مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

الشبهة التاسعة

استنكار أمر النبي صلى الله عليه وسلم  بقتل الوَزَغ (البُرْص)(*)

مضمون الشبهة:

يستنكر بعض الواهمين أمر النبي صلى الله عليه وسلم  بقتل الوزغ، الذي جاء في الحديث الذي رواه الشيخان في صحيحيهما عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن أم شريك أخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم  أمرها بقتل الوزغ.

وفي الحديث الذي رواه الإمام البخاري عن أم شريك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أمر بقتل الأوزاغ، وقال: «كان ينفخ على إبراهيم عليه السلام».

وفي رواية عند الإمام مسلم: «من قتل وزغةً في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة لدون الأولى، وإن قتلها في الضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة لدون الثانية».

ويتساءلون: ما ذنب هذا الحيوان الصغير حتى يبيده المسلم إبادة كاملة؟! مع العلم بأنه ليس مؤذيًا، ولا يقبل أن يكون الدافع لذلك كونه كان ينفخ النار على إبراهيم عليه السلام؛ فلا يُعقل أن يؤثر ذلك الحيوان الضعيف في نار عظيمة كهذه، حتى تؤدي إلى حرق نبي الله إبراهيم عليه السلام.

ولو سلَّمنا بذلك فمن الظلم البين أن نأخذ بجريرة تلك الحيوانات وقتئذ جنسًا كاملاً على مر العصور والأزمان.

ويتعجب هؤلاء من تلك الروايات، ساخرين من ذلك التقسيم الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم جزاء لمن قتل وزغةً في أول ضربة أو في الثانية أو في الثالثة.

وهم يرون أن أمرًا كقتل الوزغ لا يدخل مطلقًا في مهمة الأنبياء، بل مهمتهم- في نظرهم- تقتصر على إيضاح العلاقة بين العبد وربه، ولا دخل للأوزاغ في ذلك.

وجه إبطال الشبهة:

إن الأحاديث التي جاء فيها الأمر بقتل الوزغ صحيحة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا مطعن فيها أو إشكال، أما ما أثاره هؤلاء المشككون حول تلك الأحاديث من افتراءات فباطل مردود كالآتي:

·  لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الأوزاغ، وسمَّى الوزغ فويسقًا؛ لأنه خرج عن خلق معظم الحيوانات بزيادة الضر والأذية؛ فأُلحق بالخمس الفواسق التي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها في الحِلّ والحَرَم، والوزغ حيوان مؤذٍ يضر الناس في معاشهم وطعامهم، كما أثبت ذلك العلم الحديث.

·  كون الأوزاغ كانت تنفخ النار على إبراهيم عليه السلام ليس هو السبب الأصيل للأمر بقتلها، بقدر ما في ذلك من بيان لخبث جنس الأوزاغ ودناءة طبعها، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرنا بالبحث عن الأوزاغ وتتبعها لقتلها! بل الأمر محمول على ما إذا تكاثرت في مكان ما بحيث تتسبب في ضرر بالغ.   

·       اختلاف الأجر في قتل الأوزاغ حسب الضربة الأولى أو الثانية أو الثالثة لا غرابة فيه؛ فهو معلل؛ إما لأن المسلم حين قتل أحسن، فيندرج تحت قوله صلى الله عليه وسلم: «... فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة»، أو يكون معللاً بالمبادرة إلى الخير والمسارعة فيه، فيندرج تحت قوله تعالى: )فاستبقوا الخيرات( (البقرة/ ١٤٨). 

·  لم يقل أحد من العلماء: إن مهمة الأنبياء تقتصر على إيضاح العلاقة بين العبد وربه؛ فإنه بجانب ذلك فقد أتى النبي صلى الله عليه وسلم بشريعة تتسم بالشمول لكل زمان ومكان، ولكل كبيرة وصغيرة، تنتظم بها شئون العباد ومعايشهم، ومن أهم أهداف الشريعة الإسلامية تحقيق المصلحة للناس ورفع الضرر عنهم، والأوزاغ جنس من الكائنات التي تتسبب في ضرر الناس وأذيتهم، فوجب قتلها؛ عملاً بالقاعدة الفقهية (الضرر يُزال).

التفصيل: 

لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث بقتل الأوزاغ وحث على ذلك، وقد جاء ذلك في الصحيحين من حديث سعيد بن المسيب عن أم شريك «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بقتل الأوزاغ»([1]). وزاد البخاري: «كان ينفخ على إبراهيم عليه السلام».

ورُوي أيضًا عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للوزغ:«الفويسق»([2]).

وروى الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قتل وزغة في أول ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية فله كذا وكذا حسنة لدون الأولى، وإن قتلها فيالضربة الثالثة فله كذا وكذا حسنة لدون الثانية»([3]).

والأمر بقتل الوزغ ورد أيضًا في كتب السنة الأخرى عن أكثر من راوٍ بأسانيد صحيحة؛ فقد جاء في سنن ابن ماجه، وسنن الترمذي، وصحيح ابن حبان وغيرها من كتب السنن والمسانيد.

وعلى ذلك، فهذا الأمر ثابت صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لإيراد الشيخين- البخاري ومسلم- له في صحيحيهما، ومن المعلوم الثابت أن الأمة قد أجمعت على صحة ما جاء فيهما.

يقول الإمام النووي: "أجمعت الأمة على صحة هذين الكتابين، ووجوب العمل بأحاديثهما"([4])

وقال في مقدمة شرحه لصحيح مسلم: "فإن أخبار الآحاد التي في غيرهما يجب العمل بها إذا صحت أسانيدها ولا تفيد إلا الظن، فكذا الصحيحان، وإنما يفترق الصحيحان وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحًا لا يحتاج إلى النظر فيه، بل يجب العمل به مطلقًا، وما كان في غيرهما لا يُعمل به حتى يُنظر وتُوجد فيه شروط الصحيح"([5]).

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ليس تحت أديم السماء كتاب أصح من البخاري ومسلم بعد القرآن"([6]).

وقال الإمام الشوكاني: "ولا حاجة لنا في الكلام على رجال إسناده؛ فقد أجمع أهل هذا الشأن أن أحاديث الصحيحين أو أحدهما، كلها من المعلوم صدقه بالمقبول المجمع على ثبوته، وعند هذه الإجماعات تندفع كل شبهة، ويزول كل تشكيك، وقد دفع أكابر الأئمة من تعرض للكلام على شيء مما فيهما، وردوه أبلغ رد، وبينوا صحته أكمل بيان، فالكلام على إسناده بعد هذا لا يأتي بفائدة يُعتد بها، فكل رواته قد جازوا القنطرة، وارتفع عنهم القيل والقال، وصاروا أكبر من أن يُتكلم فيهم بكلام، أو يتناولهم طعن طاعن، أو توهين موهن"([7]).

وقال الشوكاني أيضًا في "تحفة الذاكرين": "واعلم أن ما كان من أحاديث هذا الكتاب في أحد الصحيحين فقد أسفر فيه صبح الصحة لكل ذي عينين؛ لأنه قد قطع عرق النزاع ما صح من الإجماع على تلقي جميع الطوائف الإسلامية لما فيهما بالقبول، وهذه رتبة فوق رتبة التصحيح عند جميع أهل المعقول والمنقول، على أنهما قد جمعا في كتابيهما من أعلى أنواع الصحيح ما اقتدى به وبرجاله من تصدى بعدهما للتصحيح"([8]).

وقد شكك بعض المغرضين في تلك الأحاديث التي تأمر بقتل الوزغ، وتحث على المبادرة في ذلك، وأوردوا شبهات وإشكالات في متونها؛ في محاولة منهم للتشكيك في الأحاديث الصحيحة الثابتة.

والمؤمن الصادق ينبغي له أن يسلم بكل ما جاء في القرآن والسنة الصحيحة، وإذا سأل عن حكم فإنما يسأل عن حكمته ليطمئن قلبه، لا اعتراضًا عليه، قال الله سبحانه وتعالى:)وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسولهأمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبينًا (36)( (الأحزاب).

أما تلك الإشكالات فسنوردها واحدًا تلو الآخر مع بيان زيفها وبطلانها:

·      قالوا: إنه ليس لهذه الحيوانات ذنب حتى نستأصلها جميعًا؛ فهي ليست مؤذية أو سامة.

وهذا كلام عارٍ عن الصحة، ويتبين ذلك من تعريف العرب للوزغ، جاء في "عون المعبود": "وفي النهاية: الوَزَغ جمع وَزَغَة بالتحريك، وهي التي يقال لها: سامّ أبرص، وجمعها أوزاغ ووزغان. وسماه فويسقًا؛  لأن الفسق الخروج، وهن خرجن عن خلق معظم الحشرات بزيادة الضرر، وتصغيره للتعظيم أو للتحقير؛ لأنه مُلْحَق بالخمس- أي الفواسق الخمسة- التي تُقتل في الحِلّ والحَرَم"([9]).

ومع ذلك فالحديث أسماه "فويسقًا" لا سامًّا كما وصف الكلب والغراب والفأرة والحدأة، فالفسق المقصود به هو الخروج عن حد النفع، والضرر لا يقتصر على نوع واحد، فالأضرار تختلف عن بعضها، فهناك:

o    أضرار ناتجة عن الرؤية؛ كرؤية العناكب والصراصير والخنافس.

o    أضرار ناتجة عن السمع؛ كعُواء الكلاب والذئاب ونهيق الحمار.

o    أضرار ناتجة عن اللمس؛ كالنحل أو الزنابير أو قنديلالبحر.

o    أضرار ناتجة عن الشـم؛ كحيوان الظربان الذي يصدر رائحةكريهة.

o    أضرار ناتجة عن التذوق؛ كتذوق السم أو طعام مسموم.

والضرر أيضًا قد يكون ناتجًا عن فرد واحد من الحيوان؛ كالثعبان أو العقرب مثلاً، فهو لا يحتاج قطيعًا كاملاً لإحداث الضرر، وإنما الفرد الواحدمنه شديد الأذى.

أو أن الضرر ناشئ عن اجتماع الأفراد معًا؛ كما في النمل أو الجراد أو العصافير نفسها؛ حيث يتسبب القطيع أو السرب منها بإهلاك المحاصيل الكاملة.

أما بالنسبة لضررالوزغ فمعلوم أنه يسبب الاشمئزاز والقُشَعْريرة، كما يسبب النفورلـمُشاهِدِه، وهو يسبب الرعب عند سماع صوته، خصوصًا عند الأطفالليلاً.

ويعتمد غذاء البرص أساسًا على الحشرات، التي تعتبر بدورها عاملاً مهمًّا لانتقال الأمراض وانتشارها؛ لذلك وجبالتحذير منه خشية ما قد يعلق به من جراثيم وميكروبات.

والوزغ حيوان ليلي، يسكن في النهار بالاختباء في الشقوق ونحوها؛ لذلك قد تجده مختبئًا في أماكن الطعام، كما قد يضع بيضه في تلك الأطعمة([10]).

وزغة سامة تستقر داخل كوب من العصير أو غيره

يؤكد هذا بحث علمي رصين للدكتور أحمد كمال الدين عبد الجواد عن الوزغ، ذكر فيه أن الأوزاغ موطن للعديد من الأمراض، ومنها:

أولاً. الأمراض البكتيريةBacterialdiseases  :

تحمل الأوزاغ بكتيريا السالمونيلا Salmonella؛ حيث إنها لا تتأثر بها، ولكنها تنقلها إلى العوائل الأخرى.

ثانيًا. الأمراض المعويـةGastrointestinaldiseases  :

تحتوي الأوزاغ العديد من الطفيليات الـمُمرضة، وأكثر هذه الطفيليات شيوعًا هو طفيل الكريبتوسبوريديم Cryptosporidium، وعندما تأتي هذه الطفيليات إلى الأوزاغ تظهر عليها بعض الأعراض، مثل: كثرة الترجيع أو التقيؤ لا إراديًّا، سيولة البراز، لطخات من البراز حول المكان المحيط به، فقدان الشهية، وغير ذلك من الأعراض، أيضًا يأتي إليها الديدان الدبوسية Entrobiusvermicularis؛ حيث تشاهد بيوض هذه الديدان في البراز، ومن المعروف أن الدودة الدبوسية مُعدية؛ ولذلك من السهل أن تنتقل من الأوزاغ إلى غيرها من العوائل.

ثالثًا. الأمراض التنفسيةRespiratorydiseases  :

تأتي أمراض الجهاز التنفسي من أشياء عديدة، منها نوع من أنواع الطفيليات يُسمى البنتاستوميدا Pentastomida، والمعروفة بعد تطورها بالديدان اللسانية، والتي تصيب الجهاز التنفسي للأوزاغ، وذلك بتآكل الأنسجة الداخلية للجهاز التنفسي، والبطانات الداخلية للجيوب الأنفية.

وقد دعم البحث بالعديد من المؤتمرات والهيئات البحثية العالمية التي اهتمت بهذا الأمر، ومنها:

o    وكالة حماية الصحة ببريطانيا.

o    علماء الأحياء بجامعة براون.

o    الجمعية البيئية الأمريكية.

o    الاتحاد الأفريقي لعلم الأوبئة والصحة العامة.

o    أكاديمية الطب البيطري والعلوم الصيدلية في الجمهورية التشيكية.

o    المعهد البرازيلي للبيئة والموارد الطبيعية([11]).

· أما الإشكال الثاني الذي أوردوه فهو استنكارهم ما ورد في رواية البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ، وقال: «كان ينفخ على إبراهيم عليه السلام»، ووجه استنكارهم أنه لا يُعقل- في نظرهم- أن يكون سبب أمر النبي بقتل الوزغ هو كونها كانت تنفخ النار على إبراهيم عليه السلام؛ فهذا حيوان صغير ضعيف لا يؤثر في النار.

وللرد على هذه الفِرْية نورد قول الإمام البيضاوي رحمه الله: "قوله: «كان ينفخ على إبراهيم»: بيان لخبث هذا النوع وفساده، وأنه بلغ في ذلك مبلغًا استعمله الشيطان فحمله على أن ينفخ في النار التي أُلقي فيها الخليل وسعى في اشتعالها، وهو في الجملة من ذوات السموم المؤذية"([12]).

وتفصيل رواية الإمام البخاري ما أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح عن سائبة مولى الفاكه بن المغيرة: «أنها دخلت على عائشة فرأت في بيتها رمحًا موضوعًا، فقالت: يا أم المؤمنين، ما تصنعين بهذا؟ قالت: نقتل به هذه الأوزاغ؛فإن نبي الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا: أن إبراهيم لما أُلقي في النار لم تكن في الأرض دابة إلا أطفأت النار، غير الوزغ، فإنها كانت تنفخ عليه، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله»([13]).

والذي يظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بيَّن هذه القصة لبيان خبث طبعه، ودناءة جِبِلِّته، وإنما السبب في الأمر بقتله هو كونه مؤذيًا، وإلا فالظاهر أن ما فعلته وزغات عهد إبراهيم عليه السلام لا يعاقب به وزغات هذا الزمان.

فالسبب الأصلي في الأمر بقتله هو إيذاؤه واعتداؤه، ومن جملة ذلك ما فعل أبناء جنسه لسيدنا إبراهيم عليه السلام ([14]).

وللرد على قولهم: كيف يُعقل أن تكون نفخة البرص ذات أهمية وتأثير على نار عظيمة كهذه! نقول: إن الحديث لم يذكر أنها أدت إلى إشعالها، وإنما ذكر منها فعل النفخ ذاته، والذي يُعتبر رمزًا للعداوة؛ فإن إبليس لما أُمر بالسجود لآدم عليه السلام لم يكن لسجوده قيمة بقدر ما كان تعبيرًا عن الطاعة، والأمر هنا كذلك؛ فنفخة الوزغ ليس لها قيمة في إشعال النار، بقدر ما فيها من خبث جنس الأوزاغ ودناءة طبعها.

·  قالوا: حتى إذا سلمنا بأن سبب قتلها أنها نفخت النار على إبراهيم، فلماذا إذًا نقتل ذريتها جميعًا على فعل لم تفعله؟!

وهذا ادعاء باطل؛ لأن السبب كما أوضحنا هو ما تحدثه من أضرار؛ حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها عند رؤيتها، لا بالبحث عنها والسعي وراءها للأخذ بالثأر.

وإذا كان الأمر كذلك فلنا أن نتساءل: لماذا تُعاقب الحية على جريمتها هي ونسلها كما جاء في (سفر التكوين): "فقال الرب الإله للحية: لأنك فعلت هذا ملعونة أنت من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية. على بطنك تسعين، وترابًا تأكلين كل أيام حياتك. وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها. هو يسحق رأسك، وأنت تسحقين عقبه" (التكوين 3: 14، 15).

وزيادة في البيان: لو قلنا لعائلة: اقتلوا الصراصير والذباب، هل يعني ذلك أننا نطلب منهم البحث عن أي ذبابة أو صرصور في أي مكان وزمان ثم قتله؟! بالطبع لا، ولكن لحالة خاصة أنها تكاثرت بمنزل ما فسببت أضرارًا في هذا الموضع، الشيء نفسه في الوزغ، ليس قول النبي صلى الله عليه وسلم يعني: ابحثوا عن الوزغ أينما كان واقتلوه، ولكن فقط عند تكاثره في مكان ما، ومعلوم أن جميعنا قد استعمل مبيدات لقتل الذباب والصراصير.

وإننا لنعجب عندما نرى أناسًا يفزعون حينما يرون عنكبوتًا أو فأرًا أو ذبابة أو بعوضة... إلخ، فلا يترددون في قتلها دون تفكير، أما عند الوزغ فإنهم يتوقفون ويدافعون عنه لا لسبب إلا لأن الذي أمر بقتله هو محمد صلى الله عليه وسلم.

·  يتعجب هؤلاء من بعض الروايات التي جاء فيها أن ثواب من يقتل وزغة في أول ضربة فله مئة حسنة، وفي الضربة الثانية يكن له أقل من ذلك من الحسنات، وفي الضربة الثالثة أقل من ثواب الضربة الثانية، ويسخرون من ذلك التقسيم.

وللرد على ذلك نورد ما ذكره صاحب "عون المعبود"، قال: "قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام في أماليه: الضربة الأولى معلَّل إما لأنه حين قتل أحسن، فيندرج تحت قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة»([15])، أو يكون معلَّلاً بالمبادرة إلى الخير، فيندرج في قوله سبحانه وتعالى:)فاستبقوا الخيرات((البقرة/ ١٤٨)، وعلى كلا التعليلين تكون الحية أولى بذلك والعقرب لعظم مفسدتهما".

وقال في موضع آخر: "الأجر في التكاليف على قدر النصب إذا اتحد النوع احترازًا عن اختلافه كالتصدق بكل مال الإنسان، وشذَّ عن هذه القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم في الوزغة:«مَنْ قتلها في المرة الأولى فله مئةحسنة، ومن قتلها في الثانية فله سبعون حسنة»، فقد صار كلما كثرت المشقة قل الأجر، والسبب في ذلك أن الأجر إنما هو مترتِّب على تفاوت المصالح لا على تفاوت المشاقّ؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يطلب من عباده المشقة والعناء، وإنما طلب جلب المصالح ودفع المفاسد، وإنما قال: أفضل العبادة أحمزها؛ أي: أشقها، وأجرك على قدر نصبك؛  لأن الفعل إذا لم يكن شاقًّا كان حظ النفس فيه كثيرًا فيقل الإخلاص، فإذا كثرت المشقة كان ذلك دليلاً على أنه جُعل خالصًا لله عز وجل، فالثواب في الحقيقة مرتَّب على مراتب الإخلاص لا على مراتب المشقة"([16]).

·  قالوا: إن أمرًا كهذا- قتل الأوزاغ- لا يدخل مطلقًا في مهمة الأنبياء، بل إن مهمتهم- حسب رأيهم- تقتصر على إيضاح العلاقة بين العبد وربه.

وهذا كلام عارٍ عن أي دليل، ولا يثبت أمام المناقشة والجدل؛ فالشريعة الإسلامية قد جاءت عامة شاملة لكل جوانب الحياة، فبجانب بيان النبي صلى الله عليه وسلم للناس علاقتهم بربهم عز وجل وإخلاصهم العبادة له سبحانه وتعالى، فقد بيَّن لهم وفصَّل كل الأمور التي تشغلهم في شئون حياتهم ومعاشهم من معاملات وعبادات وغيرها، والشرع المطهر قد اعتنى أيما اعتناء بتحقيق المصلحة للناس ورفع الضرر عنهم، وقد استنبط الفقهاء من الشريعة الإسلامية قواعد فقهية جديرة- حال تطبيقها- بأن تنتشل البشرية من الظلمة الظلماء إلى نور الهداية والحضارة الحقة، والأمر بقتل الوزغ يدخل تحت قاعدة فقهية من تلك القواعد، وهي قاعدة "الضرر يُزال"، ونرى أنه من المفيد هنا أن نتطرق لهذه القاعدة بكلمة مختصرة.

إذا وقع على شخص من شخص آخر ضرر لم يحتمله، ورفع أمره للقاضي، وجب على القاضي أن يحكم بإزالة الضرر، ووجب على الحاكم تنفيذ ما حكم به القاضي؛ تحقيقًا للعدل والأمن بين الناس، فلا ضرر ولا ضرار.

وعلى المتضرر أن يطلب من الذي تسبب له في الضرر إزالة الضرر بالطرق السلمية، وما أكثرها، فإن عجز رفع الأمر لأولي الأمر؛ فإن معالجة المشكلات بالطرق السلمية أيسر وأقرب للتقوى، وأبقى لدوام العشرة والإخاء.

وعلى المشاهدين الذين يشاهدون الضرر أن يتعاونوا مع المتضرر لإزالة الضرر عنه بالحسنى؛ عملاً بقوله سبحانه وتعالى: )وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب(2)((المائدة).

فإزالة الضرر واجبة، والطريق إلى ذلك إما أن يكون بالطرق السلمية، وهو الأَوْلَى، أو برفع الأمر إلى القاضي، وهذا عند فشل الطريقة الأولى.

وهذه القاعدة يُبنى عليها كثير من أبواب الفقه، وتندرج تحتها كثير من المسائل الفرعية، وهي مكمِّلة لقاعدة أخرى، هي قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»([17])، فكأنه قيل: ماذا نفعل لو وقع الضرر؟ فقيل: "الضرر يزال"([18]).

ودليل القاعدة قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، ووجه الاستدلال منه أن هذا الحديث قد ورد بنفي الضرر مطلقًا، فيجب إزالته بعد وقوعه.

الخلاصة:

· أحاديث الأمر بقتل الوزغ صحيحة في أعلى درجات الصحة؛ فقد رواها الشيخان في صحيحيهما، وكذا رواها أصحاب السنن والمسانيد بأسانيد صحيحة.

· الحكمة من قتل الوزغ تكمن في وصف النبي صلى الله عليه وسلم له بالفويسق؛ حيث إنه قد فسق؛ أي: خرج عن خلق معظم الحيوانات بزيادة الضرر والأذية.

· أثبت العلم الحديث- بما لا يدع مجالاً للشك- أن الأوزاغ تنقل العديد من الأمراض والطفيليات إلى الإنسان، من أشهرها مرض السالمونيلا.

· الوزغ جنس خبيث ودنيء الطبع، تبين ذلك من حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء فيه أن الوزغ كانت تنفخ النار على إبراهيم عليه السلام دون غيرها من جميع الحيوانات.

· من قتل وزغة في الضربة الثالثة له من الأجر أقل ممن قتلها في الضربة الثانية، ومن قتلها في الضربة الثانية فله من الأجر أقل ممن قتلها في الضربة الأولى، كما أوضحت ذلك الروايات الصحيحة، وذلك معلَّل إما لأن المسلم حين قتل أحسن، فيندرج تحت قوله صلى الله عليه وسلم: «... فإذا قتلتم فأحسنوا القِتْلة»، أو يكون معللاً بالمبادرة إلى الخير والمسارعة فيه، فيندرج تحت قوله تعالى: )فاستبقوا الخيرات((البقرة:148)، وفي كل خير.

· جلب المصالح ودرء المفاسد قاعدة عظيمة جاءت الشريعة الإسلامية لتطبيقها في شتى مجالات الحياة كبيرها وصغيرها، وقتل الحيوانات والحشرات داخل تحت هذه القاعدة؛ وهو ملحق بالخمس الفواسق التي تُقتل في الحِلّ والحَرَم.


 

(*) قناة الحياة، برنامج: سؤال جريء، الحلقة رقم (159). موقع: الأقباط الأحرار www.freecopts.net.

[1]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الأنبياء، باب: قوله تعالى: )وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً(125) ( (النساء) ، (1/ 448)، رقم (3359). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: السلام، باب: استحباب قتل الوزغ، (8/ 3371)، رقم (5734).

[2]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: بدء الخلق، باب: خير مال المسلم غنم يتبع بها شغف الجبال، (6/ 404)، رقم (3306). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: السلام، باب: استحباب قتل الوزغ، (8/ 3371)، رقم (5737).

[3]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: السلام، باب: استحباب قتل الوزغ، (8/ 3371، 3372)، رقم (5738).

[4]. تهذيب الأسماء واللغات، النووي، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ج1، ص100.

[5]. المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2، 1392هـ، ج1، ص20.

[6]. مجموع الفتاوى، ابن تيمية، تحقيق: أنور الباز وعامر الجزار، دار الوفاء، مصر، 1426هـ/ 2005م، ج18، ص74.

[7]. قطر الولي على حديث الولي، الشوكاني، تحقيق: إبراهيم إبراهيم هلال، دار الكتب الحديثة، القاهرة، ص230، 231.

[8]. تحفة الذاكرين بعدة الحصن الحصين، الشوكاني، دار القلم، بيروت، 1984م، ص3.

[9]. عون المعبود شرح سنن أبي داود، شمس الحق العظيم آبادي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1410هـ/ 1990م، ج14، ص115.

[10]. ردًّا على: لماذا جعل الإسلام البرص عدوًّا له؟ مقال منشور بموقع: ابن مريم www.ebnmaryam.com.

[11].انظر: الإعجاز العلمي في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن الوزغ، د. أحمد كمال الدين عبد الجواد، بحث منشور بموقع: موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة www.quran-m.com.

[12]. فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1415هـ/ 1994م، ج2، ص76.

[13]. صحيح: أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب: الصيد، باب: قتل الوزغ، (2/ 1076)، رقم (3231). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه برقم (3231).

[14]. انظر: فتوى برقم (538) منشورة بموقع: الشيخ محمد عبد الغفار الشريف www.drasherif.net.

[15]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة، (7/ 3029)، رقم (4965).

[16]. عون المعبود شرح سنن أبي داود، شمس الحق العظيم آبادي، مرجع سابق، ج14، ص116.

[17]. صحيح: أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب: الأحكام، باب: من بنى في حقه ما يضرُّ بجاره، (2/ 2340)، رقم (2340). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه برقم (2340).

[18]. القواعد الفقهية بين الأصالة والتوجيه، د. محمد بكر إسماعيل، دار المنار، القاهرة، ص99 بتصرف.

why do men have affairs why do husband cheat why men cheat on beautiful women
wives that cheat women who want to cheat read here
click website dating site for married people
click here unfaithful spouse women cheat husband
open online black women white men
open read here black women white men
my husband cheated my husband almost cheated on me open
my husband cheated my husband almost cheated on me open
reasons wives cheat on their husbands why husbands cheat why do men have affairs
go using viagra on females how long for viagra to work
go online how long for viagra to work
why wife cheat why do guys cheat why women cheat in relationships
dating a married woman all wife cheat i cheated on my husband
read here click here why women cheat on men
مواضيع ذات ارتباط

أضف تعليقا
عنوان التعليق 
نص التعليق 
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها فقط ولا تعبر عن الموقع
 
 
 
  
المتواجدون الآن
  656
إجمالي عدد الزوار
  8176518

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي


أخى المسلم: يمكنك الأستفادة بمحتويات موقع بيان الإسلام لأغراض غير تجارية بشرط الإشارة لرابط الموقع