لقاء عالم3
أ. فاروق شوشة
"اللغة العربية في أزمة؛ لأن الإنسان العربي في أزمة, أحوال اللغة لا تنفصل عن الإنسان"  الشاعر والإعلامي الكبير فاروق شوشة شاعر من العصر الجميل يتميز بأسلوب دافئ ولغة عذبة سهلة في دواوينه ... وقد تميز في العمل الإذاعي، وتولى رئاسة الإذاعة المصرية في عام 1994م حتى عام 1997م, كما تفوق أيضًا في فن العربية الأول .. الشعر .. وقدم للعقل العربي والمكتبة العربية الكثير من الدواوين الشعرية والدراسات الأدبية، وقد انضم لمجمع اللغة العربية عضوًا في عام 1999م, ليشارك في تعزيز الاهتمام بالغة العربية، وهو يشغل الآن الأمين العام للمجمع منذ عام 2005م, وإيمانًا منا بدور كل مصري ومبدع وعالم وشاعر بدوره في النهضة وإصلاح المجتمع المصري الجديد, كان لـ" موقع بيان الإسلام " هذا الحوار لكي نقف على أهم المشكلات الثقافية، وأين تكمن أزمة لغتنا الجميلة، وآراؤه حول الثورة، وما يدور على الساحة المصرية، وأيضًا عن تفاؤله بالربيع العربي، وصفات الرئيس القادم كما يتمناها, كل هذه القضايا وقضايا أخرى في هذا الحوار المثمر ... حوار : مصطفى يوسف, ومنى ثابت ** في البداية نود التعرف على آخر دواوينكم الشعرية, وآخر ما قمتم به من تطوير في مجمع اللغة العربية بحكم منصبكم أمينًا عامًّا له؟ آخر دواويني الشعرية ديوان حاليًّا في المطبعة بعنوان " العودة إلى منبع النهر ", والديوان يضم مجموعة من القصائد, من بينها قصائد عن ثورة الخامس والعشرين من يناير وقصائد أخرى. أما آخر مشاغلي المجمعية هي الاهتمام بموضوعين: الانتخابات لملء الأماكن الشاغرة في عضوية المجمع, وهي ستة أماكن, وأيضًا التحضير لمؤتمر هذا العام الذي سينعقد في الأسبوع الأخير من شهر مارس القادم إن شاء الله. ** عانت الثقافة كثيرًا في العهد الماضي. فهل تتغير الصورة بعد الثورة؟ تغير الثقافة قبل أو بعد خاضع للتغير في المجتمع؛ إذا أفرزت الانتخابات القادمة تغيرًا في صيغة المجتمع المصري, وفي الأسس التي تقوم عليها مؤسساته, ليس فقط الثقافية ولكن الاقتصادية والاجتماعية والفنية وغيرها؛ فإننا نضمن للعمل الثقافي مناخًا مختلفًا إن شاء الله, هذا ما نريده ونطمح فيه, لكن إذا بقيت الأمور تُدار بنفس الطريقة القديمة فإننا لن نأمل في أي تغيير أو في أي تجديد. ** الثقافة والأدب لهما دور حيوي في صناعة النهضة. فكيف ترون ذلك؟ الثقافة والأدب من العوامل التي لا تحقق أثرًا مباشرًا؛ لكن تأثيرها يأتي بالتراكم ومُضِيّ السنوات, فما يكتبه الأدباء, وما يفعله المثقفون عادة لا يُؤْتي ثماره إلا بعد سنوات طويلة مثل العملية التعليمية لا يمكن أن نرصد نتائجها سنة بسنة؛ وإنما مع السنوات التي ستأتي نستطيع أن ندرك هل كانت الثقافة تسير في الطريق الصحيح؟ هل أنجز المثقفون ما كان ينبغي عليهم أن ينجزوه؟ هل حققت الحركة الأدبية انتماءً عميقًّا وصادقًا لحركة المجتمع الوطنية والقومية أم لا؟ ولذلك نحن الآن نحلم ونملك الحلم بعد قيام ثورة تغير ما كنا نشكو منه من فساد, ومن انعدام للعدل, ومن طغيان لفئة باغية على مقدَّرات الوطن والمجتمع. نحن نحلم بأن تكون الأوضاع القادمة أوضاعًا مهيِّأة للمثقفين وللأدباء لكي يحققوا ما نريده منهم. ** كيف رأى الأستاذ فاروق شوشة الثورات العربية, أو ما يُسَمَّى بـ" الربيع العربي " بصفة عامة, وثورة 25 يناير المصرية بصفة خاصة ـ كيف رآها بعيون الشاعر؟ أراها انتفاضة تأخرت؛ لأن معدل الظلم في العقود الأخيرة من الزمان في كل البلاد العربية بلا استثناء كان قد بلغ مدى غير مسبوق؛ وبالتالي المجتمعات التي كانت مؤهَّلة للثورة وللتغيير مثل تونس بدأت هذا الربيع, ثم تبعتها مجتمعات أخرى, مثل ما حدث في مصر, وما حدث في ليبيا, وما حدث في اليمن, وما يحدث الآن في سوريا. وأرى أن هذا الربيع العربي هو حلم الملايين من أبناء الشعوب العربية بأن تكون لهم حقوق في أن يمارسوا حياتهم بحرية وكرامة وشرف, وأن يُعاد توزيع الثروة في هذه البلاد توزيعًا عادلاً ليس فيه ظلم, وليس فيه فساد, وليس فيه سرقات التي حكمت العالم العربي طويلاً. وأعتقد أن مناخ هذا الربيع العربي يبشِّر بأن مستقبل هذه الدول والدول العربية التي ستقلِّدها في ثوراتها إن شاء الله سيكون مهمًّا جدًّا. ** تعاني وسائل الإعلام بعد الثورة حالة من الارتباك. فما المخرج من وجهة نظركم؟ المشكلة أن الذين يعملون في هذه الأجهزة الإعلامية ـ وأنا أتكلم عن الإعلام الرسمي أو الحكومي ـ قد عانوا سنوات طويلة من انعدام شخصيتهم في الأداء, ومن إغلاق الأبواب أمامهم في سبيل الاجتهاد أو الإبداع أو الابتكار؛ لكنهم عاشوا سنوات طويلة مقيَّدين بالتعليمات لا يستطيعون الخروج على ما هو مرسوم لهم, يردِّدون في معظم الأحيان أكاذيب يعلم الناس أنها غير حقيقية وغير صادقة؛ وبالتالي تَرَبَّت هذه الأجيال الإعلامية في مناخ فاسد, فلا ننتظر منهم أن يصبحوا مختلفين بين يوم وليلة, وإنما لابد من مرور وقت من الزمان لكي يعودوا إلى طبيعتهم، ولكي يمارسوا عملهم بمهنية وموضوعية حتى يحققوا مصداقيتهم عند المواطنين. ** يدعو البعض إلى تبني مشروع وطني يجمع الشعب في صف واحد. فكيف ترون ذلك؟ أين هذا المشروع؟ أنا أرى أن الثورة بدأت بهتاف واحد ونداء واحد في الميدان, وبعد أن خرجوا من الميدان تقسَّم هذا الجسد الواحد إلى أجساد متناثرة. وفي كل زاوية الآن من زوايا الميدان عندما يجتمعون نرى قومًا يهتفون هتافات مختلفة، ولهم خطيب مختلف، ولهم منبر مختلف. نحن الآن نعيش في ظل تقسيمات للثورة تزيد على المئة, ونسمع كلامًا يعارض بعضُه بعضًا. فكيف تحقق هذه الفوضى مشروعًا واحدًا للوطن؟! ** إذن ما المشروع القومي الذي تتمناه لمصر؟ هم بدأوا بـ: الشعب يريد إسقاط النظام, ويبدو أنهم لم يكن لديهم تفكير فيما سيلي إسقاط النظام, الذي سقط هو رموز النظام أو رأسه؛ أما النظام نفسه فما يزال باقيًا ومستقرًّا في الوزارات والمؤسسات والهيئات والشركات والمصالح الحكومية كأنه لم يحدث شيء؛ وبالتالي أنا أحلم أن كل ما ينتمي إلى العهد السابق يصبح بعيدًا عن ساحة الوطن وعن وجه العمل الوطني, وأن يُتاح العمل فقط للمخلصين من أبناء هذا الوطن. عندئذ ستصبح الأهداف معروفة؛ نريد وطنًا حرًّا عزيزًا مستقلاً كريمًا, فيه أوضاع اقتصادية تجعل الناس آمنين في حياتهم وسعداء بهذه الحياة, لا نريد وطنًا فيه بطالة للشباب, أو وطنًا يغامر الشباب فيه بأرواحهم ليموتوا في البحار، وهم يعبرونها إلى أوربا أو إلى غيرها من البلاد؛ نريد وطنًا يحقق بالفعل الحياة الحرة الكريمة والمستوى الاقتصادي والاجتماعي اللائق, وألا يكون تابعًا لدولة عظمى من الدول كما كان الحال في السابق, يملك إرادته ومصيره بين يديه. ** هل أنتم متفائلون بما يجري الآن من أحداث في مصر؟ بالرغم مما يشكو منه الناس من فوضى وتصرفات غير طبيعية ومن شكوى كبيرة أصبحت الآن تتبلور في هذه المقولة : " الثورة أخرجت أسوأ ما في الإنسان المصري, بدلاً من أن تخرج أنبل ما فيه وأجمل ما فيه". البلطجية في كل مكان.. الصراعات في كل مكان... ضرب النار والخروج على الشرعية في كل مكان. هذا المشهد جعل كثيرًا من الناس يتشاءمون ويحسون بأن الثورة لم تتمكن من تحقيق أهدافهم. لكن بالرغم من كل هذا فإن الذين خرجوا من التحرير في يوم معين وحققوا هذه الثورة قادرون على أن يعودوا إلى الميدان مرة أخرى, وأنا أقصد المخلصين والشرفاء من شباب هذا الوطن؛ ليغيِّروا من هذا الواقع الفَجّ. ** هل اللغة العربية في أزمة؟ وكيف نستطيع النهوض بها؟ اللغة العربية في أزمة؛ لأن الإنسان العربي في أزمة, أحوال اللغة لا تنفصل عن الإنسان, إذا وجدنا إنسانًا أميًّا لم يتعلم؛ اللغة العربية في هذه الحالة ليست في أزمة ولكنها ميتة, إذا وجدنا إنسانًا لا يُحْسِن تعلم لغته؛ لأن المدرسة لا تعلِّم والجامعة لا تعلِّم؛ سنقول هذا الإنسان هو المسئول عن المستوى اللغوي الهابط الذي يمارسه عندما يتكلم أو عندما يكتب, إذا وجدنا لغة لا يحترمها قومها: في المدرسة, في الجامعة, في الإعلام, في الصحافة, في أي منبر تُستخدم فيه اللغة. انظر إلى الصحافة الآن التي أصبحت تُكتب بالعامية, وإلى برامج الإذاعة والتليفزيون والفضائيات بالعامية القبيحة, العامية الساقطة, وليس مجرد العامية التي كنا نجدها قديمًا في الأفلام المصرية؛ فنجد الاحترام وأدب الحوار واللغة السليمة, وإن كانت عامية. أما الآن فالشتائم والتعابير البذيئة موجودة في الأغاني, موجودة في الأفلام, موجودة في المسرحيات. إن المساحة المُعْطاة للغة الصحيحة في كل أجهزة الدولة مساحة قليلة جدًّا تتمثل في نشرات الأخبار أو في القراءات القرآنية أو في بعض البرامج التراثية والعلمية والثقافية. لكن الكثرة الكاثرة مما يقدمه المجتمع يقدمه بعامية هي عامية قاع المجتمع؛ لذلك تكثر فيها البذاءة, وتكثر فيها السوقية.. لا إصلاح للغة إلا بإصلاح المتعلم, أن نتعلمها في المدرسة ومنذ النشأة تعلمًا صحيحًا؛ لنحبها وليس لنكرهها كما هو الحادث الآن. **هل هناك فجوة بين الأجيال؟ وكيف يمكن تحقيق التواصل بين الشباب بطاقاتهم وحماسهم والشيوخ بخبرتهم وعلمهم؟ قديمًا كانت الأسرة هي المجتمع الصغير, وكان الأبناء يربيهم الكبار؛ تعليمات الأم والأب هي الدستور والقانون. الآن أصبحت أجيال الأولاد والبنات يتأثرون بالشِّلَّة أكثر مما يتأثرون بالبيت, ويتأثرون بالتليفزيون والفضائيات والأغاني والتجمعات أكثر مما يتأثرون بالبيت. لم يعد للبيت دور في تنشئة الأبناء إلا فيما ندر؛ أما في معظم الأحوال تجد الأب طوال اليوم مشغولاً في عدد من الأعمال, وتجد الأم المشغولة هي الأخرى بالعمل تركت أولادها للمربية أو لكذا أو لكذا, وانتهت العلاقة الحميمة التي كان ينبغي أن تكون. إذن نحن نربي أطفالاً بدون قدوة من الأب أو الأم, وفي غيبة من هذين العنصرين, ونترك الأطفال يقعون في واقع العلاقات الاجتماعية التي يمارسونها في النادي أو في الحفلات أو في الأنشطة المتاحة!....إلخ. هذا خلق الفجوة بين الأجيال, أنا أذكر في جيلي أني لم أكن أبتعد عن أبي إلا خطوات قليلة؛ لأني طيلة الوقت أنظر إليه, أقلِّده, أحاكيه, أنتبه إلى ملاحظاته, أحاول ألا أُغضبه أو أُسخطه. الجيل الذي جاء بعدي الآن ماذا يفعل؟ يخرج على كل هذه الشرعية, ويمارس حياته بكل حرية. **في عصر التقنية العلمية الحديثة وعصر السرعة وعصر السماوات المفتوحة.. هل تراجع الاهتمام بالشعر والأدب؟ ولماذا؟ تراجع الاهتمام بالشعر أو بالأدب عمومًا مصدره ما كنا نتكلم فيه؛ الشعر لكي ينتشر محتاج إلى قارئ, قارئ الشعر لابد أن يكون مُحْكِمًا للغته, يستطيع أن يقرأ القصيدة أولاً قراءة صحيحة, ثم يتسلل إلى زوايا وأعماق هذه القصيدة. الآن خريج الجامعة لا يستطيع أن يقرأ نصًّا شعريًّا؛ بل إن بعض أساتذته لا يُحسنون تدريس هذه النصوص الشعرية. كيف أطمع في وجود قارئ للشعر ولغته مُهَلْهَلة, غير متماسكة, لم يتعلمها التعلم الصحيح؟ النشء عمومًا يستطيع أن يقرأ قصة وأن يقرأ رواية؛ لأنه يحوِّلها إلى حدوتة. أما النص الشعري فيتطلب إدراكًا للغة التي كُتب بها الشعر, وهذا هو التحدي الصعب. **ما أمنيتكم لمصر بعد الثورة؟ أمنيتي أن يصبح وطنًا عزيزًا كريمًا له مكانته بين شعوب المنطقة كما كان حاله طوال عمره؛ إلا في الفترة التي أصبح فيها وطنًا قِزْمًا يحكمه عصابة من اللصوص؛ سرقوا ثرواته, ونهبوا ما فيه من أرض ومن مال, وصنعوا بهذا الذي نهبوه عالمهم من الثروات والمتع والمباهج, بعيدًا عن الشعب المسكين الذي يعاني؛ فلا يجد مصحة تعالجه, ولا عملاً يعطيه عائدًا منه, ولا مأوى يسكن فيه, ولا أمان لأبنائه الذين سيُنجبهم؛ وبالتالي نريد وطنًا حرًّا له مكانته بين الشعوب, كل مَنْ فيه مِنْ مواطنين يفتخرون بأنهم ينتسبون إلى هذا الوطن. ** ما صفات الرئيس القادم كما يتمناها الأستاذ فاروق شوشة؟ صفات الرئيس القادم أن يكون عكس الرئيس السابق في كل شيء؛ الرئيس السابق كان لصًّا وقاطع طريق وزعيم عصابة فلا نريد أن يكون زعيم عصابة. الرئيس السابق كان يفاخر بأن لديه دكتوراه في العِنْد نريد رئيسًا لديه عقل وفكر وتفتح وقدرة على الحوار. الرئيس السابق ترك الأمور لحاشيته ولأبنائه واتجه إلى فكرة التوريث فكانت نهايته. نريد رئيسًا على مقاس الوطن الذي تحرر وأصبح عزيزًا وكريمًا. ** هل أنتم متفائلون بصفة عامة؟ لابد أن أكون متفائلاً؛ لأن طبيعة الحياة أنه مهما جاء ما يُفْسد، أو تصوَّرنا أن هناك عوائق ما يجيء فجر جديد؛ مَنْ كان يظن أن ثورة الخامس والعشرين من يناير ستجيء, قبلها بيوم واحد كان الناس في قمة اليأس؛ الظلمة في كل جانب, والسخط على لسان كل إنسان, والأمور في مصر لا تسر عدوًّا ولا حبيبًا. فجأة جاءت الثورة وانفتح باب الأمل والتفاؤل. كذلك ما يحدث الآن بعد الثورة من عراك, ومن بلطجة, ومن صراعات, ومن مطالب فئوية, ومن تمرد عن العمل, ومن قطع للطرق, ومن اعتصامات في الطرق وفي الأماكن العامة.. كل هذا سيزول؛ لأن ما هو أكبر منه بكثير, وهو فساد النظام السابق سقط في ساعات قليلة, فما نحن فيه الآن سيتغير في أيام قليلة إن شاء الله.
|