مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

الطعن في أحاديث إرسال الشهب على الشياطين(*)

مضمون الشبهة:

يطعن بعض المشككين في الأحاديث الواردة بشأن رمي الشياطين التي تسترق السمع من السماء بالشهب، زاعمين أن هذه الأحاديث متعارضة؛ ويستدلون على ذلك بأنه قد روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - حديثان متعارضان؛ أحدهما صريح جدا في أن الشهب قد كان يرمى بها في الجاهلية، بينما الحديث الثاني يدل على أن الرمي بالشهب إنما كان بعد مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - ونزول القرآن! ومن جانب آخر، فإن الحديثين يثبتان استراق الشياطين السمع، وفي ذلك مخالفة لما جاء في قوله سبحانه وتعالى: )لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب (8)( (الصافات)، وقوله سبحانه وتعالى: )إنهم عن السمع لمعزولون (212)( (الشعراء).

رامين من وراء ذلك إلى الطعن في السنة النبوية واتهامها بالتعارض، وأنها مخالفة للقرآن الكريم.

وجها إبطال الشبهة:

1) إن الأحاديث التي تثبت أن رمي الشياطين بالشهب كان في الجاهلية، والأخرى التي تؤكد أن ذلك كان بعد البعثة ونزول القرآن - أحاديث صحيحة، لا تعارض بينها؛ فإن إرسال الشهب على الشياطين واقع، لكنه لم يكن على الدوام في الجاهلية، بل كانت ترمى في وقت دون وقت، ومن جانب دون جانب، فلما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - كثر ذلك وغلظ، وشدد في حراسة السماء، فأصبحوا يرمون في كل وقت ومن كل جانب.

2) إن ما جاء في كتاب الله - عز وجل - بشأن استراق الشياطين السمع لا يتعارض مع الأحاديث النبوية التي في هذا الموضوع، وحقيقة ما تعرض له القرآن بشأن هذا الموضوع لا ينفي استراق الشياطين السمع.

التفصيل:

أولا. رجم الشياطين بالشهب ثابت قبل البعثة وبعدها إلى قيام الساعة، ولا تعارض بين الأحاديث:

روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «أخبرني رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار، أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رمي بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا كنتم تقولون في الجاهلية، إذا رمي بمثل هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا - تبارك وتعالى اسمه - إذا قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال. قال: فيستخبر بعض أهل السماوات بعضا؛ حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون به، فما جاءوا على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون[1] فيه ويزيدون»[2].

وروى ابن عباس أيضا فيما أخرجه الشيخان «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - انطلق في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء؟ فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو بنخلة، عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا )إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (2)( (الجن)، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: )قل أوحي إلي( (الجن: ١)، وإنما أوحي إليه قول الجن»[3].

وبالنظر إلى هذين الحديثين استحال على بعض الناس الجمع بينهما؛ إذ إن الحديث الأول يفيد أن الشهب التي كانت يرمى بها في الجاهلية الذين يسترقون السمع من الشياطين، والثاني من هذين الحديثين يدل على أن الرمي بالشهب إنما كان بعد البعثة ونزول القرآن.

لكن المتأمل الحصيف لهذين الحديثين لا يلمس أي تعارض بينهما؛ وذلك لما قاله أهل العلم من شراح الحديث؛ إذ قالوا: إن الشهب كانت ترمى بها الشياطين في الجاهلية، ولكن ليس على سبيل الدوام، فكانت ترمى في وقت دون وقت، ومن جانب دون جانب فلما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - كثر ذلك وغلظ، وشدد في حراسة السماء، فأصبحوا يرمون في كل وقت، ومن كل جانب، وإلى هذا الرأي ذهب ابن عباس والزهري، وابن قتيبة، والطحاوي، وابن بطال، والسهيلي، وأبو عبد الله القرطبي، وابن تيمية، وابن كثير، وابن رجب، وقال ابن حجر: هذا جمع حسن. وذكر القرطبي أنه قول الأكثرين[4].

وقد قال ابن حجر: "ويحتمل أن يكون المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا رمي بها في الجاهلية"؛ أي: جاهلية المخاطبين، ولا يلزم أن يكون ذلك قبل المبعث؛ فإن المخاطب بذلك الأنصار، وكانوا قبل إسلامهم في جاهلية؛ فإنهم لم يسلموا إلا بعد المبعث بثلاث عشرة سنة.

وقال السهيلي: لم يزل القذف بالنجوم قديما، وهو موجود في أشعار قدماء الجاهلية، كأوس بن حجر، وبشر بن أبي حازم، وغيرهما.

وقال القرطبي: يجمع بينهما بأنها لم تكن يرمى بها قبل المبعث رميا يقطع الشياطين عن استراق السمع، ولكن كانت ترمى تارة، ولا ترمى أخرى، وترمى من جانب ولا ترمى من جميع الجوانب، ولعل الإشارة إليه بقوله سبحانه وتعالى: )ويقذفون من كل جانب (8)( (الصافات).

وقال الزين بن المنير: ظاهر الخبر أن الشهب لم تكن يرمى بها، وليس كذلك؛ لما دل عليه حديث مسلم"[5].

قال ابن تيمية: "وقد تواترت الأخبار بأنه حين المبعث كثر الرمي بالشهب، وهذا أمر خارق للعادة؛ حتى خاف بعض الناس أن يكون ذلك لخراب العالم، حتى نظروا هل الرمي بالكواكب التي في الفلك، أم الرمي بالشهب؟ فلما رأوا أنه بالشهب علموا أنه لأمر حدث، وأرسلت الجن تطلب سبب ذلك، حتى سمعت القرآن، فعلموا أنه كان لأجل ذلك، وهذا من أعلام النبوة ودلائلها، وقبل زمان البعث وبعده كان الرمي خفيفا، لم تمتلئ به السماء كما ملئت حين نزل القرآن"[6].

وعلى هذا يكون الجمع بين النصوص، ومتى أمكن الجمع - بشرط احتمال النصوص له - وجب المصير إليه؛ لأن فيه إعمالا لكلا الدليلين، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما؛ ولذا قال ابن كثير: "لعل المراد من نفي ذلك أنها لم تكن تحرس حراسة شديدة، ويجب حمل ذلك على هذا؛ لما ثبت في الحديث..."[7]، ثم ذكر حديث ابن عباس - رضي الله عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟».

وعلى هذا يكون الرمي بالشهب موجودا في الجاهلية، كما يدل عليه حديث ابن عباس المتقدم، لكن ذلك لم يكن متواصلا ومستمرا في كل وقت، وفي كل حال، ومن كل جانب، فلما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - شدد في حراسة السماء، وكثر الرمي بالشهب، وعلى هذا يحمل حديث ابن عباس الآخر:«فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين السماء، وأرسلت علينا الشهب»أي الرمي بالشهب، لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - زاد وكثر، على خلاف المعتاد والمعهود، مما جعل الناس تستغرب ذلك، والشياطين تنكره وترتاع له، حتى ضربوا مشارق الأرض ومغاربها بحثا عن سبب ذلك، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم، وسمعوا القرآن عرفوا أن هذا هو الذي حال بينهم وبين خبر السماء، وكان ذلك من آيات النبي - صلى الله عليه وسلم - ودلائل نبوته.

قال ابن قتيبة: "الرجم قد كان قبل بعثته، ولكنه لم يكن مثله الآن في شدة الحراسة، وكانت تسترق في بعض الأحوال فلما بعث منعت من ذلك"[8][9].

وإن قيل: هل هذا الرمي بالشهب للشياطين الذين يسترقون السمع مستمر بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم؟

نقول: نعم؛ لأنه طالما حصل منهم استراق للسمع، فلا بد أن يلاقوا تعذيبا لفعلهم هذا، واستراق الشياطين مستمر بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه إذا كان وقع في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - فمن بعد حياته يكون من باب أولى.

قال الحافظ في "الفتح": فإن قيل: إذا كان الرمي بها غلظ وشدد بسبب نزول الوحي، فهلا انقطع بانقطاع الوحي بموت النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن نشاهدها الآن يرمى بها؟

فالجواب يؤخذ من حديث الإمام مسلم والذي فيه: «كنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم، ومات رجل عظيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإنها لا ترمى لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا إذا قضى أمرا أخبر أهل السموات بعضهم بعضا؛ حتى يبلغ الخبر السماء الدنيا، فيخطف الجن السمع، فيقذفون به إلى أوليائهم». فيؤخذ من ذلك أن سبب التغليظ والحفظ لم ينقطع؛ لما يتجدد من الحوادث التي تلقى بأمره إلى الملائكة، فإن الشياطين مع شدة التغليظ عليهم في ذلك بعد البعث لم ينقطع طمعهم في استراق السمع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بما بعده؟! وهذا ظاهر في أن استراقهم السمع استمر بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وسيظل إلى يوم القيامة[10].

وبهذا يمكن الجمع بين الحديثين بأن يكون الرمي بالشهب واقعا في الجاهلية قبل الإسلام، وإلى قيام الساعة، وأن ما كان في الجاهلية لم يكن دائما في كل وقت، ومن كل جانب، أما بعد البعثة ونزول القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد شدد في الأمر وغلظ، وأصبح كل من استرق السمع من الجن والشياطين يجد له شهابا رصدا، ولم تمتنع الشياطين من محاولة استكشاف خبر السماء حتى بعد البعثة، مما يؤكد ثبوت ودوام محاولاتهم في استراق السمع إلى يوم القيامة.

ثانيا. إثبات هذين الحديثين لاستراق الشياطين لا يعارض ما جاء في القرآن بشأن حفظ السماء من كل شيطان مارد:

لقد استفاض القرآن المجيد في ذكره اقتصار علم الغيب على الله سبحانه وتعالى، وبما أن عالم الجن من الغيبيات التي حجبت عنا حسا، إلا أنه قد راق لبعض الناس أن يستعينوا بهم في بعض أمور الغيب، وكان للجن حيل تستطيع أن تفعلها ليستمعوا خبر السماء بعد انقضائه من قبل الله عز وجل، والإيحاء به إلى ملائكته، كما بين لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديثين الماضيين، إلا أن الله سبحانه وتعالى من يوم أن خلق السموات قال: )ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين( (الملك: ٥)، فتأكد من صدق حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن الشياطين كانت ترجم قبل البعثة المحمدية، إلا أنه بعد نزول القرآن وتكريم الأرض برسالة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، أراد الله أن يرفع التكهن الذي اشتبك فيه الجاهليون إثر إخضاعهم الجنة لرغباتهم، وغير ذلك مما كان موجودا في الجاهلية مما أصبح عقيدة.

فبدأ الله المسألة بنفي أن يكون هذا القرآن قول شيطان رجيم؛ وذلك لإعجازه، خشية أن يظن أن محمدا يأتيه من الجن من يوحي إليه من زخرف القول، وأكد ذلك - سبحانه وتعالى - بقوله عن الشياطين: )وما ينبغي لهم وما يستطيعون (211) إنهم عن السمع لمعزولون (212)( (الشعراء).

ثم أثبت الله محاولات بعض الجنة تسمع أخبار السماء، مع أنهم علموا - أي الجن - أنه بعد بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد شدد عليهم بحراسة السماء بالشهب الثاقبة، التي تحرق من حاول منهم استراق السمع.

·   لا تعارض بين الأحاديث والقرآن في موضوع الاستراق يقول تعالى عن الجن: )لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب (8)( (الصافات).

وهذه الآية في زعمهم تنفي التسمع من الشياطين لأخبار السماء، لكن نرد عليهم بما قاله العلماء.

قال صاحب فتح البيان: )لا يسمعون إلى الملإ الأعلى( مستأنفة لبيان حالهم بعد حفظ السماء منهم. قال النسفي: والفرق بين سمعت فلانا يتحدث، وسمعت إليه يتحدث، وسمعت حديثه، وإلى حديثه: أن المعدى بنفسه يفيد الإدراك، والمعدى بـ (إلى) يفيد الإصغاء مع الإدارك.

)الملإ الأعلى( أهل السماء الدنيا فما فوقها. والضمير في )يسمعون( للشياطين، وقيل: إن جملة )لا يسمعون( صفة لكل شيطان.

وقيل: جواب عن سؤال مقدر، كأنه قيل: فما حالهم بعد حفظ السماء عنهم؟ فقال: )لا يسمعون إلى الملإ الأعلى(، قرأ الجمهور: بسكون السين وتخفيف الميم، وقرئ بتشديدها، والأصل (يتسمعون).

فالأولى تدل على انتفاء سماعهم دون استماعهم، والثانية تدل على انتفائهما، وفي معنى الأولى قوله سبحانه وتعالى: )إنهم عن السمع لمعزولون (212)( (الشعراء) قال مجاهد: كانوا يستمعون، ولكن لا يسمعون. واختار الثانية أبو عبيدة، قال: لأن العرب لا تكاد تقول: سمعت إليه، وتقول: تسمعت إليه، وكان ابن عباس يقرأ مخففة، قال: إنهم كانوا يتسمعون لكن لا يسمعون.

)لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب (8) دحورا( (الصافات)؛ أي: يرمون من كل جانب من جوانب السماء ونواحيها وجهاتها بالشهب، إذا أرادوا الصعود لاستراق السمع، والدحور: الطرد.

وقد اختلف هل كان هذا الرمي لهم بالشهب قبل المبعث أو بعده، فقالت بالأول طائفة، وبالآخر آخرون، وقالت طائفة بالجمع بين القولين: إن الشياطين لم تكن ترمى قبل المبعث رميا يقطعها عن السمع، ولكن كانت ترمى وقتا ولا ترمى آخر، وترمى من جانب ولا ترمى من جانب آخر، ثم بعد المبعث رميت من كل جانب وفي كل وقت؛ حتى صارت لا تقدر على استماع شيء.

أما قوله: )إلا من خطف الخطفة( (الصافات: ١٠) الاستثناء هو من قوله: )لا يسمعون( أو من قوله: )ويقذفون(، وقيل: الاستثناء راجع إلى غير الوحي؛ لقوله: )إنهم عن السمع لمعزولون(، بل يخطف الواحد منهم خطفة مما يتفاوض فيه الملائكة، ويدور بينهم مما سيكون في العالم قبل أن يعلمه أهل الأرض، والخطف: الاختلاس مسارقة وأخذ الشيء بسرعة، )فأتبعه( (الصافات:١٠)؛ أي: لحقه وتبعه )شهاب ثاقب (10)( (الصافات)؛ أي: نجم مضيء، أو مستوقد، فيحرقه أو يقتله و يخبله، وربما لا يحرقه، فيلقي إلى إخوانه ما خطفه. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما:إذا رمي الشهاب لم يخطئ من رمي به، وتلا: )فأتبعه شهاب ثاقب (10)( (الصافات)، وقال: لا يقتلون بالشهاب، ولا يموتون، ولكنها تحرق وتخبل وتجرح في غير قتل[11].

إذن فهذه الآية لا تعارض الحديث بأي حال من الأحوال، فإن كان الحديث يثبت استراق الشياطين، فكذلك الآية مثبتة له لا نافية، فقد قال الله في هذه الآية: )إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (10)( (الصافات) فذاك دليل على محاولة الاختطاف من أخبار السموات.

وقد أكد هذا المعنى الشيخ الشعراوي؛ حيث قال: "فإن قلت: فلماذا لا يمنع بداية من استراق السمع؟ قالوا: فرق بين أن يمنع من الشيء أصلا، وبين أن يناله ثم لا ينفذ به، ولا يستفيد منه، إن الله يمكنه من بعض الأخبار بالفعل فيسمعها، لكن تعاجله الزاجرات والشهب من كل ناحية، فتكون حسرته أعظم حسرة أنه تعب، وتحمل المشاق في استراق السمع والخطف، وحسرة أنه لم ينتفع بما سمع"[12].

وعلى هذا فاستدلالهم بهذه الآية على نفي القرآن استراق الشياطين - استدلال مرفوض؛ فالآية صريحة جدا في محاولة الشياطين القيام بذلك، ثم مهاجمة شهب السماء لهم بالحرق وغيره.

أما احتجاجهم بقول الله سبحانه وتعالى: )إنهم عن السمع لمعزولون (212)( (الشعراء)، فتأويله على هذا الوجه، أن الله بين أولا: أن هذا القرآن الكريم ما تنزلت به الشياطين، "وهذا رد لما زعمه الكفرة في القرآن أنه من قبيل ما تلقيه الشياطين على الكهنة بعد تحقيق الحق ببيان أنه نزل به الروح الأمين، فلا يكون سحرا أو كهانة، أو شعرا أو أضغاث أحلام كما يقولون.

ثم بين الله بعد ذلك أنهم - أي الشياطين - )وما ينبغي لهم( ذلك وما يصح منهم، ولا يصلح أن ينزلوا به )وما يستطيعون( ما نسبه الكفار إليهم أصلا، ولا يمكنهم )إنهم عن السمع( للقرآن أو لكلام الملائكة )لمعزولون( أي: لمحجوبون مرجومون بالشهب"[13].

والمتأمل في سياق هذه الآيات يجد قوله )تنزلت( (الشعراء: ٢١٠)، ومرجعها للشياطين - يثبت أن هناك تنزلا بشيء عن طريق الشياطين إلى الكهان والدجالين، وهذا دليل يرجح استراق الشياطين للسمع، إلا أنهم محجوبون عن مساس القرآن؛ لحفظ الله له، وحتى لا يدخل بجانب الوحي شك أو تكهن، فتنزع الثقة من الشرع بأكمله.

ثم اعترض القوم على تلك الأحاديث المثبتة لاستراق الشياطين السمع بآية ثالثة من كتاب الله ظانين أنها صريحة في تعارضها مع الأحاديث، وهذه الآية هي قوله - سبحانه وتعالى - في سورة الجن: )وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (8) وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (9)( (الجن).

وهاتان الآيتان صريحتان في إثبات ما أثبته الحديث الشريف من استراق الشياطين السمع، إلا أنها زادت شيئا على ما كانت عليه في الجاهلية، وهي أنها ملئت - أي السماء - حرسا شديدا وشهبا.

قال الطاهر ابن عاشور في معنى هذه الآية: "إننا - أي الجن - اختبرنا حال السماء لاستراق السمع فوجدناها كثيرة الحراس من الملائكة، وكثيرة الشهب للرجم، فليس في الآية ما يؤخذ منه أن الشهب لم تكن قبل بعث النبي صلى الله عليه وسلم... والجن لا تنكف عن ذلك؛ لأنهم منساقون إليه بالطبع، مع ما ينالهم من أذى الرجم والاحتراق، شأن انسياق المخلوقات إلى ما خلقت له، مثل تهافت الفراش على النار؛ لاحتمال ضعف القوة المفكرة في الجن، بحيث يغلب عليها الشهوة، ونحن نرى البشر يقتحمون الأخطار والمهالك تبعا للهوى، مثل مغامرات الهواة في البحار والجبال والثلوج...ولعل كيفية حدوث رجم الجن بالشهب كان بطريقة تصريف الوحي إلى الملائكة في مجار تمر على مواقع انقضاض الشهب، حتى إذا اتصلت قوى الوحي بموقع أحد الشهب انفصل الشهاب بقوة ما يغطه من الوحي، فسقط مع مجرى الوحي؛ ليحرسه من اقتراب المسترق حتى يبلغ إلى الملك الموحى إليه، فلا يجد في طريقه قوة شيطانية أو جنية إلا أحرقها وبخرها، فهلكت أو استطيرت، وبذلك بطلت الكهانة، وكان ذلك من خصائص الرسالة المحمدية"[14].

وعلى هذا، فإن هاتين الآيتين أيضا تثبتان حقيقة استراق الشياطين للسمع، إذن فالقرآن مؤيد لما جاء في الحديث؛ وذلك في قوله عز وجل: )وأنا لمسنا السماء( لأن إثبات اللمس من الجن للسماء يثبت يقينا حقيقة استراقهم للسمع، لمعرفة الخبر من السماء، إلا أنهم شدد عليهم في ذلك بعد رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - كما بينا؛ حيث قالوا: «ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا لأمر حدث»وكان هذا الأمر هو بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قالوا: وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع( (الجن: ٩) هذا كان قبل البعثة، لكن بعدها )فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا (9)( (الجن).

وبعد أن أثبتنا أن الاستراق ثابت بالقرآن الكريم، كما هو ثابت بالسنة نريد أن نشير إلى أمر مهم، ألا وهو:

·      حقيقة استراق الشياطين، وانتفاء علاقته بالوحي والغيب:

لقد نقل الحافظ ابن حجرعن الخطابي أنه قال: "بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن إصابة الكاهن أحيانا إنما هي لأن الجني يلقي إليه الكلمة التي يسمعها استراقا من الملائكة، فيزيد عليها أكاذيب يقيسها على ما سمع، فربما أصاب نادرا، وخطؤه الغالب"[15].

فهذا يبين أن الشياطين يحاولون استراق السمع من الملائكة فيما يتحدثون فيه بينهم، فقد يقفون على بعض الأخبار الصحيحة، إلا أنهم يكذبون في معظمها، ويلقون بها إلى الكهنة، كما أنهم لا يطلعون صراحة على الوحي أو الغيب؛ فقد حيل بينهم وبين ذلك.

"قال الخطابي: الكهنة قوم لهم أذهان حادة، ونفوس شريرة، وطباع نارية، فألفتهم الشياطين لما بينهم من التناسب في هذه الأمور، ومساعدتهم بكل ما تصل قدرتهم إليه، وكانت الكهانة في الجاهلية فاشية خصوصا في العرب لانقطاع النبوة فيهم.

وهي - أي الكهانة - على أصناف:

أولها: ما يتلقونه - أي الكهان - من الجن، فإن الجن كانوا يصعدون إلى جهة السماء فيركب بعضهم بعضا إلى أن يدنو الأعلى بحيث يسمع الكلام، فيلقيه إلى الذي يليه، إلى أن يتلقاه من يلقه في أذن الكاهن فيزيد فيه، فلما جاء الإسلام ونزل القرآن حرست السماء من الشياطين، وأرسلت عليهم الشهب، فبقي من استراقهم ما يتخطفه الأعلى فيلقيه إلى الأسفل قبل أن يصيبه الشهاب، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: )إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (10)( (الصافات: ١٠)، وكانت إصابة الكهان قبل الإسلام كثيرة جدا، كما جاء في أخبار شق وسطيح ونحوهما، وأما في الإسلام فقد ندر ذلك جدا حتى كاد يضمحل.

ثانيها: ما يخبر الجني به من يواليه بما غاب عن غيره مما لا يطلع عليه الإنسان غالبا، أو يطلع عليه من قرب منه، لا من بعد.

ثالثها: ما يستند إلى ظن وتخمين وحدس، وهذا قد يجعل الله فيه لبعض الناس قوة مع كثرة الكذب فيه.

رابعها: ما يستند إلى التجربة والعادة، فيستدل على الحادث بما وقع قبل ذلك، ومن هذا القسم الأخير ما يضاهي السحر.

وقد يعتضد بعضهم في ذلك بالزجر والطرق والنجوم، وكل ذلك مذموم شرعا"[16].

والذي يخص حديثنا هنا ما جاء في القسم الأول، وفيه يثبت أن الجن يلقي إلى الكهان، ويكون قد استرقه من خبر السماء.

وهذا ما قد ثبت في الأحاديث.

واستراق السمع موجود من قبل البعثة كما بينا، وفي أثناء حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك بعد موته صلى الله عليه وسلم، فاستراق السمع لم ينقطع، وهو على ثلاث أحوال:

·      قبل البعثة كان كثيرا جدا؛ لانقطاع زمن نبوة كل من موسى وعيسى - عليهما السلام.

·      أثناء البعثة ملئت حرسا شديدا وشهبا، وكان قليلا ونادرا جدا ما يحدث استراق.

·      وبعد موت محمد - صلى الله عليه وسلم - زاد، ولكن لا يوصف بالكثرة ولا بالقلة.

فالكهان كانوا قبل البعثة كثيرين، فيخبرون ببعض الغيبيات، وسواء كان الاستراق قبل البعثة أو بعدها، فإنه لم يكن كاملا، مثل ما جاء في حديث ابن صياد الذي رواه البخاري في صحيحه: عن ابن عمرو - رضي الله عنهما - قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ماذا ترى؟، قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: خلط عليك الأمر، إني قد خبأت لك خبيئا، قال ابن صياد: هو الدخ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: اخسأ، فلن تعدو قدرك...»[17] أي: إن الشياطين لا تحسن استماع الوحي الذي يوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فربما تحدث أشياء في وقت النبوة، مما يقضي الله - عز وجل - في السماء، مما لا يختص بالوحي إنما هو من الأوامر الكونية[18].

وبهذا يتبين أنه لا تعارض بين السنة والقرآن في مسألة استراق الجن السمع للسماء ليعلموا أشياء قد قضيت في السموات، ثم يخبرون بها الدجالين والكهان. فكلاهما يثبت ذلك، لكن بشيء من التفصيل كما بينا، إلا أنه مع ذلك فإن الجن لا تعلم الغيب، ولا علاقة لها بالوحي، فهو محفوظ عن أي أحد إلا الأنبياء.

الخلاصة:

·    إن أحاديث إرسال الشهب على مسترق السمع من السماء - صحيحه، ولا تناقض بينها؛ لأن الرمي واقع قبل البعثة وبعدها وإلى يوم القيامة، لكن قبل البعثة كان الرمي ليس على الدوام، أما بعد البعثة فكان تكريما للرسالة المحمدية فقد شدد وغلظ، وأرسلت الشهب عليهم إرسالا شديدا، وهذا يؤكده قول الشياطين أنفسهم: «حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب».

·    نفى الله - سبحانه وتعالى - أن يكون القرآن قول شيطان رجيم، ومن أجل تحقيق عصمة الوحي سدت كل الذرائع التي تؤدي إلى الشك في الوحي أو الرسالة عموما، فزاد الله في حراسة السماء، وتحصينها بالشهب الثاقبة؛ لتحرق من يحاول أن يسترق خبر السماء من الشياطين، وعلى هذا فلا تعارض مطلقا بين القرآن والسنة.

·    إن استراق السمع لم يكن من "الوحي"، فالقرآن صرح بعزل الشياطين والجن عنه، وذلك ما يقصد من قوله سبحانه وتعالى: )إنهم عن السمع لمعزولون (212)( (الشعراء). فإذا حدث استراق فيكون في غير الوحي مما لو عرف لا يفسد.

·          إن الخبر المسترق من السماء لا يصل خالصا بل يشوبه الكذب الكثير مما ينفي صدقه تماما.

·          لقد أجمع أهل العلم على تحريم إتيان الكهان أو سؤالهم أو تصديقهم.

 



 (*) أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، د. سليمان بن محمد الدبيخي، دار المنهاج، الرياض، ط1، 1427هـ.

[1] . يقرفون: يخلطون فيه الكذب.

[2] . صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: السلام، باب: تحريم الكهانة وإتيان الكهان، (8/ 3361)، رقم (5711).

[3]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الأذان، باب: الجهر بقراءة صلاة الفجر، (2/ 295)، رقم (773). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن، (3/ 1020)، رقم (989).

[4]. أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، د. سليمان بن محمد الدبيخي، دار المنهاج، الرياض، ط1، 1427هـ، ص460، 461 بتصرف.

[5] . فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1986م، (8/ 540، 541).

[6] . الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ابن تيمية، تحقيق: علي حسن ناصر وآخرين، دار العاصمة، الرياض، ط1، 1414هـ، (5/ 353).

[7] . البداية والنهاية، ابن كثير، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 1408هـ، (3/ 27).

[8] . تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة، تحقيق: السيد أحمد صقر، المكتبة العلمية، بيروت، ط2، 1401هـ/ 1981م، ص430.

[9] . انظر: أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين، د. سليمان بن محمد الدبيخي، دار المنهاج، الرياض، ط1، 1427هـ، ص2468، 469.

[10] . فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1986م، (8/ 541) بتصرف.

[11] . فتح البيان في مقاصد القرآن، صديق حسن خان، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1420هـ/ 1999م، (5/ 561، 562) بتصرف.

[12] . تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، مطبعة أخبار اليوم، القاهرة، د. ت، (20/ 12746، 12747).

[13] . فتح البيان في مقاصد القرآن، صديق حسن خان، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1420هـ/ 1999م، (5/ 104).

[14]. التحرير والتنوير، الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، (29/ 227، 229، 230).

[15]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1986م، (10/ 230).

[16]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1986م، (10/ 227).

[17]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام؟، (3/ 258)، رقم (1354).

[18]. التعليقات الحسان على كتاب الفرقان، صالح آل الشيخ، (26/ 263).

click why wives cheat on husbands dating site for married people
click read dating site for married people
click here online women cheat husband
click here unfaithful spouse women cheat husband
open my husband cheated black women white men
reasons wives cheat on their husbands what is infidelity why do men have affairs
where to order viagra online how long for viagra to work viagra sipari verme
viagra vison loss vasodilator viagra read
website wifes cheat redirect
husband cheat my husband almost cheated on me online affair
read cheat husband click here
مواضيع ذات ارتباط
سؤال زائر
لكن ما علاقة رمي الشياطين بالشهب من جهة والتفسير العلمي لهذه الحالة من جهة أخرى؟؟


أضف تعليقا
عنوان التعليق 
نص التعليق 
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها فقط ولا تعبر عن الموقع
 
 
 
  
المتواجدون الآن
  18375
إجمالي عدد الزوار
  7345819

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي


أخى المسلم: يمكنك الأستفادة بمحتويات موقع بيان الإسلام لأغراض غير تجارية بشرط الإشارة لرابط الموقع