مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

شبهات حول القرآن الكريم

كمال اللغة القرآنية ومنتهى تمامها في عيون الخصوم

ما دمنا ملتزمين بروح الإسلام في الحوار والموضوعية في البحث عن الحقيقة لا اختراع الحقيقة وتلفيق الدراسات والبحوث لإثباتها، ما دمنا كذلك؛ فإنه يعنُّ لي أن أعرض وجهة نظر هؤلاء البعض في حقيقة "كمال اللغة القرآنية ومنتهى تمامها"، فهم يتساءلون:
-هل بالفعل أعجز القرآنُ العربَ عن الإتيان بمثله؟!
-هل كان القرآن مثالاً لعربية بلا شوائب أو أخطاء لغوية؟!
-ثم أيهما يحكم على الآخر: العربية، أم القرآن؟!

ونُجيب بكل ثقة ويقين:
نعم، لقد أعجز القرآن العرب عن الإتيان بمثله، بكل ما تحمله كلمة الإعجاز من معاني التحدي والغلبة، ولو كانوا يستطيعون لفعلوا لكنهم لم يفعلوا.
نعم، القرآن مثال لعربية بلغت منتهى النقاء والصفاء والكمال والجلال، ظهرت في نظمه، وخصائص سياقه، ولفظه، وبدائعه في المقاطع والفواصل ومجارى الألفاظ ومواقعها؛ فقد كان القرآن أحد العوامل الحاسمة في إيمان من آمنوا حينما أشرقت الدعوة يوم لم يكن لمحمد صلى الله عليه وسلم حَوْل ولا طَوْل، ويوم لم يكن للإسلام قوة ولا مَنَعة.
نعم، إن القرآن هو الحاكم على العربية والمهيمن عليها، فلقد شاء الله أن يجعل العربية لغة الوحي المنزَّل لتصبح لغة دين، ثمَّ كتب لها الحفظ والخلود بحفظ القرآن وخلوده، وحفظ القرآن ليس مهمة بشر، بل هي أمر الله وحده:
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر/9.

وفي السطور التالية بيان لهذه الحقائق:
لقد نزل القرآن الكريم حجةً على رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وبرهانًا على صدق دعوته، وقد بلغ غايةَ الفصاحة ونهايةَ البلاغة بين قوم لا يخلون في جملتهم من شاعر فحل، أو خطيب مصقع؛ ومن هنا فقد كان القرآن الكريم جامعًا لفنون البلاغة، حاويًا لأطراف البيان والفصاحة، محكمًا في نظمه، حتى إنك تحسب ألفاظه لجمالها وروعتها منقادةً لمعانيه، فإذا ما تغلغلْتَ فيه وجدت معانيه منقادةً لألفاظه، فإذا ما رجعت البصر مرةً ومرة فإنك ستظل مترددًا بين انقياد معانيه لألفاظه وانقياد ألفاظه لمعانيه؛ حتى تؤمن أخيرًا بأنك تقرأ كلامًا ليس من كلام البشر.
ولا شك أنك بهذا إنما تجدد الموقف الذي وقفه العرب أمام روعة نظمه موقفَ الإعجاب والذهول والحيرة، ولكن سوء نيتهم وخبث طويتهم قد أغلق عيونهم عن الاستجابة لهذا النور المنبثق الوضاء.
ولقد عبر غير واحد من زعمائهم عن هذا الموقف في مثل قول عتبة بن ربيعة حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم الآيات الأولى من سورة فصلت ثم عاد إلى قومه فسألوه: ما وراءك يا أبا الوليد؟ فقال: "ورائي أني سمعت قولاً ما سمعت مثله قط، ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، وخلُّوا بين الرجل وبين ما هو فيه".
وفي مثل قول الوليد بن المغيرة: "والله إن له لحلاوة، وإن عليه لَطلاوة، وإن أعلاه لَمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يُعْلَى عليه".
والقرآن الكريم معجزٌ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد تحدَّى به ولم يُعارَض، وآيات التحدي كثيرة، منها قوله تعالى:{فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ} الطور/34، فكان التحدي بجميع القرآن الكريم في هذا الزمن، فلما ظهر عجزهم عن ذلك نزل قول الله تعالى:{قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} هود/13، ثم لما ظهر عجزهم عن هذا المقدار أيضًا نزل قوله تعالى:{فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} البقرة/23، حيث تحدَّاهم بمقدار سورة منه، فلما ظهر عجزهم عن الإتيان بمثل أقصر سورة لزمتهم الحجة لزومًا واضحًا، وانقطعوا انقطاعًا فاضحًا، يقول الفاضل التفتازاني في شرح المقاصد:
"إن الرسول صلى الله عليه وسلم تَحدَّى بالقرآن الكريم ودعا إلى الإتيان بسورة من مثله مصاقعَ البلغاء والفصحاء من العرب وغيرهم، مع كثرتهم كثرة حصى البطحاء، وشهرتهم بغاية العصبية والحميَّة الجاهلية، وتهالكهم على اللامبالاة والمباراة وركوب الشطط في هذا الباب، فعجزوا حتى آثروا المقارعة على المعارضة، وبذلوا المهج والأرواح دون المدافعة، فلو قدروا على المعارضة لعارضوا، ولو عارضوا لنُقل إلينا"
[1].
أجل، لقد سجَّل التاريخ هذا العجزَ على أهل اللغة أنفسهم في عصر نزول القرآن. وما أدراك ما عصر نزول القرآن؟ هو أزهى عصور البيان العربي، وأرقى أدوار التهذيب اللغوي، وهل بلغت المجامع اللغوية في أمة من الأمم ما بلغته الأمة العربية في ذلك العصر من العناية بلغتها، حتى أدركت هذه اللغة أَشُدَّها؛ وتَمَّ لهم بقدر الطاقة البشرية تهذيب كلماتها وأساليبها.. ما هذه الجموع المحشودة في الصحراء، وما هذه المنابر المرفوعة هنا وهناك؟ إنها أسواق العرب تُعرض فيها أَنْفَسُ بضائعهم، وأجْوَدُ صناعاتهم، وما هي إلا بضاعة الكلام وصناعة الشعر والخطابة، يتبارون في عرضها ونقدها، واختيار أحسنها والمفاخرة بها، ويتنافسون فيها أشد التنافس، يستوي في ذلك رجالهم ونساؤهم. وما أمرُ حسَّان والخنساء وغيرهما بخافٍ على متأدِّب.
فما هو إلا أن جاء القرآن... وإذا الأسواق قد انفضت، إلا منه. وإذا الأندية قد صَفِرَت، إلا عنه. فما قدر أحدٌ منهم أن يُباريه أو يُجاريه، أو يقترح فيه إبدال كلمة بكلمة، أو حذف كلمة أو زيادة كلمة، أو تقديم واحدة وتأخير أخرى. ذلك أنه لم يسدَّ عليهم باب المعارضة بل فتحه على مصراعيه، بل دعاهم إليه أفرادًا وجماعاتٍ، وكرَّر عليهم ذلك التحدي في صور شتى، متهكمًا بهم، متنزلاً معهم إلى الأخف فالأخف: فدعاهم أول مرة أن يجيئوا بمثله، ثم دعاهم أن يأتوا بعشر سور مثله، ثم أن يأتوا بسورة واحدة مثله، ثم بسورة واحدة من مثله
[2]، وأباح لهم في كل مرة أن يستعينوا بمن شاءوا ومن استطاعوا، ثم رماهم والعالمَ كلَّه بالعجز في غير مواربة فقال عز وجل:
{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} الإسراء/88.
وقال تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} البقرة/24.
فانظر أي استفزاز!! لقد أجهز عليهم بالحكم الباتِّ المؤبد في قوله:{وَلَنْ تَفْعَلُوا}، ثم هدَّدهم بالنار، ثم سوَّاهم بالأحجار. فلعَمري لو كان فيهم لسان يتحرك لما صمتوا عن منافسته وهم الأعداء الألِدَّاء، وأُبَاة الضَّيْم الأعزاء، وقد أصاب منهم موضع عزتهم وفخارهم، ولكنهم لم يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى معارضته، ولا سُلَّمًا يصعدون به إلى مزاحمته، بل وجدوا أنفسهم منه أمام طود شامخ، فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا.. حتى إذا استيأسوا من قدرتهم واستيقنوا عجزهم ما كان جوابهم إلا أن ركبوا متن الحتوف، واستنطقوا السيوف بدل الحروف. وتلك هي الحيلة التي يلجأ إليها كل مغلوب في الحجة والبرهان، وكل من لا يستطيع دفعًا عن نفسه بالقلم واللسان. ومضى عصر القرآن والتحدي قائم ليجرب كل امرئ نفسه
[3].
ولعل من خير ما يُساق في علاقة القرآن بالعربية ما ذكره أستاذنا الدكتور عبد الصبور شاهين
[4] من أن أفضل ما كان يُميِّز الإنسان العربي في جزيرته أنه كان إنساناً فطريًّا لم تستهلكه أساطيرُ موضوعة، ولا حضاراتٌ قاهرة، لقد كان إنسانًا يملك إرادته، وبقية دين إبراهيم مع فطرته السليمة، ولغتَه الكاملة، وبيانَه النافذ، وقابلياته التي أعده الله بها ليزكيه بالكتاب، وليكمل له الدين، وليتم عليه النعمة بالإسلام، وكانت لغته هي شغله الشاغل، فهو يعكف عليها في مواسم الحج متفننًا في تصريف القول بها وانتقاء ألفاظها، وصقل أشعارها وحفظ نصوصها، فلقد كان يدرك أن عبقريته وتفوقه ومستقبله ونقاءه في لغته العربية التي انتسب إليها فصار بها عربيًّا أي مبينًا، وصار من حوله رغم حضاراتهم "عجمًا" غير مبينين!
ومن ثم كانت الآية القرآنية: أن هذه اللغة التي عكف عليها العرب، لتجويدها وامتلاك ناصية المعاني الإنسانية والواقعية بها، قد تنزلت من عند الله بكلامه لتعبر عن أقصى وأحب ما يبلغ إليه إدراكهم، وما تتدبره عقولهم في مستوًى لا تبلغ قدرتهم على محاكاته، ومع ذلك فإن الألفاظ واحدة، والأدوات واحدة، وأشكال التصريف واحدة، أي إن المادة اللغوية هي هي، ومعاني الألفاظ هي هي، ولكنَّ تشكيل الألفاظ والمعاني والتراكيب والإيقاع بالوحي الإلهي هو الآية العظمى فوق كل منال.
فكيف اتسعت العربية بحروفها وكلماتها لهذا التنزيل الإلهي بالقرآن العظيم، دون أن تضيق عنه، أو تعيَى بحمله، وخلوده، فكأنما هو بيان يتفجر من قلبها؟! تلك صنعة الخالق، قال جل ثناؤه:
{الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} الرحمن/ 1 ـ 4.
ولقد كان نزول القرآن بالعربية حدثًا فريدًا في تاريخ الدين والإنسان، ذلك لأن ضرورة استمراره آية باقية لدعوة الإسلام ـ حققت من الناحية التاريخية استمرار العلاقة بينه وبين بيان العربية، بحيث يظل هذا البيان قرآنيًّا يفسر القرآن ويحيا بالقرآن.
وكان من الممكن لو لم ينزل القرآن أن يتغير بيان العربية بمرور الزمن وتتابع الأجيال، ثم تبدأ اللهجات العربية التي كانت متعددةً بتعدد القبائل أن تستقلَّ لتصبح من جيل إلى جيل لغاتٍ مستقلةً، لا علاقة بينها، إلا ما يكون من علاقةٍ بين لغات الفصيلة الواحدة، كما حدث للهجات الساميين التي أصبحت لغاتٍ مستقلة، أي أن نزول القرآن قد كفل مجموعة من النتائج في وجود اللغة العربية:
أولها: أن العرب جميعًا تشبثوا باللغة الفصحى لأنها لغة الوحي والعقيدة.
ثانيها: أن اللهجات العامية اقتصرت على حيز ضيق جدًا من ممارسة الحديث الخاص بين الأفراد مع اتساع مجالات استخدام الفصحى القرآنية.
ثالثها: أن مرور الزمن وتتابع الأجيال لم يكن له من تأثير على بقاء اللغة العربية الفصحى واستقرارها إلا مزيدًا من تفاعلها مع القرآن بحيث بقيت لغة الأمة العربية الخالدة بخلود القرآن.
رابعها: أن نطاق اللغة العربية قد اتسع بحيث امتد إلى كل المسلمين في أنحاء العالم، فهم يقرأون القرآن بالعربية، ويتعبدون بحروفه، ويتخذون طريقةَ كتابته وسيلةً لتسجيل لغتهم، وهذا في حد ذاته نصرٌ حققه القرآن للعربية، على مستوًى عالمي، ونعمةٌ أنعمها الله في نفس الوقت بالإسلام ولغته على تلك الشعوب.
خامسها: وهذا هو الأهم، كانت آيةُ القرآن اللغوية إعلانًا عن صلاحية اللغة العربية علميًّا وإنسانيًّا لحمل وترشيد مفاهيم الحضارة، والتعبير عنها مهما يكن مستواها؛ لأن اللغة التي تتسع للقرآن وآياته بهذا الاقتدار البالغ، لا بد أن تكون أقدر على التعبير عن أي مستوى من مستويات تقدم الإنسان عبر كل العصور.

• والقرآن هو الحاكم على العربية والمهيمن عليها، فلقد شاء الله أن يجعل العربية لغة الوحي المنزَّل لتصبح لغة دين ثمَّ كُتب لها الحفظ والخلود بحفظ القرآن وخلوده، وحفظ القرآن ليس مهمة بشر، ولا يتحقق بوسيلة من وسائل البشر، بل بأمر الله وحده:
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر/9.
فقد كان ذلك وعد الله تعالى بحتمية حفظ القرآن الكريم ـ وعدًا بحفظ اللغة العربية، وقد استند هذا الأمر المتحقق إلى أسباب أهمها
[5]:
1) قيام مناهج الاستدلال فى القرآن الكريم على أساس من اصطلاح العرب وأسلوبهم في النظر والتفكير، وبذلك أصبحت معرفة اللغة العربية الفصحى شرطًا لصحة الاستدلال في حياة الأمة العربية، وحياة المسلمين.
2) اتجه القرآن الكريم بخطابه للبشر من خلال خطابه للعرب، فكانت معرفة الحياة العربية شرطًا لمعرفة منازل هذا الخطاب القرآني.
3) منذ نزل القرآن الكريم كانت تلاوة القرآن، وحفظه، أو الميسور منه، أساسًا لصحة العبادة أو صحة العمل بالشرع، وبذلك أصبحت معرفة اللغة العربية الفصحى شرطًا لصحة الإيمان وصحة العمل بشريعة الله، والدين الحق.
ولقد أدَّى هذا الاقتران الحميم بين القرآن ولغة العرب إلى مجاهدة المسلمين العالمية لجمع هذه اللغة الشريفة وتدوينها، وتقنينها، وبذلك تيسر حفظ العربية بفضل هذا الجهد العظيم، الذي قاوم به علماء اللغة كافة المحاولات المعادية التي بذلت لإخراج هذه اللغة عن أصولها.
كذلك كان من وسائل حفظ هذه اللغة وصونها عن آفات الضياع، ما وضعه هؤلاء العلماء الأجلاء من شروط لصحة رواية اللغة شبيهة بتلك الشروط الموضوعة لحفظ الحديث، فتكلموا عن التواتر في اللغة وشروطه، وتكلموا عن السماع أو القراءة على الشيخ، وتكلموا عن الإجازة والمكاتبة، وتكلموا عن القياس اللغوي، ووضعوا له الشروط الضابطة، وتكلموا من الأخذ من اللغات الأخرى، وعن تعريب الغريب وطرقه، وتكلموا عن الكلمات المولدة، ومتى تؤخذ ومتى تُرد. وتكلموا عن اللهجات: صحيحها، وسقيمها، ومتروكها، وشاذها، ومنكرها.. إلى آخر هذه المباحث اللغوية التي حفلت بها كتب اللغة، والتي تم بها تمهيد الطريق أمام نمو اللغة العربية واتساعها على نسق العرب وشرطهم في بيانها، ودون إخلال بالأصول الراسية التي قامت عليها.
وكان من نتيجة هذا الجهد العظيم أن استمرت الصلة بين أصول اللغة العربية وبين فروعها وروافدها الجديدة، واتسعت بذلك لكافة الثقافات الأجنبية، كما اتسعت لكافة العلوم التي كشف عنها المسلمون، ولجميع المصطلحات العلمية التي أبدعوها لها في عصور ازدهار حضارتهم العربية الإسلامية. وذلك بغير أن تنقطع صلة آخرها بأولها، أو جديدها بقديمها. وكذلك وقع التواصل بين أجيال الأدباء والشعراء فأصبحنا نقرأ شعر امرئ القيس وزهير ولبيد في القديم، كما نقرأ شعر جرير والفرزدق والمتنبى بعدهم، وكما نقرأ شعر البارودي وشوقي وحافظ في العصر الحديث، رغم تبدل الظروف وتراكم المتغيرات، ورغم الحرب الشرسة التي يشنها أعداء العرب والمسلمين، والطامعون في أرضهم ومواردهم في العصور الحديثة، على لغتهم العربية وقرآنهم، ومع كل ذلك فما زلنا قادرين على الاستمرار على نفس الطريق الرحب الذي مهده لنا علماؤنا الأولون.
من كل هذا نرى أن القرآن الكريم كان في حكمة الله هو الحافظ لبقاء اللغة العربية صحيحة وسليمة بخصائصها ، وفق أصولها، على مرِّ الزمن.
في ضوء هذه الحقيقة أصبح من اليقيني في الفكر الإسلامي المستنير أن بقاء اللغة العربية وفاعليتها في وحدة وتماسك وتقدم الأمة العربية رهن بتمسكها واعتصامها بالقرآن الكريم.
ومعنى هذا أن كلَّ محاولات التغريب لهذه الأمَّة، لعزلها عن هذا الكتاب العربي المبين، الذي قام عليه ذكر العرب وبقاؤهم واستمرارهم إلى اليوم في التاريخ ـ إنما هو جهل أو تجاهل لحقيقة هذه الأمة، وإنكار أو تنكُّر لطبيعة هذه المقومات التي قامت وتقوم وتستمر في الوجود على أساسها، وهى طبيعة منذ فجر التاريخ "دينية " غير وضعية، بمعنى أنها تنزيلية بوحي الله، ويقينية عبر العصور والأحقاب، وليست فلسفية وضعية تتناقض وجهاتها وادعاءاتها عبر هذه العصور والأحقاب مع الواقع واليقين والعلم.
إن هؤلاء الذين يحاولون هذه المحاولات في هذا العصر، كما حاولها الكثيرون قبلهم في غير هذا العصر ـ يجهلون هذا الارتباط الوثيق بين اللغة العربية والقرآن الكريم، الذي جعل الله به من هذه اللغة الدينية والدنيوية مقومًا أساسيًّا في حياة العرب وقوميتهم ـ إنما هو في سنن الله الشاملة لحياة كل البشر ليس أساسًا فقط لبقاء اللغة العربية، وبقاء العرب ببقاء القرآن الكريم وبقاء الإسلام، وإنما هو أساس في نفس الوقت لبقاء الجنس البشرى كله ـ إلى ما شاء الله ـ على هذا التكامل والتقابل الذي لا تقوم البشرية بغيره، في تدافعها المستمر بين الخير والشر، والإيمان والإلحاد، والحق والباطل، والعربية والعجمة،{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} يوسف/21.
فالقرآن رسالة السماء إلى الأرض، فمن أراد أن يفهمه على هذا النهج فقد وقف بنفسه على مواطن العظمة، ومواضع الإعجاز فيه. ومن أراد أن يعرف أثره فى اللغة العربية فلينظر ذلك الأثر فى حياة المسلمين عقيدةً وسلوكًا، ليرى ذلك واضحًا وجليًّا.
قد تَقْصُر الأفهام عن المراد من آية من آياته، فيُظَنُّ أنها جاءت على غير ما تعارف عليه أهل اللغة. وقد يَعْجِز البصر عن الوصول إلى إعجاز نحوي جاء في أثناء آية، فيذهب الظن إلى أن القرآن قد تجاوز قواعد اللغة وما تعارف عليه أهلها، وهذا ـ لا شك ـ قصور وعجز فى الإنسان عن إدراك لغة القرآن وأساليبه البيانية، فهو كتاب ربِّ العالَمين، وهو الكمال المطلق، الذى يُغري أصحاب العقول الرشيدة أن يتوفَّروا لاستكشاف آفاق الكمال القرآنيِّ.

وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ
وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ

****************************

[1] إعجاز القرآن البياني بين النظرية والتطبيق، د. حفني محمد شرف، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، مطابع الأهرام، الكتاب الرابع،1390هـ، 1970م، ص 7 ـ 8.
[2] انظر كيف تنزل معهم في هذه المرتبة من طلب المماثل إلى طلب شيء مما يماثل. كأنه يقول: لا أكلفكم بالمماثلة التامة، بل حسبكم أن تأتوا بشيء فيه جنس المماثلة ومطلقها، وبما يكون مثلاً على التقريب لا التحديد. وهذا أقصى ما يمكن من التنزل. ولذا كان هو آخر صيغ التحدي نزولاً، فلم يجئ التحدي بلفظ "من مثله" إلا في سورة البقرة المدنية، وسائر المرات بلفظ "مثله" في السور التي نزلت قبل ذلك بمكة: فتأمل هذا الفرق فإنه طريف، وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم لفهم أسرار كتابه، والانتفاع بهدايته وآدابه.
[3] النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن، د. محمد عبد الله دراز، دار القلم، الكويت، ط4، 1977م، ص84 ـ 85.
[4] مع القرآن الكريم: رؤية مستنيرة لحقائق الإيمان والحياة، المقاولون العرب، العدد الرابع، ط 1400هـ/ 1979م
[5] د. رشاد محمد خليل، مدرس الثقافة الإسلامية بكلية التربية، جامعة الرياض، من سلسلة "مع القرآن الكريم"، العدد الخامس.


  تعليق عبد الملك
  تاريخ 6/28/2022 12:00:00 AM

تحميل الكتاب
أعلي الصفحة
   
   
  :الاسم
    :البريد الالكتروني
 
:التعليق

 

سلسلة الحوار الحق


برنامج شواهد الحق


برنامج أجوبة الإيمان


برنامج حقائق وشبهات


برنامج الرد الجميل


مناظرات أحمد ديدات


التوراة والإنجيل والقرآن


حقائق قرآنية


لماذا أسلمت


آيات القرآن ودلائل القدرة


صيحة تحذير


لماذا أسلموا


علماء مسلمون


محمد الرسالة والرسول


محمد المثل الأعلى


 
  
المتواجدون الآن
  10038
إجمالي عدد الزوار
  29135631

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي


أخى المسلم: يمكنك الأستفادة بمحتويات موقع بيان الإسلام لأغراض غير تجارية بشرط الإشارة لرابط الموقع