيدًا عن الإفراط
أو التفريط بعيدًا عن المغالاة والعصبية.
وبذلك حول النبى صلى الله عليه وسلم الشخصية الهائجة القلقة المضطربة إلى شخصية
تتسم بالاستقرار والهدوء النفسى، وذلك على نحو ما يظهر فى هديه صلى الله عليه وسلم
فى علاج حالات الغضب والانفعال حيث جعل النبى صلى الله عليه وسلم موازين القوة
مرتبطة بالقدرة على السيطرة على المشاعر والرغبات والنـزوات، قال صلى الله عليه
وسلم : "ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذى يملك نفسه عند
الغضب" .
كذلك تحولت الشخصية العربية بـهديه صلى الله عليه وسلم من التشاؤم إلى التفاؤل حيث
نـهاهم صلى الله عليه وسلم عن التطير وكل ما فى حكم التطير وأبدلهم مكان التطير
الاستخارة والاستشارة، قال صلى الله عليه وسلم : "لا طيرة"، وكان صلى الله عليه
وسلم يعجبه الفأل الحسن. وفى هذا تأسيس لمنهج علمى إيمانى فى التعامل مع المستقبل
باستطلاع الحقائق من أهلها والاستعانة بالله تعالى.
أيضًا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التفاؤل، ونـهى عن التشاؤم، ليعلم كل
المصلحين كيف يتغلبون على الآثار النفسية التى ترتبت على المواقف الحرجة والأزمات
القاسية وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم : "أحد جبل يحبنا
ونحبه" ليزيل ما تبقى من مشاعر وآثار نفسية عند البعض بسبب الهزيمة عند جبل
أحد.
وفى هذا السياق ينهانا صلى الله عليه وسلم عن سب الأيام والأزمان لينتزع من نفس
الإنسان التشاؤم من يوم محدد أو مكان معين، فلا تأثير للزمان بذاته ولا للمكان
بنفسه وإنما يؤثر فيهما قضاء الله وقدره، قال صلى الله عليه وسلم : "لا
تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" أى إن الله تعالى هو المؤثر بقدرته فى
الزمان والمكان.
وبكل الإجلال يقف الإنسان مندهشًا أمام عظمة الهدى المحمدى فى البناء النفسى
للإنسان حين يدعم قوته النفسية لتكون قادرة على مواجهة الأزمات فلا تنهار أمام
خسارة فادحة أو فقد محبوب أو نحو ذلك، أو أن تجلس حبيسة عند مرارة الحدث بأسى وحزن
يفقد الإنسان عقله وصوابه، فمن هديه صلى الله عليه وسلم فى الأزمات والمحن التحلى
بالصبر والرجوع إلى الله فعنده العوض عن كل مفقود، وعدم الوقوع فى حبائل الشيطان
فلا تقل: لو كان كذا لكان كذا، ولكن توجه إلى الله تعالى: "قدر
الله وما شاء فعل".
إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ
|
|