مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

 إنكار أحاديث سماع الموتى لكلام النبي

 صلى الله عليه وسلم)*(

مضمون الشبهة:

 ينكر بعض المغرضين الأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في سماع الموتى لكلامه - صلى الله عليه وسلم - ومن ذلك ما أخرجه الإمام البخاري من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - أنه قال: «اطلع النبي - صلى الله عليه وسلم - على أهل القليب[1]

فقال: وجدتم ما وعدكم ربكم حقا، فقيل له: تدعو أمواتا؟ فقال: ما أنتم بأسمع منهم، ولكن لا يجيبون».

ويزعمون أن هذا كلام باطل لا يصح، وهو أشبه بالخرافات، ويستدلون على بطلان هذا الحديث بأنه من المعلوم بداهة أن السمع والبصر والنطق من صفات الأحياء وليس الأموات، وليس أحدهما كالآخر. كما أن الحديث يعارض ما جاء به القرآن الكريم، وذلك في قوله سبحانه وتعالى: )وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور (22)( (فاطر).

ومثله - أيضا - قوله سبحانه وتعالى: )إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (80)( (النمل). رامين من وراء ذلك إلى الطعن والتشكيك في السنة النبوية.

وجها إبطال الشبهة:

1) إن المقصود بنفي السماع في قوله تعالى: )وما أنت بمسمع من في القبور (22)( (فاطر)، وقوله: )إنك لا تسمع الموتى( (النمل:80)، هو سماع الكفار الذين ختم الله على قلوبهم، فلا يسمعون الحق سماع اهتداء وانتفاع، وهذا لا يتعارض مع صحة حديث قليب بدر.

2) لقد فصل العلماء القول في مسألة سماع الموتى، فجاء على ثلاثة آراء: فذهب بعض العلماء إلى إطلاق السماع؛ مستدلين بحديث القليب وحديث سماع الميت قرع نعال مشيعيه، وذهب فريق آخر من العلماء إلى أن السماع يكون في حال دون حال ووقت دون وقت؛ مستدلين بما سبق من أحاديث، وذهب فريق ثالث إلى نفي السماع مطلقا إلا ما ورد النص بتخصيصه، كما في حديث القليب وحديث سماع الميت قرع نعال مشيعيه، وهذا هو الراجح.

التفصيل:

أولا. اختلاف مفهوم سماع الموتى في الآيات عنه في الأحاديث:

إن الأخبار التي جاءت في قليب بدر، ونداء النبي - صلى الله عليه وسلم - إياهم، وما أخبر أنهم يسمعون كلامه - أخبار ثابتة توجب العمل والمحاسبة. أما الآيتان اللتان استدل بهما على رد ما ثبت في الحديث، فقد أجاب أهل العلم عنها بعدة أجوبة:

أما الآية الأولى وهي قوله سبحانه وتعالى: )إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (80)( (النمل).

قال الشنقيطي: "اعلم أن التحقيق الذي دلت عليه القرائن القرآنية، واستقراء القرآن أن معنى قوله: )إنك لا تسمع الموتى( لا يصح فيه من أقوال العلماء إلا تفسيران:

الأول: أن المعنى )إنك لا تسمع الموتى(؛ أي: لا تسمع الكفار الذين أمات الله قلوبهم، وكتب عليهم الشقاء في سابق علمه - إسماع هدى وانتفاع؛ لأن الله كتب عليهم الشقاء، فختم على قلوبهم، وعلى سمعهم، وجعل على قلوبهم الأكنة، وفي آذانهم الوقر، وعلى أبصارهم الغشاوة، فلا يسمعون الحق سماع اهتداء وانتفاع.

ومن القرائن القرآنية الدالة على ما ذكرنا، أن الله - عز وجل - قال بعده: )إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (81)( (النمل).

فاتضح بهذه القرينة أن المعنى )إنك لا تسمع الموتى( أي: الكفار الذين هم أشقياء في علم الله إسماع هدى وقبول الحق، ما تسمع من ذلك الإ سماع )إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون(، فمقابلته - عز وجل - بالإسماع المنفي في الآية عن الموتى بالإسماع المثبت فيها، لمن يؤمن بآياته، فهو دليل واضح على أن المراد بالموتى في الآية موت الكفر والشقاء، لا موت مفارقة الروح للبدن...

التفسير الثاني: هو أن المراد بالموتى الذين ماتوا بالفعل، ولكن المراد بالسماع المنفي في قوله سبحانه وتعالى: )إنك لا تسمع الموتى( (النمل: ٨٠) خصوص السماع المعتاد الذي ينتفع صاحبه به، وأن هذا مثل ضرب للكفار، والكفار يسمعون الصوت، لكن لا يسمعون سماع قبول بفقه واتباع، كما قال سبحانه وتعالى: )ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء( (البقرة: ١٧١)، فهكذا الموتى الذين ضرب بهم المثل لا يجب أن ينفي عنهم جميع أنواع السماع، كما لم ينف ذلك عن الكفار، بل قد انتفي عنهم السماع المعتاد الذي ينتفعون به، وأما سماع آخر فلا"[2].

والتفسير الأول هو الذي عليه أغلب المفسرين.

وأما الثاني، فقد قال به ابن تيمية[3] وغيره.

أما الآية الثانية، وهي قوله عز وجل: )وما أنت بمسمع من في القبور (22)( (فاطر)، فالقول فيها كالقول في الآية المتقدمة.

قال القرطبي: )وما أنت بمسمع من في القبور(؛ أي: الكفار الذين أمات الكفر قلوبهم، أي: كما لا تسمع من مات، كذلك لا تسمع من مات قلبه... أي: هم بمنزلة أهل القبور في أنهم لا ينتفعون بما يسمعونه ولا يقبلونه"[4].

ويقول ابن كثير: "قوله تعالى: )وما أنت بمسمع من في القبور(؛ أي: كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم وهم كفار - بالهداية والدعوة إليها، كذلك هؤلاء المشركون الذين كتب عليهم الشقاوة، لا حيلة لك فيهم ولا تستطيع هدايتهم"[5].

ويؤكد ذلك الطاهر ابن عاشور فيقول: "استعير )من في القبور( للذين لم تنفع فيهم النذر، وعبر عن الأموات بـ )من في القبور(؛ لأن من في القبور أغرق في الابتعاد عن بلوغ الأصوات؛ لأن بينهم وبين المنادي حاجز الأرض، فهذا إطناب أفاد معنى لا يفيده الإيجاز بأن يقال: وما أنت بمسمع الموتى"[6].

ثانيا. توجيهات أهل العلم وأقوالهم في مسألة سماع الموتى:

كان لأهل العلم عدة توجيهات وتفسيرات لمسألة سماع الموتى من الأحياء، فهل الأمر في ذلك على الحقيقة في كل وقت، أم هو في وقت دون وقت، أم أن الأصل عدم السماع، وما جاء في ذلك هو من باب خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهم في ذلك على ثلاثة أقوال، كالآتي:

القول الأول: جعل السماع هو الأصل، وذهب إلى هذا القول كل من: ابن مفلح، والشنقيطي، وهو ظاهر كلام قوام السنة الأصبهاني، وغيرهم.

قال الشنقيطي: "اعلم أن الذي يقتضي الدليل رجحانه هو أن الموتى في قبورهم يسمعون كلام من كلمهم... وإيضاح كون الدليل يقتضي رجحان ذلك، مبني على مقدمتين:

الأولى منهما: أن سماع الموتى ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث متعددة ثبوتا لا مطعن فيه، ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك خاص بإنسان ولا بوقت.

والمقدمة الثانية: أن النصوص الصحيحة عنه - صلى الله عليه وسلم - في سماع الموتى لم يثبت في الكتاب ولا في السنة شيء يخالفها، وتأويل عائشة - رضي الله عنها - بعض الآيات على معنى يخالف الأحاديث المذكورة، لا يجب الرجوع إليه؛ لأن غيره في معنى الآيات أولى بالصواب منه، فلا ترد النصوص الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بتأول بعض الصحابة بعض الآيات"[7].

القول الثاني: أن الأموات يسمعون في الجملة، لكنهم يسمعون في حال دون حال، وفي وقت دون وقت.

قال ابن تيمية بعد ذكره لبعض النصوص، كحديث القليب وغيره:

"فهذه النصوص وأمثالها تبين أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي، ولا يجب أن يكون السمع له دائما، بل قد يسمع في حال دون حال، كما قد يعرض للحي، فإنه قد يسمع أحيانا خطاب من يخاطبه، وقد لا يسمع لعارض يعرض له، وهذا السمع سمع إدراك، لا يترتب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفي بقوله عز وجل: )إنك لا تسمع الموتى( (النمل: ٨٠)، فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال، فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه، وكالبهائم التي تسمع الصوت ولا تفقه المعنى، فالميت وإن سمع الكلام وفقه المعنى لا يمكنه إجابة الداعي، ولا امتثال ما أمر به ونهى عنه، فلا ينتفع بالأمر والنهي، وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي، وإن سمع الخطاب، وفهم المعنى، كما قـال سبحانه وتعالى: )ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم( (الأنفال:٢٣)[8]".

واستدل أصحاب القولين السابقين على قولهم بسماع الموتى بعدة أدلة، أهمها:

·   حديث القليب والذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي طلحة رضي الله عنه: «أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش، فقذفوا في طوي[9]من أطواء بدر، خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه، وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي[10]، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟. قال: فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد ولا أرواح لها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم».

قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما[11].

·   واستدلوا بحديث أنس - رضي الله عنهم - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «العبد إذا وضع في قبره وتولي وذهب أصحابه - حتى إنه ليسمع قرع نعالهم - أتاه ملكان فأقعداه...»[12].

·    واستدلوا - أيضا - بمشروعية السلام على أهل القبور بصيغة الخطاب للحاضر، وهذا ثابت في أحاديث كثيرة، كحديث أبي هريرة رضي الله عنه: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون...»[13].

قال ابن تيمية: "فهذا خطاب لهم، وإنما يخاطب من يسمع".

وقال الشنقيطي: "وخطابه - صلى الله عليه وسلم - لأهل القبور بقوله: «السلام عليكم»، وقوله: «وإنا إن شاء الله بكم» ونحو ذلك يدل دلالة واضحة على أنهم يسمعون سلامه؛ لأنهم لو كانوا لا يسمعون سلامه وكلامه لكان خطابه لهم من جنس خطاب المعدوم ولا شك أن ذلك ليس من شأن العقلاء، فمن البعيد جدا صدوره منه صلى الله عليه وسلم"[14].

القول الثالث: أن الأصل عدم السماع، وأما حديث القليب وغيره مما ورد فهو مستثنى من هذا الأصل، فيكون من قبيل تخصيص العموم، وهذا ما ذهب إليه قتادة والقاضي وأبو يعلى، والمازري، وابن عطية، وابن الجوزي، وأبو عبد الله القرطبي والشوكاني، والألوسي وابنه نعمان، والألباني، وغيرهم[15].

قال قتادة: "أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما"[16].

ونقل الإمام النووي عن المازري قوله في تعليقه على حديث القليب، قال: "قال بعض الناس: الميت يسمع عملا بظاهر هذا الحديث. ثم قال النووي: ثم أنكره المازري، وادعى أن هذا خاص في هؤلاء"[17].

وقال أبو عبد الله القرطبي: "اعلم - رحمك الله - أن عائشة - رضي الله عنها - قد أنكرت هذا المعنى، واستدلت بقوله تعالى: )إنك لا تسمع الموتى( (النمل:٨٠)، وقوله: )وما أنت بمسمع من في القبور (22)( (فاطر) ولا تعارض بينهما؛ لأنه جائز أن يكونوا يسمعون في وقت ما، فإن تخصيص العموم صحيح إذا وجد المخصص، وقد وجد هنا بما ذكرناه، وقد تقدم[18]، وبقوله صلى الله عليه وسلم: «إنه ليسمع قرع نعالهم» وبالمعلوم من سؤال الملكين للميت في قبره وجوابه لهما. وغير ذلك مما لا ينكر"[19].

"وهذا القول قريب من سابقه - أي: القول بسماع في حال دون حال - فإن كلا منهما لم يطلق القول: بالسماع، إلا أن القول السابق جعل السماع أصلا، استنادا إلى ما ورد من الأحاديث، وأما أصحاب هذا القول فقد جعلوا عدم السماع أصلا إلا ما ورد من الأحاديث؛ استنادا إلى ما ورد من الآيات وغيرها، ولم يستثنوا من ذلك إلا ما ورد النص بإثباته"[20].

قال الألباني: "وخلاصة البحث والتحقيق: أن الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أئمة الحنفية وغيرهم... على أن الموتى لا يسمعون، وأن هذا هو الأصل، فإذا ثبت أنهم يسمعون في بعض الأحوال، كما في حديث خفق النعال، أو أن بعضهم سمع في وقت ما، كما في حديث القليب، فلا ينبغي أن يجعل ذلك أصلا، فيقال: إن الموتى يسمعون، كما فعل بعضهم، كلا فإنها قضايا جزئية، لا تشكل قاعدة كلية يعارض بها الأصل المذكور، بل الحق أنه يجب أن تستثني منه، على قاعدة استثناء الأقل من الأكثر، أو الخاص من العام كما هو المقرر في علم أصول الفقه"[21].

يقول د. سليمان الدبيخي: وعمدة هؤلاء فيما ذهبوا إليه أمران:

الأمر الأول: الآيات الواردة في نفي سماع الموتى، والتي منها:

الآيتان اللتان استدلت بهما عائشة - رضي الله عنها - على قولها بعدم سماع الموتى، وهما قوله سبحانه وتعالى: )إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (80)( (النمل)، وقوله: )وما أنت بمسمع من في القبور (22)( (فاطر)، وذلك كما روى الإمام البخاري عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: «وقف النبي - صلى الله عليه وسلم - على قليب بدر، فقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ ثم قال: إنهم الآن يسمعون ما أقول. فذكر لعائشة، فقالت: إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق. ثم قرأت: )إنك لا تسمع الموتى( حتى قرأت الآية»[22]، وفي رواية أخرى: «ثم قرأت: )إنك لا تسمع الموتى(، )وما أنت بمسمع من في القبور(»[23].

فقالوا: لا شك عند كل من تدبر الآيتين وسياقهما أن المعنى المراد منهما هو: تشبيه الكفار الأحياء بحال الموتى وأهل القبور، فهما واردتان في حق الكفار على ما تقدم بيانه، لا ننازع في هذا، بل نقول: على هذا جرى علماء التفسير، لكن ذلك لا يمنع الاستدلال بهما على عدم سماع الموتى؛ لأن الموتى لـما كانوا لا يسمعون حقيقة، وكان ذلك معروفا عند المخاطبين، شبه الله تعالى بهم الكفار الأحياء في عدم السماع، فدل هذا التشبيه على أن المشبه بهم - وهم الموتى في قبورهم - لا يسمعون، كما يدل مثلا تشبيه زيد في الشجاعة بالأسد على أن الأسد شجاع، بل هو في ذلك أقوى من زيد، ولذلك شبه به، وإن كان الكلام لم يسق للتحدث عن شجاعة الأسد نفسه، وإنما عن زيد، وكذلك الآيتان السابقتان وإن كانتا تحدثتا عن الكفار الأحياء وشبهوا بموتى القبور، فذلك لا ينفي أن موتى القبور لا يسمعون، بل إن كل عربي سليم السليقة لا يفهم من تشبيه موتى الأحياء بهؤلاء إلا أن هؤلاء أقوى في عدم السماع منهم، كما في المثال السابق.

قالوا: ومما يؤكد عدم سماع الأموات: تمام الآية الأولى: )ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (80)( (النمل)، فقد شبه الله موتى الأحياء من الكفار بالصم أيضا، فهل يقتضي في المشبه بهم )الصم( إنهم يسمعون أيضا، ولكن سماعا لا انتفاع فيه؟! أم أنه يقتضي أنهم لا يسمعون مطلقا، كما هو الحق الظاهر الذي لا خفاء فيه.

قالوا: وفي التفسير المأثور ما يؤيد هذا، فقد قال الطبري في تفسيره: وقوله: )ولا تسمع الصم الدعاء( يقول: وكما لا تقدر أن تسمع الصم - الذين قد سلبوا السمع - الدعاء، إذا هم ولوا عنك مدبرين، كذلك لا تقدر أن توفق هؤلاء - الذين قد سلبهم الله فهم آيات كتابه - لسماع ذلك وفهمه، ثم روى بإسناده عن قتادة أنه قال: "هذا مثل ضربه الله للكافر، فكما لا يسمع الميت الدعاء، كذلك لا يسمع الكافر )ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين(، يقول: لو أن أصم ولى مدبرا ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع، ولا ينتفع بما يسمع[24].

قالوا: وبهذا يتبين صحة فهم عائشة - رضي الله عنها - للآية، وتوجه اعتراضها، لولا أنه في مقابلة النص، وقد وافقها على هذا الفهم عمر - رضي الله عنه - فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أنس رضي الله عنه، «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك قتلى بدر ثلاثة أيام، حتى جيفوا، ثم أتاهم فقام عليهم، فقال: يا أمية بن خلف، يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا، قال: فسمع عمر صوته، فقال: يا رسول الله، أتناديهم بعد ثلاث، وهل يسمعون؟ يقول الله عز وجل: )إنك لا تسمع الموتى( (النمل: ٨٠)، فقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا»[25].

فعمر - رضي الله عنه - فهم من عموم الآية دخول أهل القليب فيه، فأشكل عليه مخاطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم، فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم يسمعونه، ولم ينكر عليه فهمه للآية.

قال ابن رجب: وقد وافق عائشة على نفي سماع الموتى كلام الأحياء، طائفة من العلماء، ورجحه القاضي أبو يعلى من أصحابنا... واحتجوا بما احتجت به عائشة، وبأنه يجوز أن يكون ذلك معجزة مختصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - دون غيره، وهو سماع الموتى كلامه[26].

ومما استدلوا به أيضا على عدم سماع الموتى، قوله عز وجل: )يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير (13) إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير (14)( (فاطر).

فقالوا: هذه الآية صريحة في نفي السمع عن أولئك الذين كان المشركون يدعونهم من دون الله تعالى، وهم موتى الأولياء والصالحين، الذين كان المشركون يمثلونهم في تماثيل وأصنام لهم، يعبدونهم فيها، وأخبر أن المعبودين يتبرءون من عابديهم يوم القيامة، فهم محشورون جميعا كما قال سبحانه وتعالى: )ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل (17) قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا (18)( (الفرقان).

وقال أيضا: )ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40) قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (41)( (سبأ).

الأمر الثاني: أن هذه المسألة من الأمور الغيبية التي لا يجوز الخوض فيها إلا بنص، ولم يرد ما يدل على أن الموتى يسمعون مطلقا، فيجب الوقوف عند حدود ما ورد.

وأما أدلة أصحاب القولين السابقين، فقد أجاب عنها بعضهم بما يأتي:

·   أما حديث القليب فقالوا: إنه وإن دل على سماع المشركين للنبي - صلى الله عليه وسلم - حين مناداته لهم، إلا أنه لا يدل على عموم هذا السماع في كل وقت وحين، ومما يؤيد هذا ما جاء في رواية ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنهم الآن يسمعون ما أقول»، فقوله: "الآن" قيد يفهم منه أنهم لا يسمعون في غير هذا الوقت، وعلى هذا يكون هذا الحديث حجة في كون الأصل في الموتى عدم السماع.

ومما يدل على هذا أيضا - من نفس الحديث - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر عمر وغيره من الصحابة على ما كان مستقرا في نفوسهم واعتقادهم من أن الموتى لا يسمعون، فلم ينكر ذلك عليهم، وإنما بين لهم ما كان خافيا عليهم من شأن أهل القليب، وأنهم سمعوا كلامه حقا.

·   وأما حديث أنس رضي الله عنه: «إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان..»، فهو محمول على أنه في أول الوضع؛ أي أن هذا السماع خاص بهذا الوقت، وبقية الحديث يشعر بهذا، فإن روحه تعاد حينئذ استعدادا لسؤال الملكين[27].

قال المناوي عند شرحه هذا الحديث: وعورض بقوله سبحانه وتعالى: )وما أنت بمسمع من في القبور (22)( (فاطر)، وأجيب: بأن السماع في حديثنا مخصوص بأول الوضع في القبر مقدمة للسؤال[28].

وقال الشيخ ابن عثيمين: "إنه وارد في وقت خاص، وهو انصراف المشيعين بعد الدفن"[29].

وأما استدلالهم بمشروعية السلام على أهل المقابر بصيغة المخاطب، فالجواب عنه: أنه لا يلزم من السلام عليهم أن يسمعوا، ولهذا كان المسلمون يسلمون على النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته في التشهد وهو لا يسمعهم قطعا، وهذا شائع في العربية، فإن العرب تسلم على الدار وتخاطبها، على بعد المزار.

وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن مثل هذا الخطاب يقصد منه استحضار المخاطب في القلب، ثم قال بعد ذكر السلام في التشهد: "والإنسان يفعل مثل هذا كثيرا، يخاطب من يتصور في نفسه، وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب[30].

وقال القاضي عياض تعليقا على الحديث السابق في سلام النبي - صلى الله عليه وسلم - على أهل المقابر: يحتمل أن يحيوا له حتى يسمعوا كلامه، كما سمعه أهل القليب، ويحتمل أن يفعل ذلك مع موتهم ليبين ذلك لأمته[31].

وقال ابن عطية: هذا كله غير معارض للآية، لأن السلام على القبور إنما هو عبادة، وعند الله الثواب عليها، وهو تذكير للنفس بحالة الموت، وبحالة الموتى في حياتهم[32].

·                    ترجيح الرأي الثالث:

والراجح عند أهل العلم أن أهل القليب قد سمعوا كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - كما دلت الروايات الصحيحة الصريحة المتعددة، كقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر رضي الله عنه: «إنهم الآن يسمعون ما أقول»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده ما أنتم لما أقول بأسمع منهم».

وأما اعتراض عائشة - رضي الله عنها - على ذلك، فقد قال عنه أهل العلم: إن ذلك وهم منهـا؛ لأن ابن عمر لم ينفرد بذلك، بل وافقه عليه غيره من الصحابة، كعمر وأبي طلحة - رضي الله عنهما - وهما ممن شهد بدرا.

قال ابن تيمية: وأهل العلم بالحديث والسنة اتفقوا على صحة ما رواه أنس وابن عمر، وإن كانا لم يشهدا بدرا، فإن أنسا روى ذلك عن أبي طلحة، وأبو طلحة شهد بدرا... والنص الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مقدم على تأويل من تأول من أصحابه[33].

وقال ابن كثير: والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر، لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة[34].

وقال ابن حجر: وقد خالفها الجمهور في ذلك، وقبلوا حديث ابن عمر، لموافقة من رواه غيره"، وبتأمل رواية عائشة - رضي الله عنها - نجد أنها قد اعترضت بأمرين:

أحدهما: أنها قالت: «إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق»، والجواب عنه: أنه إن كانت قد سمعت هذا من النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا اللفظ، فإنه لا يعارض رواية ابن عمر وغيره؛ لأن العلم لا ينافي السماع، ومن جاز عليه العلم جاز عليه السماع.

قال البيهقي: العلم لا يمنع من السماع.

وقال الإسماعيلي: وأما جوابها بأنه إنما قال: «إنهم ليعلمون»فإن كانت سمعت ذلك، فلا ينافي رواية "يسمعون" بل يؤيدها.

وقال السهيلي: إذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين، جاز أن يكونوا سامعين.

وأما اعتراضها الثاني: فهو احتجاجها بالآية، وهي قوله تعالى: )إنك لا تسمع الموتى( (النمل:٨٠) وقد تقدم الجواب عنها بأن الجمع ممكن، وذلك بتخصيص الآية بحديث القليب وغيره مما ورد، وعلى هذا فلا تعارض بين الآية والحديث.

قال الإسماعيلي: كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية، والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رد رواية الثقة إلا بنص مثله يدل على نسخه، أو تخصيصه أو استحالته، فكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن؟![35].

وقال الخطابي: تأويل قتادة في هذا أحسن من رأي عائشة - رضي الله عنها - وادعائها على ابن عمر الغلط، وحديث أبي طلحة يؤكد ما رواه ابن عمر[36].

فالأصل في مسألة سماع الموتى هو عدم السماع، فلا يثبت منه إلا ما ورد النص بإثباته - على ما جاء في القول الثالث، لقوة أدلتهم، وإجابتهم على أدلة المخالفين؛ لأن أحوال البرزخ من عالم الغيب الذي لا يجوز لأحد أن يقول فيه برأيه أو اجتهاده، بل يتعين فيه الوقوف عند حدود ما ورد.

قال ابن عطية: "قد صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أنتم بأسمع منهم" فيشبه أن قصة بدر هي خرق عادة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - في أن رد الله إليهم إدراكا سمعوا به مقاله، ولولا إخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة، وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين منهم[37].

وقال ابن التين: لا معارضة بين حديث ابن عمر والآية؛ لأن الموتى لا يسمعون بلا شك، لكن إذا أراد الله إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع، كقوله سبحانه وتعالى: )إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (72)( (الأحزاب)، وقوله: )ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (11)( (فصلت)[38].

وقال الألباني: اعلم أن كون الموتى يسمعون أو لا يسمعون، إنما هو أمر غيبي من أمور البرزخ التي لا يعلمها إلا الله - عز وجل - فلا يجوز الخوض فيه بالأقيسة والآراء، وإنما يوقف فيه النص إثباتا ونفيا[39].

وهذا القول هو ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، حيث قالت: الأصل أن الموتى عموما لا يسمعون نداء الأحياء من بني آدم، ولا دعاءهم، كما قال عز وجل: )وما أنت بمسمع من في القبور (22)( (فاطر)[40].

ولا يخفى ما في هذا القول من إغلاق الباب على القبوريين، الذين يتشبثون بهذا الحديث وأمثاله، لإثبات جواز الاستغاثة بالموتى والتوسل بهم، بحجة أنهم يسمعون دعاءهم ونداءهم.

قال الألباني: ومن المعلوم أن الاعتقاد بأن الموتى يسمعون، هو السبب الأقوى لوقوع كثير من المسلمين اليوم في الشرك الأكبر، ألا وهو دعاء الأولياء والصالحين، وعبادتهم من دون الله - عز وجل - جهلا وعنادا... فإذا تبين أن الصواب أن الموتى لا يسمعون، لم يبق حينئذ معنى لدعاء الموتى من دون الله تعالى[41].

وعلى فرض أنهم يسمعون فإنهم لا يقدرون على الإجابة، كما قال سبحانه وتعالى: )ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون (5)( (الأحقاف)، وقال أيضا: )يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير (13) إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير (14)( (فاطر).

قال السعدي: )إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم(؛ لأنهم ما بين جماد وأموات وملائكة مشغولين بطاعة ربهم، )ولو سمعوا( على وجه الفرض والتقدير )ما استجابوا لكم(؛ لأنهم لا يملكون شيئا، ولا يرضى أكثرهم بعبادة من عبده، ولهذا قال: )ويوم القيامة يكفرون بشرككم([42].

وقال الشيخ عبد الله أبو بطين: فالمتصف بعدم سماع الدعاء، وعدم الاستجابة، أو المتصف بأحدهما ممتنع دعاؤه شرعا وعقلا[43].

وأما القول الأول، وهو أن الموتى يسمعون مطلقا فقول بعيد؛ إذ لا يوجد نص صحيح صريح يدل على العموم والإطلاق، وقد قال الألباني: لم أر فيها - أي: في هذه المسألة - من صرح بأن الميت يسمع سماعا مطلقا عاما، كما كان شأنه في حياته، ولا أظن عالما يقول به، وإنما رأيت بعضهم يستدل بأدلة يثبت بها سماعا لهم في الجملة[44].

وأما القول الثاني، وهو أنهم يسمعون في الجملة، أي: في وقت دون وقت، وحال دون حال، فإنه وإن لم يكن بعيدا عن هذا القول - الذي تقدم ترجيحه - إلا أنه جعل السماع أصلا، والأولى مراعاة ما ورد من النصوص في ذلك، فحيث جاءت الآيات واضحة في نفس السماع مطلقا: )إنك لا تسمع الموتى( (النمل: ٨٠)، )وما أنت بمسمع من في القبور (22)( (فاطر:٢٢) - ولم يرد مثل هذا في الإثبات، فتعين القول: بأن الأصل عدم السماع، وما ورد من الإثبات في ذلك فهو مخصص له.

وقد يكون مراد بعضهم بقوله: إنهم يسمعون في الجملة؛ أي: فيما ورد الدليل بإثباته، وهذا ما عبر به الألوسي حيث قال: والحق أن الموتى يسمعون في الجملة... فيقتصر على القول بسماع ما ورد السمع بسماعه[45].

وعلى هذا، يكون الخلاف مع من كان هذا مراده لفظيا، مع عدم الموافقة على مثل هذا التعبير، لما فيه من الإبهام، فقد يفهم منه أن الأصل هو السماع؛ أي: أنهم يسمعون في غالب أحوالهم، ولا يخفى ما في هذا من قلب الحقائق([46]).

فحديث أهل القليب فيه تحديد السماع بمدة وجيزة، وذلك فيما أخرجه البخاري وأحمد من حديث أنس - رضي الله عنه - الذي تضمن لفظ "الآن"؛ أي: أنهم الآن يعلمون حين تبوءوا مقاعدهم، ومثل ذلك في الحديث الذي أخرجه الشيخان في سماع الميت لقرع النعال، وفيه: «إن الميت ليسمع قرع نعال مشيعيه»، أي: الوقت الذي يلي دفن الميت مباشرة، وليس في هذا الحديث والذي قبله ما يدعو إلى إطلاق القول بسماع الموتى، أو حتى تخصيصه بالأولياء والصالحين، كما يدعيه بعض غلاة الصوفية وغيرهم.

والذين استدلوا بحديث أهل القليب على إثبات سماع الأولياء والصالحين من بعد موتهم، رغم أن الحديث الذي استدلوا به متعلق بسماع طواغيت قريش خطاب النبي صلى الله عليه وسلم - كان يفترض بهم أن يستدلوا بالصالحين، وليس بما حصل لأبي جهل والوليد بن المغيرة؛ لأن السماع الذي يريدون أن يثبتوه متعلق بكرامة المستمع لا بعقوبته وخزيه.

وفي هذا إبطال الاستمداد بالموتى، وطلبهم، والاستعانة بهم، وهو المراد من نفي السماع عنهم؛ لأن الميت إذا ثبت أنه لا يسمع، وأنه هو المشبه به في الآيات بطل الاستمداده به؛ لاستحالة إجابته.

وكما تقرر أن الأحاديث التي جاءت ودلت على إمكانية سماع الأموات للأحياء، إنما هي تخصيص لما نفته الآيات، فلا تعارض بين الأحاديث والآيات.

ورغم ما سبق، كان هناك من أنكر الأحاديث واعتبرها خرافات تناقض العقل والقرآن، وأخذ يجحد بآيات الله البينات، وينكر النصوص الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - جحودا من عنده، وبدلا من أن يراجع توجيهات العلماء وأقوالهم في المسألة أخذها تكأة للتشكيك في دين الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

وبعد ما عرضنا ما يكفي لبيان الوجه الحق في المسألة، حتى أصبح واضحا جليا لكل من حاول أن يبذل عقله، ويتحرى الحق فيها - تبين دحض ادعاءات المغالين في دعاء الأموات من ناحية، وكذلك زالت شبهة الجاحدين للنصوص الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ناحية أخرى.

 الخلاصة:

·  لقد ذهب جل المفسرين إلى أن قوله سبحانه وتعالى: )وما أنت بمسمع من في القبور (22)( (فاطر)، وقوله تعالى: )إنك لا تسمع الموتى( (النمل:8) المقصود بهم الكفار الذين لم يستجيبوا لكلام الله تعالى وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - فهؤلاء أشبه ما يكونون بالأموات الذين لا يسمعون ولا يستفيدون بالكلام، فالسماع هنا سماع انتفاع واهتداء.

·  إن حديث القليب حديث صحيح ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن ابن عمر لم ينفرد به كما يدعون، وإنما رواه عمر وأبو طلحة - رضي الله عنهما - وقد ورد في الصحيحين، وعند الإمام أحمد، فكيف يدعون بطلانه؟!

·      لقد ذهب العلماء في توضيح مسألة سماع الموتى إلى ثلاثة أقوال:

o  فذهب بعضهم إلى أن السماع أصل، وأن جميع الموتى يسمعون الأحياء، واستدلوا بحديث القليب، وأنه عام، ولم يخصص وقتا دون وقت، ولا شخصا دون شخص، ولم يرد ما ينفيه أو يعارضه. وهذا ما ذهب إليه الشنقيطي وابن مفلح وغيرهما.

o  وذهب بعض آخر من العلماء إلى أن سماع الموتى يكون في حال دون حال، وفي وقت دون وقت، واستدلوا بحديث قليب بدر، وحديث سماع الميت قرع النعال بعد الانتهاء من الدفن، وحديث إلقاء السلام على أهل القبور عند دخولها. وهذا ما ذهب إليه ابن تيمية وغيره من العلماء.

o  وذهب فريق ثالث إلى نفي السماع مطلقا، إلا ما ورد النص بتخصيصه، واستدلوا بقول الله تعالى: )وما أنت بمسمع من في القبور (22)(، وقوله تعالى: )إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (80)(. كما ذهبوا إلى أن حديث قليب بدر، وتكليم النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - لأن هناك بعض الروايات التي تذكر قوله: «إنهم الآن يسمعون». وأما حديث سماع الميت قرع نعال مشيعيه؛ فذلك لأن الروح قد ردت إلى الجسد استعدادا لحساب الملكين في القبر. وأما حديث إلقاء السلام عند دخول المقابر، فللعظة والعبرة في أحوال الموتى، ولم يأت نص عام في إطلاق سماع الموتى.

والراجح من خلال عرض الآراء حول هذه المسألة هو نفي السماع مطلقا إلا ما ورد النص بتخصيصه، كما حدث في تكليم النبي - صلى الله عليه وسلم - لقتلى المشركين في بدر، وحديث سماع الميت قرع نعال مشيعيه.

  


(*)دور السنة في إعادة بناء الأمة، جواد موسى محمد عفانة، جمعية عمال المطابع التعاونية، الأردن، ط1، 1419هـ/ 1999م.

[1] . القليب: البئر التي لم تبن جوانبها بالحجارة.

[2]. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين الشنقيطي، دار الفكر، بيروت، 1415هـ/ 1995م، (6/ 416: 421).

[3]. انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، تحقيق: أنور الباز وعامر الجزار، دار الوفاء، مصر، ط3، 1426هـ/ 2005م، (4/ 298).

[4]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، (14/ 340).

[5]. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، 1400 هـ/ 1980م، (3/ 552).

[6]. التحرير والتنوير، الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، (22/ 295، 296).

[7]. أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين الشنقيطي، دار الفكر، بيروت، 1415هـ/ 1995م، (6/ 422).

[8]. مجموع الفتاوى، ابن تيمية، تحقيق: أنور الباز وعامر الجزار، دار الوفاء، مصر، ط3، 1426هـ/ 2005م، (24/ 364، 365).

[9] . الطوي: هو البئر التي طويت وبنيت بالحجارة لتثبت ولا تنهار.

[10] . شفة الركي: طرق البئر.

[11]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: المغازي، باب: قتل أبي جهل، (7/ 350، 351)، رقم (3976). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: صفة الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، (9/ 3976)، رقم (7091).

[12]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الجنائز، باب: الميت يسمع خفق النعال، (3/ 244)، رقم (1338). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: صفة الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، (9/ 3974)، رقم (7083).

[13]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، (2/ 762)، رقم (573).

[14] . أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، محمد الأمين الشنقيطي، دار الفكر، بيروت، 1415هـ/ 1995م، (6/ 425، 426).

[15]. أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، د. سليمان بن محمد الدبيخي، دار المنهاج، الرياض، ط1، 1427هـ، ص703.

[16]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1986م، (7/ 351).

[17]. شرح صحيح مسلم، النووي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط2، 1422هـ/ 2001م، (9/ 3978).

[18]. يعني حديث القليب.

[19]. التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، القرطبي، دار الريان للتراث، القاهرة، ط3، 1411هـ/ 1991م، ص164.

[20]. أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، د. سليمان بن محمد الدبيخي، دار المنهاج، الرياض، ط1، 1427هـ، ص705.

[21]. الآيات البينات في عدم سماع الأموات، الألوسي، تحقيق: الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط4، ص41.

[22] . صحيـح البخـاري (بشرح فتـح البـاري)، كتـاب: المغـازي، بـاب: قتـل أبي جهـل، (7/ 351)، رقم (3980، 3981).

[23] . صحيـح البخـاري (بشرح فتـح البـاري)، كتـاب: المغـازي، باب: قتـل أبي جهـل، (7/ 351)، رقم (3979).

[24]. انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ابن جرير الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1420هـ/ 2000م، (19/ 495).

[25]. صحيح: أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، رقم (14096). وصححه شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند.

[26]. انظر: أهوال القبور، ابن رجب الحنبلي، ص132.

[27]. انظر: الآيات البينات في عدم سماع الأموات، الألوسي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ص56: 59.

[28] . انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير، المناوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1415هـ/ 1994م، (2/ 505).

[29]. القول المفيد على كتاب التوحيد، محمد صالح العثيمين، (1/ 207).

[30]. انظر: اقتضاء الصراط المستقيم، ابن تيمية، تحقيق: أحمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، ط2، 1369هـ، ص416.

[31]. انظر: الآيات البينات في عدم سماع الأموات، الألوسي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ص97.

[32]. انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، (5/ 176).

[33]. انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، تحقيق: أنور الباز وعامر الجزار، دار الوفاء، مصر، ط3، 1426هـ/ 2005م، (4/ 297).

[34]. انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، 1400 هـ/ 1980م، (3/ 438).

[35]. انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1986م، (7/ 354).

[36]. انظر: أعلام الحديث، الخطابي، تحقيق: محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود، جامعة أم القرى، د. ت، (3/ 1708).

[37]. المحرر الوجيز، ابن عطية، (5/ 176).

[38]. انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1986م، (3/ 277).

[39]. انظر: الآيات البينات في عدم سماع الأموات، الألوسي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، هامش ص20، 21.

[40]. انظر: فتاوى اللجنة الدائمة، جمع وترتيب: أحمد بن عبد الرازق الدويش، المجموعة الأولى، (1/ 472).

[41]. انظر: الآيات البينات في عدم سماع الأموات، الألوسي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، هامش ص10، 11.

[42]. انظر: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن ناصر السعدي، تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1420هـ/ 2000م، ص686.

[43]. انظر: تأسيس التقديس في كشف تلبيس داود جرجيس، عبد الله أبو بطين، تحقيق: عبد السلام بن برجس العبد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1422هـ/ 2001م، (1/ 94).

[44] . الآيات البينات في عدم سماع الأموات، الألوسي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ص37.

[45] . انظر: الآيات البينات في عدم سماع الأموات، الألوسي، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ص40.

[46] . أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، د. سليمان بن محمد الدبيخي، دار المنهاج، الرياض، ط1، 1427هـ، ص705: 716 بتصرف يسير.

wives that cheat redirect read here
click here online women cheat husband
signs of a cheater why married men cheat on their wives website
reasons wives cheat on their husbands what is infidelity why do men have affairs
generic viagra softabs po box delivery viagra 50 mg buy viagra generic
dating a married woman all wife cheat i cheated on my husband
My girlfriend cheated on me my wife cheated on me with my father signs of unfaithful husband
مواضيع ذات ارتباط
محمد زائر
جزاكم الله خيرا علي هذا التوضيح


أضف تعليقا
عنوان التعليق 
نص التعليق 
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها فقط ولا تعبر عن الموقع
 
 
 
  
المتواجدون الآن
  7034
إجمالي عدد الزوار
  7742720

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي


أخى المسلم: يمكنك الأستفادة بمحتويات موقع بيان الإسلام لأغراض غير تجارية بشرط الإشارة لرابط الموقع