حرف العين
العقد ـ العهد ـ الميثاق
• أصل العقد فى
اللغة: نقيض الحَلِّ، واستُعِيرَ لمعنى توكيد اليمين والعهد. فالعَقْد: أشَدُّ
العهود توكيدًا[1].
• والعهد فى اللغة: الإقرار بالمحافظة على الشىء، يقال: تَعَهَّد الشىءَ
وتعاهَدَهُ، أى حافَظَ عليه. والعهد: الوصيَّة، والالتزام[2].
• والميثاق فى اللغة: حبلٌ أو قيد يُشَدُّ به الأسير، ثم أطلق على العهد المحكم[3]،
من باب تشبيه شدة الالتزام بذلك الحبل الذى لا يمكن الخلاص منه.
ومما سبق يتضح أن هذه الألفاظ المتقاربة فى المعنى، على درجات فى القوة والشدة:
- فأعلاها الميثاق، المستعار من الحبل المحكم والقيد الذى لا مخلص منه.
- ثم العقد، وهو العهد المؤكَّد، تشبيهًا له بالشىء المعقود، والشىء المعقود يمكن
حلُّه، بخلاف الوثاق.
- ثم العهد المُعَبَّر به عن المحافظة والالتزام.
وقد راعَى القرآن الكريم هذه الدرجات من الشدة فى استعماله للألفاظ المذكورة.
ففى العَقْد يقول الله عز وجل:
- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}
المائدة/1.
- {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي
أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}
المائدة/89.
العقود: العهود التى ألزم الله بها عباده من تكاليف شرعية وأمانات وغيرها،
شُبِّه العهد المؤكَّد بعُقْدة الحبل ونحوه[4]،
ثم استعمل مجازًا فى الالتزام فغلب استعماله حتى صار حقيقة عرفية، فالعهود عقود،
والتحالف من العقود والتبايع والمؤاجرة ونحوها من العقود[5].
ووصف اليمين المؤكَّد بالعقد، كأنه عُقِد بالقصد والنيَّة[6].
أمَّا العهد فتكرر ذكره فى القرآن الكريم كثيرًا، ومن شواهده:
- {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ
مِيثَاقِهِ} البقرة/27.
- {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا
يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ} الرعد/20.
- {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ
مَسْئُولًا} الإسراء/34.
ذِكْر الميثاق بعد العهد يُفِيد أنهما متغايران، فالعهد: إقرار والتزام،
والميثاق: شدة توكيد العهد وإحكامه[7].
ولذلك استُعمِل الميثاق تعبيرًا عن عهد الله عز وجل إلى أنبيائه "صلوات
الله وسلامه عليهم"؛ ولشدة أمر هذا العهد وقوته، قال الله عز وجل:
- {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا
آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا
مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ
عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ
مِنَ الشَّاهِدِينَ} آل عمران/81.
وعُبِّر به عن الالتزام بعهد الإيمان والإقرار بالربوبية، كما فى قول الله
عز وجل:
- {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا
تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى
وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ
وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ
مُعْرِضُونَ} البقرة/83.
وعُبِّر به عن المعاهدات والمصالحات بين الناس؛ توكيدًا لأمر هذه المعاهدات،
كما فى قوله عز وجل:
- {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ
وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} النساء/90.
كما عُبِّر به عن المعاشرة بين الأزواج، نحو قوله عز وجل:
- {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى
بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا}
النساء/21.
وُصِف الميثاق بالغلظ لقوَّته وعظمته.
• ونخلص مما سبق إلى أن الألفاظ "عقد ـ عهد ـ ميثاق"
بينها تقارب دلالىّ؛ حيث تشترك فى معنى الالتزام والمحافظة. وتتدرَّج فى الشدة:
فأعلاها الميثاق، ثم العقد، ثم العهد.
***************************
[1]
اللسان (ع ق د).
[2]
مقاييس اللغة، اللسان (ع هـ د).
[3]
اللسان (و ث ق).
[4]
الكشاف 1/590 – 591.
[5]
التحرير والتنوير 6/24-25.
[6]
الكشاف 1/640.
[7]
الكشاف 1/268.
|
|