مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

     نفي إعجاز القرآن الكريم في إخباره عن خلق 

       الجنين في ظلمات ثلاث (*)

 

مضمون الشبهة:

يواصل المغرضون طعونهم وتشكيكاتهم حول قضايا الإعجاز العلمي في القرآن الكريم؛ فينكرون إعجاز القرآن في إخباره عن خلق الجنين في ظلمات ثلاث، والذي جاء في قوله تعالى: )يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6)( (الزمر).

زاعمين أن قصارى ما تفيده الآية أن الجنين يعيش في ظلام داخل الأرحام، وقد تكون هذه الظلمة ظلمة مادية أو معنوية روحية، ولا معنى لحصرها في ظلمات ثلاث.

كما يجعلون من الاختلاف الواقع بين علماء الإعجاز العلمي حول تحديد مصادر هذه الظلمات الثلاث ـ مسوغًا لنفي الإعجاز عن الآية الكريمة.

كما يطعنون في جعل المشيمة بأغشيتها إحدى هذه الظلمات الثلاث، زاعمين أنها لا تحيط بالجنين من جميع أطرافه، وأنها جسم شفاف يسمح بمرور الضوء إلى داخله، وبهذا فكيف يمكن اعتبارها إحدى هذه الظلمات الثلاث؟!

وهم يخلصون بهذا إلى أن الآية الكريمة السابقة لا علاقة لها بالإعجاز العلمي القرآني في خلق الأجنة.

وجها إبطال الشبهة:

1)أكدت الأبحاث العلمية الحديثة أن الجنين لا يكتمل خلقه بصورة كاملة سليمة إلا بوجود ظلام حالك في مراحل خلقه وتكوينه؛ حفاظًا على خلاياه وأعضائه، وإلا لخرج الجنين مشوها، أو لفسدت البويضة الملقحة ابتداء بفعل الضوء.

وقد ذهب معظم علماء الإعجاز العلمي إلى أن الباعث على هذا الظلام ثلاثة أشياء تمثل ظلمات ثلاث، وهي: المشيمة بأغشيتها، ثم جدار الرحم، ثم جدار البطن أو بدن الإنسان، وهذا ما ذهب إليه جل المفسرين من قبل، وهذا هو الراجح في تحديد الظلمات الثلاث، ولذلك فالجنين يخلق في بطن أمه في ظلمات ثلاث.

2) أثبت العلم الحديث أن الجنين يحاط بمجموعة من الأغشية داخل الرحم، هي بمثابة مركز الغذاء والحماية للجنين، وذلك بما تحويه من سوائل، وبروتينات، وأوعية دموية، وخلايا متنوعة، وهرمونات منشطة، وهذه الأغشية مجتمعة يطلق عليها المشيمة "السخد"، وأكد العلماء أن هذه الأغشية بما تحويه من هذه الخلايا والهرمونات والأوعية الدموية تمثل ظلمة حالكة حول الجنين، وهي على التوالي من الداخل إلى الخارج:

·      الغشاء الأمينوسي "السلى".

·      الغشاء الكوريوني "المشيمي".

·      الغشاء الساقط.

وهي تحيط بالجنين إحاطة تامة من جميع جوانبه، وهي مجتمعة تمثل الظلمة الأولى على الجنين في مراحل تخلقه المختلفة في بطن أمه، مصداقًا لما جاء في قوله تعالى: )يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق في ظلمات ثلاث(  (الزمر: ٦).

التفصيل:

أولا. ثبوت إعجاز القرآن الكريم في الإخبار عن خلق الجنين في ظلمات ثلاث:

1)  الحقائق العلمية:

لقد أثبت العلم الحديث أن الضوء هو أكثر ما يعرض الجنين للأذى والمخاطر في مراحل تخلقه وتكوينه المختلفة، وأن الظلمة ضرورية جدًّا لتخلق الجنين في سلامة واكتمال، وأن هذه الظلمة تتمثل بصورة فعالة واضحة في بطن الأم؛ حيث تبدأ مرحلة الخلق أو التخلق منذ سقوط النطفة الأمشاج أو البويضة المخصبة (الزيجوت) في الرحم، وتنغرس فيه، وهنا تتمثل عناصر الظلمة واضحة على الجنين في هذه المرحلة وما يليها، وهذا ما يقوم به جدار البطن ثم جدار الرحم، ثم ما يحيط بالجنين من أغشية مما يسمى بالمشيمة، وهذه ظلمات بعضها فوق بعض.

وهذا ما أكده أحد باحثي الإعجاز العلمي بقوله: "أما عن أهمية الظلمة للجنين؛ فإن الظلمة ضرورية لتخلق الجنين؛ وذلك لأن الضوء عامة يؤذيه، فقد يتسبب الضوء في إتلاف شبكية العين قبل اكتمال نموها، كما أن الضوء قد يؤذي خلايا الجنين، وقد يكون فتاكًا بالنسبة إلى البويضة.

فقد أظهرت الأبحاث أن الضوء فوق البنفسجي (32 إلى 400 نم) وأن الأشعة الكثيفة والقريبة من الطول الموجي (wavelength) القريب إلى الأحمر (أكبر من 750 نم) تؤذي الجنين، كما أن الضوء الهالوجيني المستعمل عادة أيضًا يؤذي البويضة.

إن الضوء الوحيد الذي لا يؤذي الجنين هو الضوء الأخضر (ذو الطول الموجي ما بين 575 ـ 525 نم).

وكما نعلم فإن تخلق الجنين يعتمد على استنساخ الخلايا، فإذا تأذت الخلايا الأولى تولدت الخلايا المنسوخة مع الأذى الذي لحق بالأولى.

نود الإشارة إلى أنه بما أن الضوء يؤذي الخلايا، فإذا خف استنساخ الخلايا المعطوبة من جراء الضوء ـ والتي ستؤلف الجنين ـ خف الضرر الذي يتولد عن تأثير الضوء ـ والله تعالى أعلم ـ وهذا يعني أنه كلما تقدم الجنين في السن وتخطى مرحلة تخلق الأعضاء، خف تأثير الضوء على الجنين، أضف إلى ذلك أن نشوء الجلد وتغطيته للجسم والحجاب الذي يفرضه يخفف من أذى الضوء للجنين"([1])، "فإنه لا بد لكي يتم الخلق كاملًا قويًّا دون تشوه أن يتم ذلك في جو مظلم، فالخلايا الابتدائية لا تعيش في نور الشمس، بل تجف أو تتشوه أو تموت"([2]).

هذا عن أهمية الظلام للجنين في مراحل تخلقه الأولى في بطن أمه، ومخاطر الضوء عليه؛ لذلك اقتضت حكمة الله تعالى أن ينشأ الجنين في ظلام حالك في بطن الأم، ويتمثل هذا الظلام في مجموعة الأغشية التي تحيط بالجنين (المشيمة)، ثم جدار الرحم، ثم جدار البطن.

ويوضح ذلك الدكتور زغلول النجار قائلا: "يحاط الجنين في داخل الرحم بمجموعة من الأغشية هي من الداخل إلى الخارج كما يلي: غشاء السلي أو الرهل (AMNION)، والغشاء المشيمي (CHORION)، والغشاء الساقط (DECIDUA)، وهذه الأغشية الثلاثة تحيط بالجنين إحاطة كاملة، فتجعله في ظلمة شاملة هي الظلمة الأولى.

ويحيط بأغشية الجنين جدار الرحم، وهو جدار سميك يتكون من ثلاث طبقات تحدث الظلمة الثانية حول الجنين وأغشيته.

والرحم المحتوي على الجنين وأغشيته في ظلمتين متتاليتين يقع في وسط الحوض، ويحاط إحاطة كاملة بالبدن المكون من كل من البطن والظهر، وكلاهما يحدث الظلمة الثالثة"([3]).

                                                                      رسم تخطيطي لجنين بشري في داخل الرحم (الظلمات الثلاث المحيطة بالجنين)

2)  التطابق بين الحقائق العلمية وما أشارت إليه الآية الكريمة:

تسير منظومة هذا الكون بمقاييس محددة شديدة الدقة، تتمكن بها كل الكائنات من القيام بدورها خير قيام، ويتمثل هذا واضحًا في مسألة الخلق؛ حيث يستكمل كل خلق خلقه بنظامه المحدد، ودقته المتناهية، وبما يحفظ له اكتماله وسلامته، والقدرة على القيام بدوره في هذا العالم العجيب، إنها قدرة إلهية حكيمة خالقة خارقة.

لا يشذ خلق الجنين عن هذه المنظومة الإعجازية في الكون؛ حيث يمر الجنين في خلقه وتكوينه بمجموعة من المراحل والأطوار، كل مرحلة تسلم أختها حتى يكتمل الجنين خلقًا سويًّا فعالًا، وهذه المراحل المتعاقبة تتم في ظلمات ثلاث داخل بطون الأمهات؛ حفاظًا على هذا الجنين من مخاطر الضوء ومؤثراته المضرة على خلايا الجنين وأعضائه، فالظلمة ضرورية ليس فقط في خلق الإنسان، وإنما في خلق المخلوقات جميعها.

"ومن تقدير العزيز الحكيم أنه خلق خلقه جميعًا في ظلمات، ما من خلق إلا خلقه الله في ظلمة؛ ففي البحار: خلق الله تعالى الكائنات الحية في ظلمة البحر، فكلما نزلنا تحت سطح الماء في البحار وجدنا أنفسنا في ظلمات، حتى إن الغواص يجد نفسه في حاجة إلى مصباح كهربائي ليبدد الظلمات من حوله، فالله خلق الكائنات البحرية في ظلمة البحر: )أو كظلمات في بحر لجي ((النور: ٤٠)، وكل نبات بدأ خلقه من حبة في ظلمة التربة، فكل المملكة النباتية إنما خلقت في ظلمة التربة، قال تعالى: )وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين (59)((الأنعام)، وكل الدواب والإنسان إنما بدأ خلق كل منهما في (ظلمة الرحم)، وحتى الفضاء الكوني حيث الكواكب والنجوم في ظلمة تامة، وكل خلق في الفضاء الكوني يسبح في ظلمة: )وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (29)((النازعات).

هذا ما توصل إليه العلماء حديثًا؛ علماء النبات، وعلماء البحار، وعلماء الفيزياء الكونية، وعلماء الأجنة، ولم يكن كل ذلك معروفًا من قبل، إلا أن الله تعالى ذكره في القرآن العظيم"([4]).

وهكذا خلق الإنسان يمر بمراحل متعددة، ويخلق داخل بطن الأم في ظلام، بل في ظلمات ثلاث، قال تعالى: )يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6)((الزمر).

وهذه الظلمة على أنها ظلمة حسية في خلق الإنسان قد تدل على ظلمة معنوية أيضًا؛ قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله تبارك وتعالى خلق خلقه في ظلمة، فألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول جف القلم على علم الله"([5]).

هذه حقائق بيِّنة الوضوح تُظهر دقة هذه الآية الكريمة وإعجازها العلمي والبياني على السواء، إلا أن الطاعن لا تروق له هذه الحقائق، فيطعن فيها، وينكر هذا الإعجاز العلمي البين للآية الكريمة، مسوغًا ذلك بأن الظلمات الثلاث التي تحدثت عنها الآية الكريمة مختلف فيها بين علماء الإعجاز العلمي، ومختلف فيها كذلك بين المفسرين، ولكن الطاعن جانبه الصواب والإنصاف كثيرًا في هذا الأمر، وهذا ما يبينه التفصيل الآتي:

·      من أقوال المفسرين:

ذهب جمهور المفسرين في تفسير هذه الآية إلى أن الظلمات الثلاث المقصودة في خلق الجنين هي: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة.

فيقول الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: "وقوله: )يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق((الزمر:6)، يقول تعالى ذكره: يبتدئ خلقكم أيها الناس في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق؛ وذلك أنها يحدث فيها نطفة، ثم يجعلها علقة، ثم مضغة، ثم عظامًا، ثم يكسو العظام لحمًا، ثم ينشئه خلقًا آخر، تبارك الله وتعالى، فذلك خلقه إياه خلقًا بعد خلق... وقوله: )في ظلمات ثلاث((الزمر:6)، يعني: في ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، ونحو الذي قلناه في ذلك قال أهل التأويل"([6]).

وذكر هذا التفسير ـ أيضا ـ الإمام القرطبي؛ فقال: ")في ظلمات ثلاث((الزمر:6)، ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك، وقال ابن جبير: ظلمة المشيمة، وظلمة الرحم، وظلمة الليل، والقول الأول أصح، وقيل: ظلمة صلب الرجل، وظلمة بطن المرأة، وظلمة الرحم، وهذا مذهب أبي عبيدة"([7]).

وأكد هذا التفسير ـ أيضا ـ الإمام ابن كثير بقوله: "وقوله جل وعلا: )في ظلمات ثلاث((الزمر:6)،  يعني في ظلمة الرحم، وظلمة المشيمة التي هي كالغشاوة والوقاية على الولد، وظلمة البطن، كذا قال ابن عباس رضي الله عنه ومجاهد، وعكرمة، وأبو مالك، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن زيد"([8]).

وكذلك نجد هذا التفسير للآية الكريمة عند بعض المفسرين حديثًا، كما جاء عند صاحب التحرير والتنوير، قال: "والظلمات الثلاث: ظلمة بطن الأم، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، وهي غشاء من جلد يخلق مع الجنين محيطًا به ليقيه وليكون به استقلاله مما ينجز إليه من الأغذية في دورته الدموية الخاصة به دون أمه"([9]).

وذكر ذلك ـ أيضًا ـ صاحب الظلال؛ فقال: ")في ظلمات ثلاث( (الزمر:6): ظلمة الكيس الذي يغلف الجنين، وظلمة الرحم الذي يستقر فيه هذا الكيس، وظلمة البطن الذي تستقر فيه الرحم، ويد الله تخلق هذه الخلية الصغيرة خلقًا من بعد خلق، وعين الله ترعى هذه الخليقة، وتودعها القدرة على النمو، والقدرة على التطور، والقدرة على الارتقاء، والقدرة على السير في تمثيل خطوات النفس البشرية كما قدر لها بارئها"([10]).

وقد بيّن الشيخ الشعراوي أهمية الظلمة للجنين؛ فقال عند تفسير هذه الآية: "ولما تكلم العلماء في معنى الظلمات الثلاث قالوا: هي ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة. وكلمة الظلمة نفهم منها عدة أمور:

أولا: الظلمة تعني عدم وجود النور، وهي مرتبطة بالليل.

ثانيا: الليل دائمًا رطب عن النهار؛ لأن النهار فيه حرارة الشمس وحرارة الأنفاس الناشئة عن الحركة، أما الأنفاس في الليل فهادئة؛ لأنها لمجرد استبقاء الحياة، وليست ناشئة عن حركة العمل والجهد المبذول.

ثالثا: كذلك في الظلمة سكون وهدوء لا يتوفر في النهار.

إذًا؛ في الظلمة عدم نور، وفيها برودة، وفيها سكون، وهذه الأمور الثلاثة ضرورية لنمو الجنين، وتكوّن أعضائه في بطن أمه؛ لأنه في بطن أمه خلق ضعيف غير مكتمل الأعضاء والجوارح، لا يقوى على تحمل الحرارة، ولا تحمل الضوء، ولا تحمل الأصوات المزعجة؛ لذلك جعل له الخالق سبحانه عوازل تقيه هذه الأشياء؛ لذلك قال سبحانه:)في ظلمات ثلاث((الزمر:6)"([11]).

وعلى هذا، فمن خلال إيراد آراء المفسرين وأقوالهم في معنى هذه الآية الكريمة يتبين أن الجنين يمر بمراحل متعددة في الخلق، كلها تمر داخل ظلمة، وهذه الظلمة مهمة جدًّا بالنسبة لنمو الطفل وسلامته.

وقد ذهب معظم المفسرين إلى أن الباعث على هذه الظلمة ثلاثة أشياء، وهي: ظلمة جدار البطن، وظلمة جدار الرحم، وظلمة المشيمة التي تحيط بالجنين، وهكذا يتم خلق الجنين في بطن الأم في ظلمات ثلاث. وهذا ما يتفق تمامًا مع الحقائق العلمية السالفة الذكر.

كما يتبين الإعجاز العلمي للآية الكريمة في إخبارها عن تخلق الجنين طورًا بعد طور في ظلمات ثلاث، فقد أثبت العلم الحديث أن الجنين يمر في خلقه وتكوينه بمجموعة من الأطوار والمراحل، من كونه نطفة أمشاجًا، إلى كونه علقة، ثم مضغة، ثم عظامًا، ثم كسوة العظام لحمًا، ثم اكتمال الجنين ونشأته، وهذه المراحل المتعاقبة تتم في بطن الأم في ظلمات ثلاث، وتوفر هذه الظلمات للجنين الحماية والسلامة، والتخلق التام للأعضاء دون أضرار أو تشوهات، كما تدل على عظمة الخالق الذي لا يحول دون دقة خلقه وعظمته حائل، ولا يمنعه من إحكام صنعه مانع. هذا عن إعجاز القرآن الكريم في ذكر هذه الآية.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه أمامنا ـ والذي اتخذه الطاعن حجة في نفي إعجاز هذه الآية ـ هو: ما هذه الظلمات الثلاث؟ وما أهم خصائصها؟

قال عز وجل: )يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقًا منبعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6)((الزمر).

تتحدث هذه الآية عن موضعين أساسيين، هما: الظلمات، والتخلقات المتتالية؛ فقوله:)خلقا من بعد خلق((الزمر:6) يشير إلى أن الجنين يمر في أطوار ومراحل مختلفة، ولكن الذي يضاف إلى هذا التفسير هو أن هذه الأطوار يجب أن يكون لها طابع خاص ألا وهو: التخلق، فالطور: هو الهيئة التي تظهر على الجنين، والتي تتميز ببعض التغيرات التي تحصل فيها، وهذه التغيرات قد تكون تخلقات وقد تكون أشياء أخرى؛ كزيادة وزن الجنين، أو عملية تميز الخلايا... إلخ، ولكن ذكر الأطوار في هذه الآية بصيغة التخلق يشير إلى أن الظلمات الثلاث المذكورة هي ضرورية لهذه التخلقات، فما هذه الظلمات؟

لا بد أن نستأنس بآيات أخرى وردت في القرآن الكريم تتحدث عن الظلمات لكي تتضح لنا الصورة كليًّا، قال تعالى: )أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور (40)((النور).

إذا تأملنا هذه الآية نستنتج أن هذه الظلمات يجب أن تكون واحدة فوق الأخرى، وآية الزمر تحدد عدد الظلمات، فما هي إلا أغطية تحيط بالجنين في أطواره التكوينية، فالغطاء بمثابة حجاب، والحجاب يؤدي إلى ظلمة، وثلاثة أغطية تؤدي إلى ثلاث ظلمات.

هكذا يبدأ الخلق عندما تدخل النطفة الذكرية (الحيوان المنوي) النطفة الأنثوية (البويضة)، مكونة البويضة المخصبة أو نطفة الأمشاج، التي تنشطر إلى العديد من الخلايا، هذه الخلايا موجودة داخل غشاء يحيطها من كل الجهات، ألا وهو غشاء البويضة، وهذه البويضة موجودة داخل قناة ترتبط بالرحم ـ قناة فالوب ـ وهذه القناة موجودة داخل البطن، وهكذا تتمثل هنا ثلاث ظلمات تحيط بالخلق: ظلمة البطن، وظلمة القناة (قناة فالوب)، وظلمة غشاء البويضة.

وفي مرحلة تالية تقع البويضة المخصبة في الرحم، وأثناء وقوعها تتخلى البويضة عن هذا الغشاء، وتدخل بطانة الرحم لتستبدل به فيما بعد الغشاء المشيمي، وهنا تتطابق المعطيات العلمية مرة أخرى مع المعطيات القرآنية، وتصبح الظلمات الثلاث: ظلمة البطن، وظلمة جدار الرحم، وظلمة الغشاء المشيمي، وتلك الظلمات كلها بعضها فوق بعض.

هذا على نطاق واسع، أما إذا أردنا أن ننظر بدقة أكثر، فسنرى أن الغشاء المشيمي مؤلف من ثلاث طبقات بعضها فوق بعض، هي من الخارج إلى الداخل:

·      الغشاء الساقط DECIDUA.

·      الغشاء الكوريوني CHORION.

·      الغشاء الأمنيوسي AMNION.

كما أن الرحم وقناته مؤلفان من ثلاث طبقات، هي من الخارج إلى الداخل؛ أولاها: طبقة البريتون التي تغطي جسم الرحم، وثانيها: الطبقة العضلية للرحم، وثالثها: الطبقة المخاطية؛ وهي الغشاء المبطن للرحم.

كما نشير هنا إلى أن الله سبحانه وتعالى قال: )يخلقكم في بطون أمهاتكم((الزمر:6)، ولم يقل: في أرحام أمهاتكم، دلالة على أن الظلمات غير محصورة في الرحم فقط، ولكن هي في الرحم وخارجه([12]).

وعلى هذا فإن الآية الكريمة تتطابق مع الحقائق العلمية الواردة في خلق الجنين مطابقة واضحة، فالجنين يمر في خلقه وتكوينه بمراحل مختلفة متعاقبة، وهذه المراحل تتم في ظلمات ثلاث داخل بطون الأمهات، وأن هذه الظلمة لها أهمية عظيمة للجنين.

هذا عن الآية الكريمة وما جاء فيها من إعجاز علمي للقرآن الكريم في الحديث عن خلق الجنين في ظلمات ثلاث.

أما عن اختلاف علماء الإعجاز العلمي حول تحديد هذه الظلمات، فهذا لا يطعن بحال في ثبوت الإعجاز العلمي للآية الكريمة، بل قد يزيدها هذا إعجازًا.

فالآية تثبت في إعجاز واضح أن خلق الجنين في بطن أمه يمر بمراحل، وهذه المراحل تمر في ظلمات ثلاث.

وهذه الظلمات ـ كما سبق أن أشرنا ـ بعضها فوق بعض، وهي تحيط بالجنين من كافة جوانبه، وهي على الراجح كما ذكر معظم المفسرين وعلماء الإعجاز العلمي أنها جدار البطن وجدار الرحم وأغشية المشيمة. فهذا التفسير هو أقرب التفاسير إلى معنى الظلمات الثلاث، فالجنين تتم مراحل تخلقه في الرحم، وتحيط به الأغشية الثلاثة: الأمنيون والكوريون والساقط، وهذه الأغشية مجتمعة تمثل الظلمة الأولى: وهي ظلمة المشيمة، ثم تأتي الظلمة الثانية بفعل جدار الرحم، ثم تأتي الظلمة الثالثة بفعل البدن نفسه، وهكذا يتم تخليق الجنين في ظلمات ثلاث.

 

أما آراء بعض علماء الإعجاز العلمي في تفسير هذه الظلمات غير التفسير الراجح السابق، فمن الضروري الإشارة إليها وبيان ما فيها من قصور عن المعنى المراد في الآية؛ فقد اعتبرها بعضهم: ظلمة الخصية، وظلمة المبيض، وظلمة الرحم، وهذا الرأي بعيد جدًّا عن الصواب؛ لأن الآية الكريمة تقول: )في بطون أمهاتكم((الزمر:6)، فأين الخصية من بطن الأم؟!

واعتبرها آخرون: ظلمتي المبيضين، وظلمة الرحم. وهذا الرأي أيضًا غير صحيح ولا يقوم على أساس علمي؛ لأن المبيضين لا يتدخلان معًا في عملية تخلق البويضة، فهي تأتي من مبيض واحد وليس للآخر دور في ذلك، كما أن البويضة في مرحلة خروجها من المبيض ليست من مراحل تخلق الجنين، وإنما يحدث هذا بعد التلقيح.

وقال آخرون: إن الظلمات الثلاث هي: ظلمة الغشاء الأمنيوسي، وظلمة الغشاء الكوريوني، وظلمة الغشاء الساقط. ونحن لا نرى هذا الرأي؛ لأن كل غشاء من الأغشية السابقة لا يشكل بمفرده ظلمة. حسب التعبير القرآني لكلمة ظلمة.

وقال آخرون: إن الظلمات الثلاث هي: ظلمة الغشاء الساقط القاعدي، وظلمة الغشاء الساقط البيضي، وظلمة الغشاء الساقط الجداري. وهذا الرأي بعيد عن الصواب؛ لأن الأغشية الثلاثة السابقة لا تشكل ظلمة، ولأنها ليست أغشية ثلاثة، وإنما غشاء واحد يسمى بأسماء ثلاثة حسب المنطقة التي يغطيها([13]).

وعلى هذا فالتفسير الراجح لهذه الظلمات الثلاث على حسب تعبير الآية القرآنية هي: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة بأغشيتها. والله تعالى أعلى وأعلم.

3)  وجه الإعجاز:

لقد أثبت القرآن الكريم من خلال قوله تعالى: )يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6)( (الزمر) أن عملية تخلق الجنين تتم في بطون الأمهات عبر ظلمات ثلاث.

وهذا ما كشف عنه علم الأجنة الحديث، فقد أكد علماء الأجنة على أن الجنين يمر في خلقه وتكونه بمراحل مختلفة، وهذه المراحل تمر في ظلمات، وهذه الظلمة تمثل أهمية عظمى للجنين؛ حيث إن الضوء يؤثر على سلامة الجنين واكتماله، ويسبب له شيئًا من تشوه الخلايا وموتها.

ثانيا. ثبوت ظلمة أغشية المشيمة وأهميتها بالنسبة للجنين في مراحله المختلفة:

1)  الحقائق العلمية:

أشرنا فيما سبق إلى أن معظم العلماء قد ذهبوا إلى أن الجنين يمر في نشأته وتكوينه بمراحل مختلفة من الخلق، وهذه المراحل تمر في ظلمات ثلاث، هي على الراجح: ظلمة البدن، وظلمة جدار الرحم، وظلمة الأغشية المحيطة بالجنين (المشيمة).

وهذه الأغشية التي تحيط بالجنين لا تمثل له ظلمة فقط، وإنما هي صمام الأمان والحماية للجنين في مراحله المختلفة، كما أنها مصدر غذائه وتنميته ونموه، وإذا دققنا النظر في الأغشية المحيطة بالجنين وجدناها ثلاثة، وهي:

               ‌أ-       غشاء السلى أو الأمنيون، ويحيط بالجنين مباشرة.

            ‌ب-    غشاء الكوريون (الغشاء المشيمي).

             ‌ج-     الغشاء الساقط.

وهنا نعرض لهذه الأغشية بشيء من التفصيل؛ ليتبين لنا كيف أن هذه الأغشية تمثل أهمية قصوى لحياة الجنين، كما تمثل ـ من الخارج إلى الداخل ـ ظلمة ثالثة عليه.

               أ‌-       غشاء السلى أو الأمنيون(AMNION):

السائل الأمنيوسي، ويدعى أيضًا الرهل، كما يعرف بالغشاء الباطن؛ لأنه يحيط بالجنين من كل جانب.

وهو عبارة عن كيس غشائي رقيق ومقفل يحيط بالجنين إحاطة تامة، وبه سائل يزداد مع نمو الجنين حتى يبلغ أوجه في الشهر السابع، حيث يبلغ حجمه لترًا ونصف اللتر (ووزنه كذلك كيلو جرام)، ولكنه يقل بعد ذلك تدريجيًّا حتى يبلغ حجمه لترًا واحدًا فقط قبل الولادة، إلا في بعض الحالات الخاصة التي يزداد فيها السائل الأمنيوني زيادة مفرطة كالتوائم والبول السكري وغيره من الحالات المرضية.

وللسائل الأمنيوني فوائد جمة لا يمكن الاستغناء عنها في تكوين الجنين ونموه في الرحم، ونجملها فيما يلي:

·    تغذية الجنين: يحتوي السائل على مواد زلالية وسكرية، وأملاح غير عضوية يمتصها الجنين؛ مما يساعد على تغذيته ونموه.

·    حماية الجنين ووقايته من الصدمات المفاجئة، والحركات العنيفة، والسقطات التي تتعرض لها الأم.

·    يسمح للجنين بحرارة ثابتة تقريبًا؛ فهو مكيف جيد بحيث لا تزيد الحرارة ولا تقل إلا في حدود ضئيلة جدًّا.

·    يمنع السائل الأمنيوني غشاء الأمنيون من الالتصاق بالجنين؛ وذلك لأن التصاق الغشاء بالجنين من العوامل المهمة في حدوث التشوهات الخلقية، فوجود السائل عامل مهم في تجنب هذه التشوهات الخلقية.

·    يسمح للجنين بالحركة الكاملة داخل الرحم.

·    ويمكن للطبيب أن يأخذ عينة من السائل الأمنيوني فيفحصه، مما يساعد على التعرف على بعض الأمراض الوراثية.

هذه جملة وظائف السائل الأمنيوسي أثناء الحمل، أما وظائفه أثناء الولادة فلا تقل أهمية عن ذلك؛ إذ إن السائل الأمنيوسي يكون جيب المياه الذي يوسع عنق الرحم الذي لا يتسع حتى للخنصر، فإذا به يتسع للوليد بكامله (أكثر من خمسة أصابع) وفي الوقت نفسه يقي الجنين من أن ينحشر وينضغط بين جدران عنق الرحم أثناء الولادة وما يكون فيها من ضغط عالٍ جدًّا، ولولا لطف الله سبحانه وتعالى، ثم جيب المياه هذا لتهشم رأس الجنين أثناء الولادة.. ولا يكتفي السائل الأمنيوسي بكل هذا ولكنه يقوم بتمهيد وتعقيم الطريق للجنين عندما ينفجر جيب المياه فيقتل الميكروبات الموجودة في المهبل قبيل الولادة مباشرة؛ حتى يضمن للجنين طريقًا ممهدًا ومعقمًا في الوقت نفسه.

             ب‌-     غشاء الكوريون Chorion(الغشاء المشيمي):

وهو الثاني من الأغشية التي تحيط بالجنين، ويتوسط بين الغشاء الساقط من الخارج والغشاء الأمنيوسي من الداخل، ويتركب هذا الغشاء من ورقتين؛ خارجية وداخلية.

أما الورقة الخارجية فبها غازات وخملات كثيرة تنتقل بواسطتها الأغذية والأكسجين من الأم إلى الجنين، كما ينتقل غاز ثاني أكسيد الكربون والبولينا من الجنين إلى دم الأم.

وأما الداخلية فتغطي كيس المح أو الصفار، وتشمل فيما تشمل مبدأ ظهور الأوعية الجنينية الخارجية.

وغشاء الكوريون يتكون بادئ ذي بدء عند تكون النطفة الأمشاج بعد تلقيح البويضة بالحيوان المنوي، وتنقسم البويضة الملقحة وتصبح مثل الكرة أو ثمرة التوت (وتسمى التوتة MORULLA)، وتتكون هذه الكرة من طبقات من الخلايا، فالطبقة الداخلية يتكون منها الجنين، أما الطبقة الخارجية فتتميز إلى مجموعة من الخلايا الآكلة التي تنشب وتعلق بجدار الرحم، هذه الطبقة الخارجية التي تعلق وتنغرز في الرحم هي التي تتحول إلى غشاء الكوريون الذي نتحدث عنه.

وتكون هذه العلقة العالقة بجدار الرحم محاطة بالدم المتخثر أو الغليظ، وتتفرع من الطبقة الخارجية خملات وزغابات عديدة، وتقضم خلاياها في جدار الرحم حتى تتمكن البويضة الملقحة من الانغراز في جدار الرحم، وتقوم بتغذية اللوح الجنيني الذي يخلق الله سبحانه وتعالى منه الجنين بما تمتصه مباشرة من البرك الدموية المحيطة بها.

وينمو غشاء الكوريون والخملات مع نمو الجنين، ولا يكتفي بامتصاص الغذاء من البرك الدموية المحيطة به، وإنما تبدأ دورة دموية في غشاء الرحم وتقابلها دورة دموية في غشاء الجنين المشيمي، وعن طريق الخملات التي يرق جدارها يومًا بعد يوم مع تقدم الحمل، ينتقل الغذاء والهواء (الأكسجين وثاني أكسيد الكربون)، كما تنتقل المضادات للأجسام الغريبة من الأم إلى الجنين لتكون للجنين جهاز مناعته، وفي الوقت نفسه تمنع عنه انتقال السموم والميكروبات.

ومع ذلك تقبل الأم ما يخرجه الجنين من إفرازات وسموم ناتجة عن عمليات البناء والهدم المستمرة، مثل البولينا وثاني أكسيد الكربون، فتتقبلها وتأخذها في دورتها الدموية الرحمية أولا ثم إلى دورتها الدموية؛ حيث تفرزها بواسطة الكلى عن طريق البول، وهكذا ترى أن ثخانة الخملات تختلف من يوم إلى آخر، وتتغير حسب نمو الجنين ومتطلباته، وكلما كبر الجنين رق الجدار الفاصل بين دورة الدم الرحمية ودورة الدم في الجنين حتى يسهل عبور المواد المهمة النافعة من الأم إلى الجنين، ويتم إخراج المواد الضارة من الجنين إلى الأم (البولينا وثاني أكسيد الكربون).

الغشاء الساقط (DECIDUA):

وهو ثالث الأغشية التي تحيط بالجنين من جميع جوانبه، وهو مكون من الغشاء المخاطي المبطن للرحم، وهو رقيق، وينمو هذا الغشاء نموًّا هائلًا بتأثير هرمون الحمل (البروجستون) فتزيد ثخانته من نصف مليمتر عند بدء الطهر من الحيض إلى ثمانية مليمترات آخر الدورة الشهرية وقبيل الحيض، فإذا ما تم الحمل زادت ثخانته أضعافًا مضاعفة، وتزداد فيه الغدد والأوعية الدموية زيادة عظيمة، ويتغير تركيبه حتى يصبح إسفنجي القوام. وقد سمي بالغشاء الساقط؛ لأنه يسقط ويخرج مع دم الحيض أو مع دم النفاس إذا كان هناك حمل.

ويقسَّم الغشاء الساقط إلى ثلاثة أجزاء حسب موقعه من الرحم:

فالغشاء الساقط الموجود بقاعدة الرحم بين الجنين والرحم، يسمى بالغشاء الساقط القاعدي (DECIDUA BASALIS).

بينما يسمى الغشاء المحيط بالجنين مغلفًا إياه بـ "الغشاء المحفظي" (DECIDUACAPSULARISلأنه كالمحفظة أو الكبسولة التي تغطي الجنين.

وثالث الأغشية يسمى "الغشاء الساقط الجداري" (DECIDUA PARIETALIS)، وهو يغطي بقية جدار الرحم ما عدا الفرجة التي يندغم فيها الجنين.

المشيمة:

يساهم في تكوين المشيمة كل من الجنين والأم، والمشيمة تتكون من قرصين متلاصقين، فأما الجزء الرحمي (الأم) فهو الغشاء الساقط القاعدي، وأما الجزء الجنيني فهو (الكوريون) الجنيني الذي سبق أن وصفناه.

وتتخذ المشيمة شكل قرص يتفاوت قطره ما بين 16 إلى 20 سنتيمترًا، وثخانته ثلاثة سنتيمترات تقريبًا، ووزنه خمس مئة جرام (نصف كيلو جرام).

وسطح المشيمة المتصل بأغشية الجنين أملس ناعم، وتبدو من خلاله الأوعية الدموية، ويتصل الحبل السري في وسطها في العادة، وقد يتصل بأحد جوانبها ويغطي هذا السطح الغشاء الأمنيوسي (الغشاء السلى أو الرهل).

أما الجزء الرحمي فخشن ومكون من خمسة عشر إلى عشرين فصًّا، ويتوسط بين جزئي المشيمة ـ الجنيني والرحمي ـ غشاء مهم يسمى الغشاء المشيمي، ويفصل هذا الغشاء بين الدورة الدموية الرحمية والدورة الدموية الجنينية، وقد وهب الله لهذا الغشاء القدرة على تنظيم تغذية الجنين ووقايته من كل ما قد يضره، ولا يوصل إليه من الغذاء إلا ما ينفعه، ويسميه البعض: "الغشاء الحيوي المشيمي".

صورة للمشيمة من السطح الرحمي   الذي تساهم فيه الأم

صورة للمشيمة من السطح (الجزءالجنيني الذي يساهم فيه الجنين بأغشيته)

الدورة الدموية في المشيمة:

في المشيمة دورتان دمويتان يفصل بينهما الغشاء المشيمي الحيوي، ورغم قربهما قربًا شديدًا من بعضهما، حتى إنه لا يفصل بينهما إلا جدار رقيق من خلايا الخملات، إلا أنهما لا يتصلان بحيث يندفع الدم من واحدة إلى أخرى، ومع ذلك فاتصالهما وثيق؛ إذ ينتقل الغذاء المنتقى والمختار بعناية فائقة من دماء الأم في الرحم إلى أوعية الجنين الدموية، وينتقل معه الأكسجين ومواد المناعة للأمراض والأوبئة، وينتقل من الجنين إلى الأم كل المواد السامة التي نتجت عن عمليات البناء والهدم المستمرة في خلايا الجنين، مثل ثاني أكسيد الكربون والبولينا، وتنتقل إلى الأم لتحملها راضية إلى أجهزة إفرازها، كما يمنع الغشاء الحيوي المشيمي انتقال ما قد يكون ضارًّا بالجنين من مواد موجودة في دم الأم، كما يمنع عن الجنين الميكروبات والأمراض إلا فيما ندر.

وتقوم المشيمة بوظائف عدة أجهزة في الجسم، هي:

1.  الجهاز التنفسي: إذ تقوم بإعطاء الجنين الأكسجين وتأخذ عنه ثاني أكسيد الكربون.

2.  الجهاز الهضمي: تعطي الجنين الغذاء المهضوم بالقدر المعلوم، وتنوع غذاءه حسب حاجته يومًا بعد يوم، فيختلف غذاء الجنين ـ نوعًا وكمًّا ـ في شهره الأول أو الثاني عن غذائه في الشهر الثامن أو التاسع.

3.  الجهاز البولي: تقوم المشيمة بإخراج المواد الضارة بالجنين والتي تخلفت عن عمليات البناء والهدم المستمرة وتدفعها إلى دماء الأم.

ولا تكتفي المشيمة بهذه العجائب كلها، ولكنها ترسل هرمونًا يثبت الجنين في الرحم، وينمي الثديين استعدادًا لإفراز اللبن منهما عندما يخرج الجنين إلى الدنيا جاهزًا.

ومن المقرر علميًّا وطبيًّا أن سلامة الحمل متوقفة على سلامة المشيمة، وأن أكثر حالات الإجهاض إنما ترجع إلى خلل في المشيمة([14]).

هذا عن الأغشية التي تحيط بالجنين في أطواره المختلفة، ومراحل تخلقه المتنوعة، ومدى أهمية هذه الأغشية لحياة الجنين، والحفاظ عليه، وتزويده بالغذاء والنماء، ويتبين بهذا أن هذه الأغشية بعضها فوق بعض، وتكون معا المشيمة التي تحيط بالجنين من كافة جوانبه، وهذه الأغشية منها ما هو شفاف مثل السائل الأمنيوسي، ومنها ما هو حالك مظلم مثل الغشاء الكوريوني والساقط؛ وذلك لاحتوائها على كثير من الغدد والأوعية الدموية والبروتينات، وكذلك لثخانة الجدار الساقط وكبر سمكه، كل هذه العوامل تجعل الجنين في ظلمة تامة داخل أغشيته، وتجعل الأغشية المحيطة بالجنين حالكة قاتمة غير شفافة.

2)  التطابق بين الحقائق العلمية وما أشارت إليه الآية الكريمة:

لقد خلق الله الجنين في بطن أمه محاطًا بالرعاية والحماية والمنعة بشتى أنواعها، فجعله في قرار مكين ـ وهو الرحم ـ في مكان آمن مستقر داخل الحماية العظمية لعظام الحوض، وأمده فيه بكثير من الأوعية الدموية والمواد البروتينية التي تمد الجنين بغذائه الكامل، ومن عظم نعم الله سبحانه وتعالى على الجنين، أنه أحاطه بمجموعة من الأغشية، هي أغشية المشيمة، وهذه الأغشية تمثل المصدر الأساس لتغذية الطفل وحمايته ونموه؛ حيث تحتوي هذه الأغشية على كثير من الأوعية الدموية والغدد المنمية والبروتينات وغيرها من الخلايا المسئولة عن تغذية الجنين، وهذه الأغشية تحيط بالجنين إحاطة كاملة من جميع الجهات، وهي بهذا تجعل الجنين بداخلها في ظلمة تامة.

 

                                                                                               شكل يوضح الأغشية التي تحيط بالجنين

إن المقدرة الهائلة التي وهبها الله عز وجل للغشاء المشيمي معجزة كاملة، غشاء رقيق يفصل بين دماء الأم ودماء الجنين، ومع هذا فهو يختار للجنين ما يصلحه ويبقيه وينميه، ويدفع عنه كل ما يؤذيه، ويسمح لهذه المادة أن تمر، ويقف حجر عثرة لتلك المادة المشابهة، ويقول لها: قفي هنا لا حاجة بنا إليك، ويختار المواد النافعة من دماء الأم فيقول لها: ادخلي بسلام، ويمنع المواد الضارة، ويختار المواد الضارة الموجودة في دم الجنين، ويقول لها: اخرجي من هنا إلى دماء الأم.

بواب عجيب حكيم يقف وقفة صارمة حازمة طوال الليل والنهار لا يكل ولا يني، يختار للجنين ما يصلحه ويطرد عنه ما يضره، وهو مع ذلك غشاء مكون من مجموعة من الخلايا البسيطة التركيب، فسبحان من أودع فيه هذه القدرة الهائلة على التمييز وجعله في صف الجنين دائمًا وأبدًا!

هذه هي المشيمة حول الجنين، تقوم بهذه المهام العديدة والوظائف المتنوعة بما تحمله من خلايا وأوعية دموية، وهرمونات منشطة، وخمائر متنوعة، ومواد غذائية مختلفة، وغيرها من الأملاح والفضلات.

فهل يخيل لعاقل بعد هذا أن تكون المشيمة شفافة، أو لا تمثل ظلمة حول الجنين؟!

بل هي ظلمة حالكة، تـمثـل مع جدار الرحم وجدار البطن ثلاث ظلمات حول الجنين في مراحل تخلقه في بطن الأم، كما أخبرت الآية الكريمة، قال تعالى: )يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق في ظلمات ثلاث( (الزمر: 6)، وكذلك فهذا التفسير هو التفسير الراجح من قبل علماء التفسير وأهل الإعجاز العلمي على السواء.

 

 

(*) نقد أدلة الجنين: الظلمات الثلاث، د. محمد السوري، مقال منشور بموقع: الذخيرة www.alzakera.eu.

[1]. إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام، كريم نجيب الأغر، مرجع سابق، ص284: 288.

[2]. موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة، يوسف الحاج أحمد، دار ابن حجر، دمشق، 1428هـ/ 2007م، ص125.

[3]. خلق الإنسان في القرآن الكريم، د. زغلول النجار، مرجع سابق، ص125: 128.

[4]. موسوعة الإعجاز العلمي في الحديث النبوي، د. أحمد شوقي إبراهيم، مرجع سابق، ج2، ص94.

[5]. صحيح: أخرجه الترمذي في سننه (بشرح تحفة الأحوذي)، كتاب: الإيمان، باب: افتراق هذه الأمة، (7/ 335)، رقم (2780). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي برقم (2642).

[6]. جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ابن جرير الطبري، مرجع سابق، ج21، ص256: 258.

[7]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، مرجع سابق، ج15، ص236.

[8]. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، مرجع سابق، ج4، ص46.

[9]. التحرير والتنوير، الطاهر ابن عاشور، مرجع سابق، مج11، ج23، ص334.

[10]. في ظلال القرآن، سيد قطب، مرجع سابق، ج5، ص3039.

[11]. تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، مرجع سابق، ج21، ص13041.

[12]. إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام، كريم نجيب الأغر، مرجع سابق، ص283، 284.

[13]. الظلمات الثلاث، بحث منشور بموقع: أحمد البقري الأنصاري www.ahmedalbkrealansare.jeeran.com.

[14]. خلق الإنسان بين الطب والقرآن، د. محمد علي البار، مرجع سابق، ص423: 430 بتصرف.

read go want my wife to cheat
click read dating site for married people
where to order viagra online how long for viagra to work viagra sipari verme
husband cheat online online affair
husband cheat my husband almost cheated on me online affair
مواضيع ذات ارتباط

أضف تعليقا
عنوان التعليق 
نص التعليق 
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها فقط ولا تعبر عن الموقع
 
 
 
  
المتواجدون الآن
  10069
إجمالي عدد الزوار
  8402210

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي


أخى المسلم: يمكنك الأستفادة بمحتويات موقع بيان الإسلام لأغراض غير تجارية بشرط الإشارة لرابط الموقع