مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

الطعن في أحاديث الإسراء والمعراج(*)

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المشككين بطلان أحاديث الإسراء والمعراج، ويرون أنها إما ضعيفة أو موضوعة، ويستدلون على ذلك بالآتي:

·          اضطراب الروايات وتناقضها فيما بينها، مثل:

o         الاضطراب في تحديد وقت الحادثة، فمن الروايات ما يخبر بأنها كانت قبل البعثة، ومنها ما يخبر بأنها كانت بعدها.

o         الاضطراب في كون الحادثة بالروح فقط، أو بالروح والبدن معا، وفي كونها يقظة أو مناما.

o   الاضطراب في وقت شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم، فمن الروايات ما يخبر بأن ذلك كان في طفولة النبي - صلى الله عليه وسلم، ومنها ما يخبر بأن ذلك بعد كبره تمهيدا للإسراء والمعراج.

o         الاضطراب في تحديد مكان بداية الرحلة، أكان المسجد الحرام، أم بيت أم هانئ، أم بيته صلى الله عليه وسلم؟

o         الاضطراب في تحديد أماكن الأنبياء في السماوات.

o         الاضطراب في تحديد آخر ما وصل إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وما جاء في سدرة المنتهى.

o    الاضطراب والتناقض بين قوله تعالى في الحديث: «لا يبدل القول لدي»، وطلب موسى - عليه السلام – من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرجع إلى ربه طالبا منه التخفيف.

·    تناقض الروايات مع القرآن الكريم؛ وذلك لأن القرآن - في زعمهم - لم يأت فيه ذكر المعراج، بل اكتفى بذكر الإسراء، كما أن استئثار الله بعلم الغيب - وهو ثابت في القرآن والسنة - يتعارض مع ما ذكر في أحاديث الإسراء والمعراج من غيبيات.

·          تناقض الروايات مع العقل، مثل:

o   الأحاديث الواردة بشأن البراق الذي انتقل به النبي - صلى الله عليه وسلم - مع جبريل، فقد زعم المغرضون أن الله - عز وجل - لا يحتاج إليه لنقل نبيه، بل يستطيع نقله في طرفة عين، كما فعل ذلك مع عرش بلقيس، عندما أعطى من عنده علم من الكتاب القدرة على ذلك، وعلى هذا فإن أحاديث البراق مردودة.

o   الأحاديث التي تذكر استفتاح جبريل - عليه السلام - للسماوات السبع، بحجة أنه لا توجد أبواب صلدة لكي تدق، ويؤيدون دعواهم بأن جبريل - عليه السلام - سئل وهو يطرق باب السماء عمن يستفتح الباب، وأجاب بأنه جبريل، فسئل مرة أخرى، ومن معك؟ فأجاب: محمد، ويعترضون في هذا الحوار على قولهم لجبريل عليه السلام: (من معك؟)، ويخطئون بذلك واضع الحديث (باعتبار الحكم على الحديث بأنه موضوع)، وكان عليه أن يقول: (هل معك أحد؟).

o   كما ينكرون قول موسى - عليه السلام - لمحمد صلى الله عليه وسلم: «ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف» بعدما علم أن الله فرض على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خمسين صلاة، وحجتهم في هذا الاعتراض هو أن العقل لا يتصور محمدا ذاهبا وعائدا عدة مرات بناء على طلب موسى، والابن لا يطيع أباه إلى هذا المدى، مهما كان في ذلك من خير إليه.

o   كما ينكرون هذه الأحاديث لأنها تثبت رؤية الأنبياء في السماوات مع أن أجسادهم مستقرة في قبورهم بالأرض، ويتعجبون أيضا من صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأنبياء في الأرض، على الرغم من رؤيته لهم في السماء.

o   كما ينكرون الأحاديث الواردة في شق صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - بحجة أن الحكمة والعلم معان لا يمكن أن توضع في الطسوت.

o   كما ينكرون الأحاديث بدعوى استحالة رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى السماوات لانقطاع الهواء في طبقات الجو العليا.

·          إلحاق النقص بذات الله سبحانه وتعالى، مثل:

o   إلحاق التشبيه بالله - عز وجل - كما في الحديث الذي رواه شريك بن عبد الله عن أنس، حيث يقول: «ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى».

o   إلحاق الجهل به - سبحانه وتعالى - في عدم علمه بما يحتمله عباده من قدرة لأداء التكاليف الشرعية، ففرض عليهم خمسين صلاة في البداية، ثم فرض عليهم في نهاية الأمر - بعد رجاء النبي صلى الله عليه وسلم - خمس صلوات فيهن أجر الخمسين، كما يرون أن هذا الحديث يثبت عدم علم محمد - صلى الله عليه وسلم - أيضا بما تطيقه أمته إلا بعدما أعلمه موسى بذلك، ولذلك يرون أن هذه الأحاديث من الإسرائيليات المدسوسة لتعظيم شأن موسى - عليه السلام - وإلا لماذا كان موسى - عليه السلام - هو الوحيد الذي أشار على محمد - صلى الله عليه وسلم - بالرجوع إلى الله - سبحانه وتعالى - وسؤاله التخفيف.

ولأجل كل هذه الأسباب والادعاءات السابقة يردون أحاديث الإسراء والمعراج، ويرون أنها ضعيفة أو موضوعة أو مدسوسة، رامين من وراء ذلك إلى التشكيك في السنة النبوية المطهرة.

وجوه إبطال الشبهة:

1)  إن دعوى رد أحاديث الإسراء والمعراج لتناقضها فيما بينها - دعوى باطلة ولا دليل عليها، فهذه الأحاديث في أعلى درجات الصحة؛ فقد وردت بروايات متعددة في صحيحي البخاري ومسلم، منها ما رواه ابن شهاب، ومنها ما رواه قتادة، ومنها ما رواه ثابت البناني، ومنها ما رواه شريك بن عبد الله، وكل هذه الروايات مروية عن الصحابي الجليل أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن أحسن تأمل هذه الروايات علم علما يقينيا أنها تتكامل وتتعاضد، ولا تتناقض فيما بينها.

o  فالقول باضطراب الروايات المشتملة على تحديد وقت الحادثة، قول غير صحيح؛ وذلك لأن الروايات لا تتناقض، فقد أجمعت كل الروايات على أن الحادثة كانت بعد البعثة، أما بعض الروايات التي توحي بغير ذلك فقد وجهها العلماء والشراح، كما أن قول الملائكة لجبريل - عليه السلام - وهو يستفتح أبواب السماء - يؤيد ذلك، فقد قالوا له: من معك؟ قال: محمد، قالوا: قد بعث؟ قال: نعم، فهذا يثبت أن الحدوث الفعلي للحادثة كان بعد البعثة وليس قبلها.

o  والاضطراب المزعوم في كون الحادثة بالروح فقط، أو بالروح والبدن معا، وفي كونها يقظة أو مناما - غير مسلم به؛ لكثرة الأدلة على كونها بالبدن والروح معا، وضعف أدلة القائلين بغير ذلك.

o  والاضطراب المزعوم في الروايات المخبرة بحادثة شق صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - لا نسلم به أيضا؛ فلا مانع من أن يكون شق صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حدث أكثر من مرة، فمرة في الطفولة تمهيدا للرسالة وما يستلزمها من خلق الأنبياء وصفاتهم، ومرة ثانية في كبره - صلى الله عليه وسلم - عند البعثة، ومرة ثالثة استعدادا للقائه - صلى الله عليه وسلم - بربه، وتمهيدا للوقوف بين يديه سبحانه وتعالى، وبالتالي فلا تعارض في الروايات المخبرة بوقت شق صدره صلى الله عليه وسلم.

o  أما الاضطراب المتوهم في تحديد مكان بداية الرحلة فمردود أيضا؛ لأنه يمكن الجمع بين هذه الروايات بأن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - نام في بيت أم هانئ، وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج سقف بيته - وأضاف البيت إليه لكونه كان يسكنه - فنزل منه الملك، فأخرجه من البيت إلى المسجد، فكان به مضطجعا وبه أثر النعاس، ثم أخرجه الملك إلى باب المسجد فأركبه البراق.

o  والاضطراب المزعوم حول أمكنة الأنبياء في السماوات - غير مسلم به أيضا، فعند من يرى تعدد المعراج فلا إشكال ألبتة، وأما مع الاتحاد فقد جمع الحفاظ بين هذه الروايات.

o  أما دعوى اضطراب الروايات حول آخر ما وصل إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فغير مسلم به أيضا؛ فالألفاظ المختلفة في الروايات لا تتناقض، وإنما تتكامل لتعطي تصورا كاملا لسدرة المنتهى التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم، أما الاختلاف أو الاضطراب في موضع سدرة المنتهى فمردود أيضا؛ لأن هذه الروايات توجه على أن أصل سدرة المنتهى في السماء السادسة، وأغصانها وفروعها في السماء السابعة، وبذلك فلا تعارض بين الروايات المخبرة بموضع سدرة المنتهى.

o  لا تعارض بين قول الله - سبحانه وتعالى - في الحديث: «لا يبدل القول لدي»، وبين طلب موسى - عليه السلام - من محمد - صلى الله عليه وسلم - بأن يرجع إلى ربه ليسأله التخفيف، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «استحييت من ربي».

2)  أما دعوى رد الأحاديث بحجة أن القرآن لم يذكر المعراج - فهذا باطل؛ لأن المعراج قد ورد في سورة النجم في معرض الرد على المشركين المنكرين لنبوته صلى الله عليه وسلم، فقد بين الله لهم أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق عن الهوى، بل يوحى إليه عن طريق جبريل - عليه السلام - الذي رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - عند سدرة المنتهى، وفي ذلك دلالة واضحة على حادثة المعراج، أما ادعاء تعارض القرآن مع روايات الإسراء والمعراج بحجة أن الآيات توضح استئثار الله بعلم الغيب، وهذا يتعارض مع الغيبيات الواردة في هذه الروايات، فيرد على هذا بقوله تعالى: )عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول( (الجن).

3)  أما دعوى تعارض الروايات مع العقل، فهذا باطل أيضا؛ وذلك لأن ما حدث في الإسراء والمعراج من الغيبيات لا يخضع - في الحكم عليه - للعقل، وبالتالي فإن إخضاعه لتصورات العقل المحدودة يوهم أنه يخالف العقل، وليس كذلك؛ فإن الله - سبحانه وتعالى - خلق لنا العقل لنتعامل به مع عالم الشهادة لا عالم الغيب، أما عالم الغيب فنحن نسلم بكل ما جاءنا الوحي به، ولا نخضعه للعقل؛ لأنه غير خاضع له، وهذا الذي قلناه ينطبق على البراق وعلى استفتاح جبريل - عليه السلام - لأبواب السماء وغير ذلك، أما رجوع محمد - صلى الله عليه وسلم - عدة مرات فليس بغريب؛ لأنه يدل على حرصه - صلى الله عليه وسلم - وحبه الشديد لأمته وإشفاقه عليهم، أما رؤية الأنبياء في السماوات مع أن أجسادهم في الأرض، ثم صلاته - صلى الله عليه وسلم - بهم في الأرض - فقد وجهها بعض العلماء على أن الله بعث أرواحهم وأبقى أجسادهم في قبورهم، وهذا لا يتعارض مع عظيم قدرة الله، أما الاعتراض على وضع المعاني والحكمة في الطسوت، فيرد عليه بقوله تعالى: )فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (8)( (الأعراف)، أما إنكار العروج بحجة انقطاع الهواء، فيرد عليه بما حدث ليونس - عليه السلام -، وغير ذلك مما يدل على عظمة قدرة الله عز وجل.

4)  إن دعوى رد الأحاديث بحجة أنها تلحق بالله نقصا - دعوى باطلة أيضا؛ فالقول بأن قوله صلى الله عليه وسلم: «ودنا الجبار...» يؤدي إلى إلحاق التشبيه والتمثيل بالله - سبحانه وتعالى - ـ قول مردود، وقد عالج علماء المسلمين هذه المسألة على جهات هي:

o  إما أن ننسب الدنو والتدلي لمحمد - صلى الله عليه وسلم - أو جبريل - عليه السلام - وليس إلى الله - سبحانه وتعالى - على اعتبار التقديم والتأخير، وهو جائز في اللغة.

o  وإما أن نتأول الدنو والتدلي بأنه مجاز عن زيادة القرب المعنوي والمنزلة العالية الرفيعة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - عند ربه سبحانه وتعالى.

o      أو نفسر الدنو والتدلي على ما فسره العلماء في حديث (ينزل ربنا إلى السماء).

وأما القول بأن الله - سبحانه وتعالى - جاهل بما يطيقه عباده، ففرض عليهم خمسين صلاة ثم خففها بعد سؤال محمد - صلى الله عليه وسلم - لربه أن يخفف عن الأمة - فهذا باطل ومردود؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - يعلم ما كان وما يكون، ويعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سيسأله التخفيف، فكان لما حدث حكم جليلة، منها إظهار رحمة الله بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وبيان منزلة النبي - صلى الله عليه وسلم - عند ربه، وقبوله شفاعته لأمته بالتخفيف، وأما دعوى عدم علم النبي - صلى الله عليه وسلم - بما تطيقه أمته إلا بعد إعلام موسى - عليه السلام - له مما يفيد - في زعمهم - جهل محمد - صلى الله عليه وسلم - بما تطيقه أمته، ويفيد تعظيم شأن موسى عليه السلام، ويؤكد أن روايات الأحاديث من الإسرائيليات المدسوسة - فهذا مردود؛ لأن عدم علم النبي - صلى الله عليه وسلم - بما تطيقه أمته لا يقدح في نبوته؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان في بداية مبعثه، وكان موسى - عليه السلام - قد قضى عمره في الدعوة، فهو أخبر بحال بني إسرائيل من محمد صلى الله عليه وسلم، كما أن الله لم يطلع محمدا - صلى الله عليه وسلم - على هذا الأمر لحكمة عظيمة، وهي إظهار أمر الشورى وإقراره؛ ليعمل به المسلمون، كما أن في هذا الأمر دليلا على المهمة المشتركة بين جميع الأنبياء، وهي مهمة الدعوة والحرص عليها، ودليلا على توحد الهدف، وهو الدعوة إلى توحيد الله وعبادته.

التفصيل:

أولا. أحاديث الإسراء والمعراج صحيحة وثابتة ومتواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا تناقض بينها ولا اختلاف:

تمثل معجزة الإسراء والمعراج نقطة تحول عظيمة لا في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده، ولكن في حياة الأمة الإسلامية كلها؛ حيث كانت البداية الحقة والقوة الدافعة لمسيرة الدعوة الإسلامية وبعث حركتها، إنها تأييد رب العالمين لنبيه سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - تثبيتا ليقينه، وطمأنينة لقلبه، وقوة لإيمانه.

ولقد تعرضت هذه المعجزة منذ بدايتها الأولى لطعن المغرضين، وإنكار الطاعنين، وتشكيك المغالطين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتحريف الغالين، وشبه الهالكين، وإلحاد المحرفين - نيلا من حقائقها، وصدا عن سبيل شعائرها، متكئين في ذلك على محاولة الطعن في النصوص والأحاديث الواردة في هذه المعجزة، والتشكيك في ثبوتها وصحتها.

والحق الذي لا مراء فيه أن أحاديث الإسراء والمعراج أحاديث صحيحة متواترة، رواها أصحاب الصحيح والسنن والمسانيد بطرق صحيحة مختلفة متعددة مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فمنها ما رواه ابن شهاب، ومنها ما رواه قتادة، ومنها ما رواه ثابت البناني، ومنها ما رواه شريك بن عبد الله، كلهم عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وسنكتفي بإيراد رواية من هذه الروايات حتى يكون القارئ متفهما لأحداث الإسراء والمعراج، ومشاركا لنا في رد افتراءات المغرضين والمشككين في السنة النبوية، فمن هذه الروايات ما ذكره الإمام مسلم في صحيحه من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أ تيت بالبراق، وهو دابة، أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل - عليه السلام - بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل عليه السلام: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل - عليه السلام - فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم ويحيى بن زكرياء - صلوات الله عليهما، فرحبا ودعوا لي بخير، ثم عرج بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد - صلى الله عليه وسلم - قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف - صلى الله عليه وسلم - إذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل - عليه السلام - قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، قال: ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس، فرحب ودعا لي بخير، قال الله عز وجل: )ورفعناه مكانا عليا (57)( (مريم)، ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بهارون - صلى الله عليه وسلم - فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل عليه السلام، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بموسى - صلى الله عليه وسلم - فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد - صلى الله عليه وسلم - قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم - صلى الله عليه وسلم - مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إلى ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك لا يطيقون ذلك؛ فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربي، فقلت: يارب خفف على أمتي، فحط عني خمسا، فرجعت إلى موسى، فقلت: حط عني خمسا، قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي - تبارك وتعالى - وبين موسى - عليه السلام - حتى قال: يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه»[1].

وقبل أن نذكر الاضطرابات المزعومة في روايات الأحاديث، نود أن نذكر رواية شريك بن عبد الله، والتي كانت محل هذه الادعاءات الباطلة.

فقد أورد البخاري في صحيحه الحديث الذي رواه سليمان عن شريك بن عبد الله، أنه قال: «سمعت ابن مالك يقول ليلة أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مسجد الكعبة: أنه جاءه ثلاثة نفر - قبل أن يوحى إليه - وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال أحدهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه، وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست من ذهب فيه تور من ذهب، محشوا إيمانا وحكمة، فحشا به صدره ولغاديده - يعني عروق حلقه - ثم أطبقه، ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها، فناداه أهل السماء: من هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد، قال: وقد بعث؟ قال: نعم، قالوا: فمرحبا به وأهلا، فيستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك فسلم عليه، فسلم عليه ورد عليه آدم، وقال: مرحبا وأهلا يا بني، نعم الابن أنت، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذان النيل والفرات عنصرهما، ثم مضى به في السماء، فإذا بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب يده فإذا هو مسك أذفر، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك، ثم عرج إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى، من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد - صلى الله عليه وسلم - قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبا به وأهلا، ثم عرج به إلى السماء الثالثة، وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عرج به إلى الرابعة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فقالوا مثل ذلك، ثم عرج به إلى السادسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم، فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بفضل كلامه لله، فقال موسى: رب، لم أظن أن ترفع على أحدا، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى، فقال يا محمد: ماذا عهد إليك ربك؟ قال: عهد إلى خمسين صلاة كل يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل أن نعم، إن شئت، فعلا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه: يارب خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا، فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمد، والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه، فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبدانا وأبصارا وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة، فقال: يارب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم فخفف عنا، فقال الجبار: يا محمد، قال: لبيك وسعديك، قال: إنه لا يبدل القول لدي، كما فرضت عليك في أم الكتاب، قال: فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى، فقال: كيف فعلت؟ فقال: خفف عنا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها، فقال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا موسى قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه، قال: فاهبط باسم الله، قال: واستيقظ وهو في مسجد الحرام»[2].

أما الاضطرابات - التي يدعيها المغرضون - بين الروايات، فإننا نقرر أنها ادعاءات باطلة، وسوف نفند هذه الادعاءات واحدة تلو الأخرى، في السطور التالية:

·       لا اضطراب في تحديد وقت حادثة الإسراء والمعراج:

يوضح ذلك ابن القيم حيث يقول: "والصواب الذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة"[3]، أما الأدلة التي يعتمد عليها القائلون بهذا الاضطراب، فإن ابن القيم قد عرضها ووضح زيفها، حيث قال: "وكان الإسراء مرة واحدة، وقيل مرتين: مرة يقظة، ومرة مناما، وأرباب هذا القول كأنهم أرادوا أن يجمعوا بين حديث شريك، وقوله: ثم استيقظت، وبين سائر الروايات. ومنهم من قال: بل كان هذا مرتين، مرة قبل الوحي، لقوله في حديث شريك: «وذلك قبل أن يوحى إليه» ومرة بعد الوحي، كما دلت عليه سائر الأحاديث. ومنهم من قال: بل ثلاث مرات: مرة قبل الوحي، ومرتين بعده، وكل هذا خبط، وهذه طريقة ضعفاء الظاهرية من أرباب النقل، الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الروايات، جعلوه مرة أخرى، فكلما اختلفت عليهم الروايات عددوا الوقائع، والصواب الذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة، ويا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه مرارا، فكيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسا، ثم يقول: «أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي» ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها عشرا عشرا، وقد غلط الحفاظ شريكا في ألفاظ من حديث الإسراء، ومسلم أورد المسند منه، ثم قال: فقدم وأخر وزاد ونقص، ولم يسرد الحديث، فأجاد - رحمه الله"[4].

أما السيوطي فقد علق على عبارة: (قبل أن يوحى إليه) - التي وردت في رواية شريك، والتي استند إليها من يرى أن الحادثة حدثت قبل البعثة، وأن هناك اضطرابا في روايات الإسراء والمعراج - فقال: "هذا مما أنكر على شريك في هذا الحديث، فإن المعروف أن الإسراء بعد البعثة، وفي تلك الليلة فرضت الصلاة، حتى تجاسر ابن حزم وادعى أن هذا الحديث موضوع، وانتقد على الشيخين حيث أخرجاه، وقد رد عليه ابن طاهر في جزء وقال: إن أحدا لم يتهم شريكا، بل وثقه أئمة الجرح والتعديل، وقبلوه واحتجوا به، قال: وأكثر ما يقال: إن شريكا وهم في هذه اللفظة، ولا يرد جميع الحديث بوهم في لفظة منه، ولعله أراد أن يقول: بعد أن يوحى إليه، فجرى على لسانه (قبل) غلطا، ومنهم من تأوله على أمر مخصوص؛ أي: قبل أن يوحى إليه فرض الصلوات، أو في شأن الإسراء، يريد: أنه وقع بغتة قبل أن ينذر به، وذكر الحافظ ابن حجر أن شريكا لم ينفرد بهذه اللفظة، بل تابعه عليها كثير بن خنيس عن أنس، أخرجه سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه: وهو نائم؛ أي: أول ما جاءوه - يقصد الملائكة - كما صرح به في رواية ميمون بن سياه، وفيها (وكانت قريش تنام حول الكعبة) وقدم فيه شيئا وأخر، وزاد ونقص، وقد ساقه بلفظه البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه"[5].

وما قاله السيوطي من أن علماء الجرح والتعديل قد وثقوا شريكا - هو أمر واضح يسهل الاستدلال عليه، وهاك أقوال العلماء فيه:

قال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث.

وقال أبو أحمد بن عدي: وشريك رجل مشهور من أهل المدينة، حدث عنه مالك وغير مالك من الثقات، وحديثه إذا روى عنه ثقة فلا بأس بروايته، إلا أن يروي عنه ضعيف[6].

وخلاصة القول في هذه المسألة: أن رواية شريك صحيحة ولا غبار عليها، وأن ما قاله شريك صحيح إذا فهمنا عبارته كما فهمها العلماء الشارحون، وأن المراد منها قبل أن يوحى إليه فرض الصلوات، وليس المراد أن الحادثة كانت قبل البعثة، ويؤيد ما ذهبنا إليه أقوال العلماء وأهل الجرح والتعديل الذين وثقوا شريكا وقبلوا روايته، كما يؤيد هذا القول الروايات الأخرى التي ذكرها العلماء، والتي تساند رواية شريك.

أما إذا افترضنا - جدلا - أن شريكا قد وهم في هذه العبارة، فإن ذلك لا ينقص من قدره؛ فهو بشر، يجوز عليه ما يجوز على غيره من نسيان ووهم وخطأ، لكن هذا الفرض لا يجعلنا نرفض روايته بالكلية، ويؤيد ذلك ما ذكره ابن حجر في الفتح، حيث قال: "قال ابن طاهر: وحديثه هذا رواه عنه ثقة، وهو سليمان بن بلال، قال: وعلى تسليم تقدير تفرده بعبارة: «قبل أن يوحى إليه» لا يقتضي طرح حديثه؛ فوهم الثقة في موضع من الحديث لا يسقط جميع الحديث، ولا سيما إذا كان الوهم لا يستلزم ارتكاب محذور، ولو ترك حديث من وهم في تاريخ لترك حديث جماعة من أئمة المسلمين"[7].

·       ادعاء الاضطراب في كون الحادثة بالروح فقط أم بالبدن والروح معا، وفي كونها يقظة أو مناما:

لقد أجمع جمهور السلف على أن الحادثة كانت بالبدن والروح معا؛ لكثرة الأدلة على ذلك، وموافقة ذلك للعقل، لكن هناك من يرى أن الحادثة كانت بالروح فقط، ومنهم من يرى أنها كانت مناما، ومنهم من لم يفرق بين كونها بالروح أو بالمنام، وغير ذلك من الاختلافات.

وقد جمع القاضي عياض الأقوال في هذه المسألة، ورجح قول الجمهور بكون الحادثة قد حدثت بالجسد والروح معا، فقال: "اختلف السلف والعلماء هل كان إسراؤه بروحه أو جسده على ثلاث مقالات؛ فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح، وأنه رؤيا منام، مع اتفاقهم أن رؤيا الأنبياء حق ووحي، وإلى هذا ذهب معاوية، وحكي عن الحسن والمشهور عنه خلافه، وإليه أشار محمد بن إسحاق، وحجتهم قوله تعالى: )وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس( (الإسراء: ٦٠)، وما حكوا عن عائشة - رضي الله عنها: «ما فقدت جسد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن الله أسرى بروحه»[8]، وقوله: «بينا أنا نائم»، وقول أنس:«وهو نائم في المسجد الحرام» وذكر القصة، ثم قال في آخره: «فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام».

وذهب معظم السلف و المسلمين إلى أنه إسراء بالجسد وفي اليقظة، وهذا هو الحق، وهو قول ابن عباس وجابر وأنس وحذيفة وعمر وأبي هريرة ومالك بن صعصعة وأبي حبة البدري وابن مسعود والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة و ابن المسيب وابن شهاب وابن زيد والحسن وإبراهيم ومسروق ومجاهد وعكرمة وابن جريج، وهو دليل قول عائشة، وهو قول الطبري وابن حنبل وجماعة عظيمة من المسلمين، وهو قول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين.

وقالت طائفة: كان الإسراء بالجسد يقظة من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح، واحتجوا بقوله عز وجل: )سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى( (الإسراء: 1)، فجعل )إلى المسجد الأقصى( غاية الإسراء الذي وقع التعجب فيه بعظيم القدرة، والتمدح بتشريف النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - به، وإظهار الكرامة له بالإسراء إليه. قال هؤلاء: ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد على المسجد الأقصى لذكره، فيكون أبلغ في المدح؛ ثم اختلفت هاتان الفرقتان هل صلى ببيت المقدس أم لا؟ ففي حديث أنس وغيره ما تقدم من صلاته فيه، وأنكر ذلك حذيفة بن اليمان، وقال: والله ما زالا عن ظهر البراق حتى رجعا.

قال القاضي: والحق من هذا والصحيح - إن شاء الله تعالى - أنه إسراء بالجسد والروح في القصة كلها، وعليه تدل الآية، وصحيح الأخبار، والاعتبار، ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة، وليس في الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة؛ إذ لو كان مناما لقال: "بروح عبده" ولم يقل: "بعبده"، وقوله تعالى)ما زاغ البصر وما طغى (17)( (النجم). ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا معجزة، ولما استبعده الكفار ولا كذبوه فيه، ولا ارتد به ضعفاء من أسلم وافتتنوا به؛ إذ مثل هذا من المنامات لا ينكر، بل لم يكن ذلك منهم إلا وقد علموا أن خبره إنما كان عن جسمه وحال يقظته إلى ما ذكر في الحديث، من ذكر صلاته بالأنبياء ببيت المقدس في رواية أنس، أو في السماء على ما روى غيره، وذكر مجيء جبريل - عليه السلام - له بالبراق، وخبر المعراج واستفتاح السماء فيقال: ومن معك؟ فيقول: محمد، ولقائه بالأنبياء فيها، وخبرهم معه وترحيبهم به، وشأنه في فرض الصلاة ومراجعته مع موسى في ذلك.

وفي بعض هذه الأخبار: فأخذ - يعني جبريل - بيدي فعرج به إلى السماء إلى قوله: ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام، وأنه وصل إلى سدرة المنتهى، وأنه دخل الجنة ورأى فيها ما ذكره[9].

قال ابن عباس: «هي رؤيا رآها - صلى الله عليه وسلم - لا رؤيا منام...» وعن أبي ذر عنه صلى الله عليه وسلم: «فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل - عليه السلام - فشرح صدري، ثم غسله بماء زمزم...، ثم أخذ بيدي فعرج بي»[10]. وعن أنس: «أتيت فانطلقوا بي إلى زمزم، فشرح عن صدري...»[11]، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - «لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربة ما كربت مثله قط. قال: فرفعه الله لي أنظر إليه...»[12] [13].

هذه هي جملة الأقوال التي أثيرت حول تلك المعجزة وحقيقة أمرها: أهي بالروح فقط أم بالروح والبدن؟ وقد بين القاضي فيما قدمنا أن هناك ثلاثة آراء في ذلك، وبين أدلة كل فريق من هؤلاء الثلاثة، ثم رجح الرأي الذي يقول: إن الإسراء والمعراج كانا بالروح والجسد، يقظة لا مناما، وبهذا يكون قد تم الجمع بين الأدلة الواردة في تلك المعجزة، وأنها على اختلاف ألفاظها لا تقدح في هذه الحقيقة، وهي أن الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح؛ ومن توهم التناقض بين الأحاديث، أو استند على هذا الاختلاف الظاهر في الروايات ليردها، فإنه توهم غير صحيح.

إذن جمهور العلماء - سلفا وخلفا - على أن الإسراء والمعراج كانا في ليلة واحدة، وأنهما كانا في اليقظة بجسده وروحه، وهذا هو الذي يدل عليه قوله - سبحانه وتعالى - في مفتتح سورة الإسراء: )بعبده(؛ إذ ليس ذلك إلا الروح والجسد.

وقد تواترت على ذلك الأخبار الصحيحة المتكاثرة، والنصوص على ظواهرها ما لم يقم دليل على صرفها عن ظاهرها، وأنى هو؟!

والأفعال التي حكاها النبي - صلى الله عليه وسلم - من شق الصدر، وركوبه البراق، وملاقاته الأنبياء، وفرض الصلاة عليه، وأن الله كلمه وغيرها، هذا مما يؤكد أنهما كانا بجسده الشريف وروحه، وينفي ما عدا ذلك[14].

وبما ذكرنا يرد على الذين يتوهمون تنقاضا بين أحاديث الإسراء والمعراج فيما يتعلق بذاتية صاحب الرحلة، ليردون الأحاديث كلها، ويرفضون الرحلة من أساسها، ولا حجة لهم فيما ذهبوا إليه لما ذكرنا من مناقشة الخلاف في ذلك، وما ذكرنا من ترجيحات يساندها القرآن الكريم، وتؤكدها وقائع الأحوال.

وقد رد د. سفر الحوالي أيضا على هذه الأقوال في شرحه للعقيدة الطحاوية، فقال: "القول المخالف للقول الصحيح، نقله ابن إسحاق في السيرة في أول الجزء الثاني من سيرة ابن هشام، نذكر كلام المصنف أولا، ثم نبين اللبس الذي حصل فيه، يقول: فقيل: كان الإسراء بروحه ولم يفقد جسده صلى الله عليه وسلم، نقله ابن إسحاق عن عائشة ومعاوية - رضي الله عنهما، ونقل عن الحسن البصري نحوه، وقد نقل كلام ابن إسحاق الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسير آية: )سبحان الذي أسرى بعبده ليلا(، ونقده وضبطه، ونقله أيضا الحافظ ابن كثير، ورجحوا مذهب جمهور السلف.

ونعود إلى التفصيل فنقول: من قرأ كلام ابن إسحاق لا يجد فيه جزما بأن الإسراء والمعراج كانا بالروح أو بالجسد، في اليقظة أو في المنام، بل قال: (والله أعلم أي ذلك كان)، والله قادر على أن يسري بنبيه - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة أو في المنام، فالحقيقة أن ابن إسحاق نفسه متردد ولم يجزم.

وثانيا: أنه لـما نقل كلام من قال من السلف: إنه كان بالروح، نقل كلام معاوية وعائشة والحسن، فأما كلام معاوية - رضي الله عنه - فقال: روي عنه أنه قال: كانت رؤيا من الله صادقة، والجواب على ذلك من وجهين:

أولهما: أن هذا لم يثبت عن معاوية رضي الله عنه.

ثانيهما: لو فرضنا ثبوته، فإنه لا ينفي أن تكون الرؤيا هذه هي إسراء ومعراج بالحقيقة بالروح والجسد؛ لأن عبد الله بن عباس - حبر هذه الأمة وترجمان القرآن - قد قال - كما روى الإمام البخاري عنه في قول الله عز وجل: )وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس( (الإسراء: ٦٠)، قال: «رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم»، يعني: ليست رؤيا منام، وإنما هي رؤيا عين، والرؤيا في كلام العرب تطلق على رؤيا العين، وإن كانت أكثر ما تطلق على رؤيا المنام، أما "الرؤية": فإنها هي التي بالعين، فابن عباس فسر ذلك بأنها رؤيا صادقة، وبأنها رؤيا عين، فلا يشترط في قول معاوية رضي الله عنه: «هي رؤيا صادقة» أنها مجرد منام.

وأما قول عائشة - رضي الله تعالى عنها - فقد قال ابن إسحاق: حدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة - رضي الله عنها - كانت تقول ذلك، يعني أن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «ما فقدت جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم»، أي أن الإسراء كان بالروح فقط دون الجسد، وابن إسحاق يقول: حدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة كانت تقول، إذا: في السند مجهول لا ندري من هو الذي حدثه، أثقة أم غير ثقة، فلا يصح عنها ذلك، وكذلك البيهقي رواه من طريق أخرى بنفس السند، قال: حدثني بعض آل أبي بكر، فلا ندري من هو هذا البعض.

إذا لا نستطيع أن نقول: إن عائشة - رضي الله عنها - قالت ذلك.

وأما كلام الحسن البصري، فاستدل ابن إسحاق بكلامه في آية: )وما جعلنا الرؤيا التي أريناك(، ولم يأت أنه أنكر أن يكون الإسراء والمعراج حقيقة، وإنما قال الحسن في قوله تعالى: )وما جعلنا الرؤيا التي أريناك(، رؤيا فتن الناس بها.

إذا هذا الذي ذكره ابن إسحاق تفسير لكلام الحسن أن هذه رؤيا: أي في المنام، والحسن لم يقل ذلك؛ لأنه يمكن أن يحمل كلام الحسن على كلام ابن عباس، فتكون الرؤيا حقا ورؤيا عين، كما قال ابن عباس رضي الله عنه، فالحقيقة أنه لا يثبت لدينا قول نعتمد عليه عن السلف في أن الإسراء والمعراج لم يكن بروحه وجسده - صلى الله عليه وسلم - معا، ثم إن هناك فرقا بين أن يقال: الإسراء كان مناما أو كان بالروح دون الجسد، فحتى القائلين بأن الإسراء لم يكن بالروح والجسد معا، قالوا: لا بد أن نفرق بين قول من يقول: إنه منام - كما فهم ذلك بعض المتأخرين - وبين قول الصحابة مثلا: إنه لم يفقد جسده، يقول: وبينهما فرق عظيم، فعائشة ومعاوية - رضي الله عنهما - لم يقولا: كان مناما، هذا على فرض ثبوت القول، وإلا فهو لم يثبت، وإنما قالا: أسري بروحه ولم يفقد جسده، وهذا في الحقيقة إنما هو الرواية المروية المنقولة عن عائشة وحدها.

أما كلام معاوية - رضي الله عنه - فهو: كانت رؤيا من الله صادقة، ولم يقل لم يفقد جسده، وفرق ما بين الأمرين، فإنه إذا كان الإنسان نائما، فإنه قد يرى ما يراه - أي النائم، وقد يكون ذلك أمثالا خيالية مضروبة للمعلوم المحسوس، فتضرب له الأمثال من غير الواقع في صورة محسوسة واقعية مشاهدة، فيرى مثلا كأنه قد عرج به إلى السماء، وذهب به إلى بيت المقدس، ثم رجع به إلى مكة يرى ذلك، وفي الحقيقة أن روحه لم تصعد ولم تذهب ولم تغادر، وإنما هذا مجرد تصوير أو تخييل حصل له أثناء النوم، ولم تذهب روحه، ولم تفارق الجسد لتذهب وتطوف في تلك الأماكن، وإنما هذا أمر تخيلته النفس والإنسان نائم في مكانه"[15].

وخلاصة القول في هذه المسألة: أن حادثة الإسراء والمعراج حدثت مرة واحدة يقظة بعد البعثة، ولم يأت دليل صحيح يثبت غير ذلك، بل إن الأدلة قد تعددت على ما رجحناه، وبه قال جمهور السلف وعلماء الأمة.

·       لا مانع من شق جبريل - عليه السلام - صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من مرة:

إن استنكار وقوع حادثة شق صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء، والادعاء بأن ذلك يتعارض مع حدوث شق الصدر أثناء طفولة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو صغير في بني سعد - استنكار باطل؛ لأنه لا مانع من حدوث الشق أكثر من مرة، فقد شق صدره - صلى الله عليه وسلم - وهو صغير، حيث جاءه جبريل - عليه السلام - وهو يلعب مع الصبيان فطرحه على الأرض، وشق صدره، فاستخرج منه علقة، فقال: «هذا حظ الشيطان منك»[16]. فالشق وقع في زمن الطفولة؛ لينشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان.

ثم وقع شق الصدر عند البعثة زيادة في إكرامه؛ ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوي في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شق الصدر عند إرادة العروج إلى السماء ليتأهب للمناجاة، ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة كما تقرر في شرعه صلى الله عليه وسلم [17].

ومن ذلك يتبين أن دعوى الاعتراض على مسألة شق صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنها لم تقع قبل الإسراء والمعراج دعوى خاطئة؛ لأن ذلك قد ورد بأدلة صحيحة في صحيحي البخاري ومسلم، وغيرهما. وأيضا فإن شق الصدر في الطفولة وارد، صحيح ما ورد فيه؛ فلا إشكال.

·       لا اضطراب في تحديد مكان بداية الرحلة:

أما زعمهم أن اختلاف الروايات في ذكر المكان الذي نزل جبريل - عليه السلام - فيه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبدأت منه الرحلة - يكسب هذه الروايات تناقضا يؤدي إلى إبطالها وإنكارها، فهو ادعاء باطل غير صحيح.

قال الحافظ ابن حجر: "ومعلوم أنها لم تتعدد؛ لأن القصة متحدة لاتحاد مخرجها... والجمع بين هذه الأقوال أنه نام في بيت أم هانئ، وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج سقف بيته - وأضاف البيت إليه لكونه كان يسكنه - فنزل منه الملك فأخرجه من البيت إلى المسجد، فكان به مضطجعا وبه أثر النعاس، ثم أخرجه الملك إلى باب المسجد فأركبه البراق، وقد وقع في مرسل الحسن عند ابن إسحاق أن جبريل أتاه فأخرجه إلى المسجد، فأركبه البراق، وهذا يؤيد الجمع"[18].

وإذا تأملنا كلام ابن حجر وجدنا أنه جمع بين الروايات جمعا مقنعا يرد به أقوال المغرضين الزاعمين حدوث التناقض بين الروايات، وبالتالي فلا تناقض في هذه الروايات في تحديد المكان الذي بدأت منه رحلة الإسراء والمعراج.

·       ادعاء الاضطراب والتناقض بين الروايات فيما يتعلق بالتحديد الصحيح لأماكن الأنبياء ومنازلهم في السماء:

"لقد وقع في رواية شريك مخالفة في منازل الأنبياء عليهم السلام؛ حيث قال: كل سماء فيها أنبياء قد سماهم، فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة - ولم أحفظ اسمه - وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة". كذا.

بينما الموجود عند عامة أهل الحديث: أن في الأولى آدم، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة: يوسف، وفي الرابعة: إدريس، وفي الخامسة: هارون، وفي السادسة: موسى، وفي السابعة: إبراهيم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.

وشريك كأنه لم يضبط منازلهم، وقد وافقه في عدم الضبط الزهري عن أبي ذر؛ حيث قال أنس: «فذكر أنه وجد في السماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله عليهم، ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة...»[19].

فهذا موافق لرواية شريك في أن إبراهيم في السادسة، بينما هو في السابعة بلا خلاف...

وورد عن علي - رضي الله عنه - أن إبراهيم في السادسة عند شجرة طوبى. ذكره الحافظ في الفتح[20].

وأما ما ورد في رواية شريك:«وموسى في السابعة بفضل كلامه لله»، فإن هذا التعليق يدل - كما يقول الحافظ - على أن شريكا ضبط كون موسى في السابعة.

لذا نقول: عند من يرى تعدد المعراج - مناما ثم يقظة - فلا إشكال ألبتة، وأما مع الاتحاد، فقد جمع الحفاظ بين هذه الروايات، وعلى الأخص كون موسى في السابعة وإبراهيم في السادسة.

قال الإمام النووي - رحمه الله: "فإن كان الإسراء مرتين فلا إشكال فيه، ويكون في كل مرة وجده في سماء، وإحداهما موضع استقراره ووطنه، والأخرى كان فيها غير مستوطن، وإن كان الإسراء مرة واحدة، فلعله وجده في السادسة، ثم ارتقى إبراهيم أيضا إلى السابعة. والله أعلم"[21].

وقال الحافظ ابن حجر - رحمه الله: فمع التعدد لا إشكال، ومع الاتحاد فقد جمع بأن موسى كان في حالة العروج في السادسة، وإبراهيم في السابعة على ظاهر حديث مالك بن صعصعة، وعند الهبوط كان موسى في السابعة؛ لأنه لم يذكر في القصة أن إبراهيم كلمه في شيء مما يتعلق بما فرض الله على أمته من الصلاة، كما كلمه موسى، والسماء السابعة هي أول شيء انتهى إليه حالة الهبوط، فناسب أن يكون موسى بها؛ لأنه هو الذي خاطبه في ذلك كما ثبت في جميع الروايات.

ويحتمل أن يكون لقي موسى في السادسة فأصعد معه إلى السابعة تفضيلا له على غيره، من أجل كلام الله تعالى، وظهرت فائدة ذلك في كلامه مع المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فيما يتعلق بأمر أمته في الصلاة... والعلم عند الله تعالى[22].

والذي يدل من سياق الروايات أن شريكا - رحمه الله - ليس هو الذي لم يضبط الأماكن، ففي رواية الزهري عن أنس عن أبي ذر: "ولم يثبت - أي أبو ذر - كيف منازلهم"[23]، فنقله أنس كما ذكره أبو ذر، لكن رواية قتادة عن أنس عن مالك هي الآكد ووافقها الكثير؛ فهي المقدمة. والله أعلم"[24].

·       ادعاء الاضطراب في تحديد آخر ما وصل إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وما جاء في سدرة المنتهى:

لقد زعم بعضهم أن هناك تناقضا بين الروايات فيما يتعلق بآخر مكان انتهى إليه النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - بعد لقائه بالأنبياء في السموات السبع، مستدلين على ذلك بأنه بعد أن لقي موسى - عليه السلام - في السماء السابعة - على رواية شريك - قال الراوي:«ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى»، وفي رواية أنس عن مالك بن صعصعة: «ورفعت إلى سدرة المنتهى». ومع هذا فقد جاء في حديث آخر عن ابن مسعود قال:«لما أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض... فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها»[25].

وهذه الروايات تفيد نتيجتين: الأولى: أن سدرة المنتهى في السماء السابعة، والثانية: أنها في السماء السادسة، وهذا - في ظنهم - تناقض يرد ما ورد في شأن المعراج كله.

"قال القاضي: كونها في السابعة هو الأصح، وقول الأكثرين، وهو الذي يقتضيه المعنى وتسميتها بالمنتهى. قال النووي: ويمكن أن يجمع بينهما، فيكون أصلها في السادسة ومعظمها في السابعة، فقد علم أنها في نهاية من العظم، وقد قال الخليل - رحمه الله: هي سدرة في السماء السابعة، قد أظلت السموات والجنة... ومقتضى خروج النهرين الظاهرين: النيل والفرات من أصل سدرة المنتهى أن يكون أصلها في الأرض"[26].

وقال ابن حجر: "ولعل في السياق تقديما وتأخيرا، وكان ذكر سدرة المنتهى قبل، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله... ويحتمل أن يكون المراد بما تضمنته هذه الرواية من العلو البالغ لسدرة المنتهى - صفة أعلاها، وما تقدم صفة أصلها"[27].

وقال القاري: "يمكن الجمع بأن مبدأها في الأرض، ومعظمها في السماء السادسة، وانتهاءها ومحل أثمارها، وغشيان أنوارها في السماء السابعة، ويؤيده قوله: "إليها - أي: إلى السدرة - ينتهي ما يعرج به من الأرض" بصيغة المجهول، وكذا قوله: «فيقبض منها» أي: تقبضه الملائكة الموكلون فيها بأخذ ما صعد به من الأعمال والأرواح إليها "وإليها ينتهي ما يهبط - أي: ينزل - من فوقها فيقبض منها" أي: فيقبضه من أذن له، وإيصاله إلى من قضي له به"[28].

ونقول كما قال أهل العلم: إن سدرة المنتهى في السماء السابعة، وهي آخر ما ينتهي إليه علم الخلائق كلها، ويكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد رفعه الله إليها؛ إذا لا وجه لتناقض الأحاديث مع بعضها بشأن وصوله - صلى الله عليه وسلم - إلى السماء السابعة وسدرة المنتهى.

·   لا تعارض بين قول الله تعالى في الحديث: «لا يبدل القول لدي» وبين طلب موسى من محمد - عليهما الصلاة والسلام - الرجوع لله - عز وجل - لطلب التخفيف:

أما طعنهم في بعض الأحداث التي وردت في أحاديث المعراج، مما يبنون عليها زعمهم في رد أحاديث المعراج أو بعض رواياتها، ومن ذلك تساؤلهم: كيف يصح عن موسى - عليه السلام - أن يطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرجع إلى ربه ليطلب منه التخفيف بعد أن يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: «لا يبدل القول لدي»؟ زاعمين أن ذلك يتنافى مع كون حكم الله لا يبدل.

وهؤلاء يرد عليهم بما رواه الإمام البخاري من حديث ابن شهاب عن أنس عن أبي ذر، والذي جاء فيه: «فراجعته، فقال: هي خمس وهي خمسون، لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى، فقال: راجع ربك، فقلت: استحييت من ربي...»[29] الحديث.

قال ابن حجر: "وقد حققت رواية ثابت أن التخفيف كان خمسا خمسا، وهي زيادة معتمدة يتعين حمل باقي الروايات عليها... وأبدى ابن المنير هنا نكتة لطيفة في قوله - صلى الله عليه وسلم - لموسى - عليه السلام - لما أمره أن يرجع بعد أن صارت خمسا، فقال: "استحييت من ربي" قال ابن المنير: يحتمل أنه - صلى الله عليه وسلم - تفرس من كون التخفيف وقع خمسا خمسا أنه لو سأل التخفيف بعد أن صارت خمسا لكان سائلا في رفعها، فلذلك استحيى... ويحتمل أن يكون سبب الاستحياء أن العشرة آخر جمع القلة، وأول جمع الكثرة، فخشي أن يدخل في الإلحاح في السؤال، لكن الإلحاح في الطلب من الله مطلوب، فكأنه خشي من عدم القيام بالشكر"[30].

إذن موسى - عليه السلام - طلب بالفعل من محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يسأل ربه أن يخفف عنه أقل من خمس صلوات، وذلك في آخر مرحلة أتى منها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه، لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يلب طلب موسى حياء من الله لكثرة الطلب، وأنه لو طلب منه بعد ذلك فمعناه أنه يطلب من الله أن يسقطها بالكلية، فقول موسى - عليه السلام - لم يرد به أن لا يقع أمر الله، بدليل أن أمر الله وقع، ولا حجة في ذلك لإنكار الحديث أو التشكيك فيه؛ لتواطؤ الروايات على خلافه، فقد ذكرنا ما يؤيده من روايات.

ثانيا. لقد ذكر القرآن أحداث المعراج، ولا تناقض بين روايات أحاديث الإسراء والمعراج وبين القرآن الكريم:

لم يكتف القرآن بذكر الإسراء، وإنما ذكر المعراج أيضا في سورة من القرآن، ألا وهي سورة النجم، قال الله تعالى: )والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2) وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4) علمه شديد القوى (5) ذو مرة فاستوى (6) وهو بالأفق الأعلى (7) ثم دنا فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى (9) فأوحى إلى عبده ما أوحى (10) ما كذب الفؤاد ما رأى (11) أفتمارونه على ما يرى (12) ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14) عندها جنة المأوى (15) إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) ما زاغ البصر وما طغى (17) لقد رأى من آيات ربه الكبرى (18)( (النجم).

يقسم - سبحانه وتعالى - بالنجم جنس النجم، أي يقسم سبحانه بكل النجوم، هذه المخلوقات العظيمة، يقسم بها على عصمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنه ما ضل، وما حاد عن طريق الحق في أقواله وأفعاله، وأنه ما غوى؛ أي: ما جهل، ولا كان رأيه مجانبا للصواب، وأنه - صلى الله عليه وسلم - لا ينطق عن هوى نفسه، وإنما بوحي الله - سبحانه وتعالى - إليه، يأتيه بهذا الوحي ملك شديد قوي، يستطيع أن يقوم بكل ما كلفه الله به، ملك (ذو مرة)، أي: صاحب قوة ذاتية، فإذا فعل شيئا أحكمه، ولقد (استوى) هذا الملك لمحمد، أي: ظهر له على حقيقته، (وهو بالأفق الأعلى)؛ أي: ظهر جبريل لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وكان جبريل جهة العلو، ثم اقترب جبريل من محمد - صلى الله عليه وسلم - فكان أقرب إليه من مقدار قاب قوسين، أي: قريبا منه قرب الجليس لجليسه، فبلغ جبريل رسول الله محمدا ما شاء الله تعالى أن يوحيه إليه، ورسول الله محمد يرى جبريل رؤية صادقة دون شك أو جهل، وبكت - سبحانه وتعالى - المشركين على تكذيبهم رسوله - صلى الله عليه وسلم -،فقال: )أفتمارونه على ما يرى (12)(، أي: تجادلون محمدا - صلى الله عليه وسلم - فيما رآه بعينه؟ والله، لقد رأى محمد جبريل مرة أخرى، وذلك عند سدرة المنتهى، هذه التي في العالم العلوي، عندها جنة المأوى، وهو - صلى الله عليه وسلم - في هذه المكونات ثابت مطمئن، يفهم الأمور على حقيقتها، فما اضطرب ولا اعترته المخاوف: )ما زاغ البصر وما طغى (17)(، وهكذا تبين هذه الآيات أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - قد عرج به إلى السماء، إلى سدرة المنتهى، وجنة المأوى، ورأى جبريل على صورته التي خلق عليها، وكل ذلك في المعراج[31].

إن ما ورد من أحاديث يتحدث فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الآيات التي رآها في تلك الرحلة - إنما هي تفسير لقوله تعالى: )لقد رأى من آيات ربه الكبرى (18)(.

وذكر الإمام ابن كثير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد رأى جبريل - عليه السلام - على صورته التي خلقه الله عليها مرتين: الأولى: عقب فترة الوحي، والنبي - صلى الله عليه وسلم - نازل من غار حراء، فرآه على صورته، له ستمائة جناح قد سد عظم خلقه الأفق، فاقترب منه، وأوحى إليه من الله - عز وجل -، وإليه أشار الله بقوله: )علمه شديد القوى (5) ذو مرة فاستوى (6) وهو بالأفق الأعلى (7) ثم دنا فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى (9) فأوحى إلى عبده ما أوحى (10)(، والثانية: ليلة الإسراء والمعراج عند سدرة المنتهى، وهو المشار إليها في هذه السورة أيضا بقوله: )ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14)( [32].

ولا شك عند من له ذوق سليم، أن هذه الآيات الكريمة - آيات سورة النجم السابقة - تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أسري به إلى بيت المقدس، وأنه عرج به إلى السموات العلا بجسمه وروحه، وأنه رأى جبريل - عليه السلام - عند سدرة المنتهى، وأنه رأى من آيات ربه الكبرى.

فلتنظر أيها الطاعن معنا إلى قوله عز وجل: )أفتمارونه على ما يرى (12)(، ثم قل لنا بعد ذلك ماذا ترى؟ أفيسهل عليك أن تسلم أن المراء والجدال كانا في رؤيا منامية؟ وهل يكون في رؤيا الروح وحدها في النوم جحود ومجادلة؟ وهل لذلك وقع عند القائل والسامع، حتى تذكر فيه تلك الآيات، وتحصل به تلك المجادلات، وينوه بشأنه في القرآن هذا التنويه العظيم[33]؟

وقد أجمع المفسرون قاطبة أن هذه الآيات التي في سورة النجم إنما هي بشأن معراج النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الله قد أقسم بالنجم إذا هوى على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صادق فيما يبلغ من الوحي، وما هو إلا وحي يوحى، وأقسم على صدقه فيما رأى في السموات العلا؛ حيث رأى جبريل - عليه السلام - على صورته الحقيقية، ورأى من آيات ربه الكبرى، وأقسم أنه ما كذب فؤاده فيما رآه.

لكن الله - سبحانه وتعالى - حكيم في أفعاله وأقواله، فلم يذكر المعراج مع الإسراء في موضع واحد؛ وذلك لحكمة إلهية بالغة؛ حيث إن المشركين والمخالفين سوف ينكرون ذلك كله، إذا ما حدثهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسوف يهزءون برسول الله من أجله، وقد حدث هذا.

أما الإسراء فإنه أحرى بتصديق قوله إذا كذبوه، بأن يذكر لهم بيت المقدس ووصفه، وتكون له الحجة، وهذا قد كان.

وأما المعراج، فبماذا يرد كذبهم إذا كذبوه، وبماذا يؤيد قوله؟ فلو نعت لهم السماء، وما رأى فيها، ما كان في ذلك مقتنع لهم، ولا حجة عليهم؛ لأنهم لا يعرفون ما هنالك، فكان من الحكمة البالغة أن يذكر في سورة الإسراء التي تتلى على المشركين المعاندين الإسراء دون المعراج.

على أن الإسراء إلى بيت المقدس كان مقدمة للمعراج، ولهذا قد يكون من الجائز المناسب المعهود أن يذكر الإسراء دون المعراج؛ لأنه إذا ذكر الإسراء علم أنه يعني ما بعده، وهو المعراج، ولهذا يذكر كثير من المؤلفين المعراج في باب الإسراء، والقرآن يقول: )سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا( (الإسراء: ١)، فهذه الآيات - فيما يبدو - هي الآيات التي رآها في المعراج، فأشار إلى المعراج بما وقع فيه من الآيات والعجائب، وليس بلازم ذكره نصا.

ثم إن المعراج قد ذكر في سورة النجم - كما تقدم، فذكر الإسراء في سورة، والمعراج في سورة أخرى، وليس في هذا شيء من الغرابة[34].

وبهذا فلا معارضة بين ما جاء في السنة بشأن المعراج وبين الآيات التي رآها النبي - صلى الله عليه وسلم - في تلك الرحلة العظيمة، وما جاء في القرآن بأنه أغفل ذكر المعراج؛ إذ إن هذا غير صحيح؛ لأن القرآن ذكر المعراج وجهر به في سورة النجم، ونوه به تنويها بينا، يبين فيها مصداقية محمد - صلى الله عليه وسلم - فيما رأى في تلك الليلة المباركة.

·  ما أخبر عنه الرسول - صلى الله عليه وسلم - مما شاهد في رحلتي الإسراء والمعراج لا يتعارض مع القرآن في أنه لا يعلم الغيب إلا الله:

يدعي قوم أن ما في الجنة من نعيم، وما في النار من جحيم غيب لا يعلمه أحد إلا الله، فكيف تأتي أحاديث كأحاديث الإسراء والمعراج وتخبر عن بعض الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله، كالمشاهد التي شاهدها النبي - صلى الله عليه وسلم - في رحلة المعراج؛ إذ رأى مثلا الذين يأكلون الربا يوطئون بالأقدام، فلا يستطيعون القيام، ورأى الزناة يتركون لحما طيبا ويأكلون لحما خبيثا، وأنه أتى على واد فوجد فيه ريحا باردة كريح المسك، وقيل هذا صوت الجنة، وعلى العكس بالنسبة إلى النار وغيرها؟

وهؤلاء نقول لهم: صحيح ما تقولون: إنه لا يعلم الغيب إلا الله، وأيضا صحيح ما عندنا من أحاديث وآثار تفيد أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - أخبر بأشياء من أمور الغيب فوقعت، ولكن المشكلة عندكم أنكم ما استنطقتم ما ورد في الغيب من أدلة القرآن والسنة استنطاقا بينا، بل اقتطفتم من ذلك ما تؤيدون به طعونكم في الإسلام، ولا قبل لكم به.

وكما قلنا سابقا: إن حديث الإسراء والمعراج صحيح ومتواتر عن أكثر من عشرين صحابيا، رواه أئمة الحديث الكبار في كتبهم كالبخاري ومسلم، وطالما أن الحديث صحيح فيجب اعتقاد كل ما فيه أنه حقيقي، وقد تحدثت أحاديث المعراج من بداية أمرها عن الغيب، فهي من أول ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل» فهو غيب، إلى أن رجع من تلك الرحلة.

أما الذين في قلوبهم زيغ ما انصاعوا لتصديق القصة، فطلبوا دليلا من عند أنفسهم يثبت لهم ما قد رآه، فطلبوا أن يصف النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم بيت المقدس، فعرضه الله أمامه - ولم يكن قد رآه جيدا لظلام الليل - فوصفه لهم، وهذا دليل عالم الشهادة على عالم الغيب.

لكن الذين يربطون بين العقيدة والتكذيب فهم قوم مغالطون في الحقيقة؛ لأنهم ما أيقنوا صحة الاعتقاد؛ فغلب عليهم التكذيب، إنهم ما زالوا يعتقدون أن محمدا ليس بنبي؛ لأنهم لو أدركوا ذلك لعلموا أن الحقيقة مزهود فيها لدى كل حسود.

ونتبع كلامنا هذا سؤالا وهو: هل لما رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - دليل إذن من الله؟ نعم إن الغيب لا يعلمه إلا الله - كما قلتم - قال سبحانه وتعالى: )قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله( (النمل: ٦٥)، وقال سبحانه وتعالى: )إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (34)( (لقمان)، ولكن - سبحانه وتعالى - قال: )عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا (27)( (الجن).

قال القرطبي: " )إلا من ارتضى من رسول( فإنه يظهر على ما يشاء من غيبه؛ لأن الرسل مؤيدون بالمعجزات، ومنها الإخبار عن بعض الغائبات، وفي التنزيل - حكاية عن عيسى عليه السلام: )وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم( (آل عمران: ٤٩)... وقال العلماء - رحمة الله عليهم: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم دلالة صادقة على نبوتهم"[35].

قال الشعراوي - رحمه الله: "وقد يكرم تعالى بعض خلقه، ويطلعه على شيء من الغيب، ومن ذلك الغيبيات التي أخبر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - دون أن يكون لها مقدمات توصل إليها، فلا بد أنها أتته من وحي القرآن كما قال تعالى: )الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4)( (الروم)" [36].

وبناء على هذه الآية، وهي قوله عز وجل: )عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول(، فالله سبحانه لا يطلع أحدا من خلقه على شيء من علمه، إلا ما شاء - سبحانه وتعالى - أن يطلعه، يستوي في ذلك من اصطفاه من الملائكة، ومن اصطفاه من الناس، ومن أطلعه الله على بعض الغيب فإنه يرزقه من يحفظه من الملائكة، بحيث لا تستطيع الشياطين أن تتعرض له.

وهذه الآية واضحة في أن الله - سبحانه وتعالى - يطلع من شاء من رسله على بعض الأمور الغيبية، وعليه فلا غرابة في إخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء من الغيبيات، فإن هذا مما أطلعه الله عليه وأعلمه - سبحانه وتعالى - به.

ومعنى الآية أن من أطلعه الله على بعض الغيب من رسله فإنه - سبحانه وتعالى - يرزق هذا الرسول من يحفظه من الملائكة، ولما كانت السنة فيها كثير من أمور الغيب، فإن هذا يدل على حفظ الله لها.

وقد سجل القرآن شيئا من ذلك في شأن عيسى - عليه السلام - بقوله عز وجل: )وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم( إن إخباره - عليه السلام - بما هو غيب يحدث بعيدا عنه، يحدث في بيوتهم، آية عظيمة أعطاها الله له؛ لتهتدي بها القلوب السليمة، وكذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلمه الله الكثير من الأمور الغيبية، آيات بينات تنطق بنبوته ورسالته، وتزيد المؤمنين إيمانا وهدى.

وهناك آية أخرى تؤيد ذلك وهي قوله عز وجل: )ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء( (البقرة: ٢٥٥). فإنه - سبحانه وتعالى - أحاط بكل شيء علما، أما الخلق فإنهم لا يعلمون شيئا من معلوماته تعالى، إلا بالقدر الذي أراد - عز وجل - أن يعلمهم إياه.

وبهذا نفيد أن الله - سبحانه وتعالى - يطلع رسوله - صلى الله عليه وسلم - على ما شاء من علوم وغيبيات، وهي من فضل الله على رسوله، معجزة له، ودلالة صادقة على نبوته صلى الله عليه وسلم [37].

يستفاد من ذلك أن ما أنبأ به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أمور غيبية حدثت أو ستحدث - ماضية أو مستقبلية - إنما هي بما علمه الله إياه، بما دلت عليه الآيتان الكريمتان السابقتان، فإن كان علم الغيب مستأثرا به الله وحده، فلا ينفي هذا أن يطلع من يشاء من رسله على ما يشاء من غيبيات، وهذا من استئثاره أيضا بعلم الغيب.

نقول إذن للمعترضين على ما جاء في أحاديث المعراج من غيبيات، وأن هذا ليس لمحمد صلى الله عليه وسلم: إن ساغ لكم تكذيب القرآن وعدم الاقتناع به - وقد بينا لكم دليل الإذن في إعطاء الله الغيب لمن يشاء من عباده - فارفضوا السنة وما جاء فيها من أمور غيبية!! وإلا فابحثوا عن قلوبكم؛ فإنها وقعت في غارة المغالطة والتكذيب دون حجة أو تأويل.

ثالثا. لا تعارض بين هذه الروايات وبين العقل:

لا تعارض بين الروايات الواردة في الإسراء والمعراج، وما جاءت به من حقائق عن البراق وعن أهل الجنة وأهل النار، وغير ذلك من الغيبيات، وبين العقل، إنما يكون التعارض عندما يكون العقل مكلفا بالبحث في هذه الأمور، ثم تأتي هذه الأمور مخالفة لمقتضيات العقل، فما دام العقل لم يكلف بالبحث في هذه الأمور فلا تعارض إذن، فالله - سبحانه وتعالى - قد خلق الإنسان وأودع فيه نعمة العقل؛ كي يبحث في العالم المشاهد ويكتشف أسراره، ويعمر الكون، ويهتدي به إلى ما يصلحه، ويبتعد به عما يفسده، أما الغيبيات فليس لنا إلا أن نسلم بما جاء به الوحي مخبرا عنها، وليس لنا أن نتوصل بالعقل - المختص بالمشاهدات والحسيات - إلى مسائل الغيب، أو نختلف في تصوراتنا عنها دون الرجوع إلى الوحي المتمثل في الكتاب والسنة.

فلا يمكن إذن أن نعتبر العقل أصلا للنقل، أو نحكمه في مسائل الغيب قبولا ورفضا، والإمام ابن تيمية يوضح ذلك في رده على من قال: (إن العقل أصل للنقل)، فيقول: "إما أن يريد به:

·        أنه أصل في ثبوته في نفس الأمر.

·        أو أنه أصل في علمنا بصحته.

والأول لا يقوله عاقل، فإن ما هو ثابت في نفس الأمر بالسمع أو بغيره هو ثابت، سواء علمنا بالعقل أو بغير العقل ثبوته، أو لم نعلم ثبوته لا بعقل ولا بغيره؛ إذ عدم العلم ليس علما بالعدم، وعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في أنفسنا؛ فما أخبر به الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - هو ثابت في نفس الأمر سواء علمنا صدقه أو لم نعلمه، ومن أرسله الله - عز وجل - إلى الناس فهو رسوله سواء علم الناس أنه رسول أو لم يعلموا، وما أخبر به فهو حق وإن لم يصدقه الناس، وما أمر به عن الله فالله أمر به وإن لم يطعه الناس، فثبوت الرسالة في نفسها، وثبوت صدق الرسول، وثبوت ما أخبر به في نفس الأمر، ليس موقوفا على وجودنا، فضلا عن أن يكون موقوفا على عقولنا، أو على الأدلة التي نعلمها بعقولنا، وهذا كما أن وجود الرب - عز وجل - وما يستحقه من الأسماء والصفات ثابت في نفس الأمر، سواء علمناه أو لم نعلمه.

فتبين بذلك أن العقل ليس أصلا لثبوت الشرع في نفسه، ولا معطيا له صفة لم تكن له، ولا مفيدا له صفة كمال؛ إذ العلم مطابق للمعلوم المستغني عن العلم، تابع له، ليس مؤثرا فيه.

فإن العلم نوعان:

أحدهما: العملي، وهو ما كان شرطا في حصول المعلوم، كتصور أحدنا لما يريد أن يفعله، فالمعلوم هنا متوقف على العلم به محتاج إليه.

 والثاني: العلم الخبري النظري، وهو ما كان المعلوم غير مفتقر في وجوده إلى العلم به، كعلمنا بوحدانية الله تعالى وأسمائه وصفاته، وصدق رسله، وبملائكته، وكتبه وغير ذلك، فإن هذه المعلومات ثابتة، سواء علمناها أو لم نعلمها، فهي مستغنية عن علمنا بها، والشرع مع العقل هو من هذا الباب، فإن الشرع المنزل من عند الله ثابت في نفسه، سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه، فهو مستغن في نفسه عن علمنا وعقلنا، ولكن نحن محتاجون إليه، وإلى أن نعلمه بعقولنا؛ فإن العقل إذا علم ما هو عليه الشرع في نفسه صار عالما به، وبما تضمنه من الأمور التي يحتاج إليها في دنياه وآخرته وانتفع بعلمه به، وأعطاه ذلك صفة لم تكن له قبل ذلك، ولو لم يعلمه لكان جاهلا ناقصا"[38].

فمما سبق من كلام ابن تيمية يتضح لنا أن من أنكر الغيبيات التي أخبر الوحي بها بحجة أنها لا تتفق مع العقل - يخرج عن دائرة العقلاء.

فإنكار البراق الذي أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأحاديث الصحيحة التي أوردها البخاري ومسلم، بحجة أن الله كان قادرا على نقل نبيه بأيسر من تلك الطريقة، كما نقل عرش بلقيس في طرفة عين - نقول: إن من أنكر البراق لهذه الحجة فقد حكم العقل وجعله أصلا للنقل (الوحي)، وأخرج العقل عن مناط تكليفه، وحمله ما لا يحتمل، وكان واجبا عليه ألا يقحم نفسه فيما لم يكلف به، وأن يصدق بما أخبر به الوحي من غيبيات لا نملك أمامها إلا التصديق، كما أن من أنكر البراق لهذه الحجة، إنما هو مخطئ من جهة أخرى، وهي أن السنة الإلهية قد اقتضت إقرار قانون الأسباب والمسببات، فليس لنا أن نعترض على بعض الأمور بحجة أن الله كان قادرا على كذا أو كذا، فالله - سبحانه وتعالى - كان قادرا على أن يسقط الرطب من النخل لمريم - عليها السلام - دون أن تهز الجذع، كما أنها غير قادرة على هز الجذع وقت المخاض، ولكن الله قد أراد من هذا إقرار قانون الأسباب والمسببات، وأن لكل مسبب سببا تسبب في حدوثه، والله - سبحانه وتعالى - لم يكلف مريم - عليها السلام - ما لا تحتمله ولا تطيقه، فالله - سبحانه وتعالى - قد ضمن لها الرزق، لكنه أمرها بالسعي إليه ولو بجهد يسير، وإنك لتعجب حقا عندما تعلم أن الجذع كان يابسا، فلما هزته مريم - عليها السلام - أحياه الله من مواته، فقد قال القرطبي في تفسيره - تعليقا على هذه الآية: "واستدل بعض الناس من هذه الآية على أن الرزق وإن كان محتوما؛ فإن الله تعالى قد وكل ابن آدم إلى سعي ما فيه؛ لأنه أمر مريم بهز النخلة لترى آية، وكانت الآية تكون بألا تهز"[39].

وإذا تأملنا الكون كله سنجد أن قانون الأسباب والمسببات مطرد رغم قدرة الله على خرقه - كما يحدث في معجزات الأنبياء - فوجود النهار مثلا مرتبط بطلوع الشمس، ووجود الليل مرتبط بغيابها، وغير ذلك من الأمثلة التي لا حصر لها.

فمن كل ما سبق نؤكد على أن من أنكر الغيبيات بحجة أنها تتعارض مع العقل، أو أن الله كان قادرا على كذا وكذا، فقد خرج عن حدود العقلاء، ويدخل في ذلك من أنكر أحاديث الإسراء والمعراج؛ لأن فيها ذكرا لاستفتاح جبريل لأبواب السماوات السبع، والادعاء بأنه لا توجد أبواب صلدة في السماوات لكي يدقها جبريل، فهذا كله خوض في مسائل غيبية لا نعلم عنها شيئا إلا ما أخبرنا به الوحي، وتحكيم العقل في مثل هذه المسائل يؤدي إلى الوقوع في الضلال، والابتعاد عن طريق الهدى والصراط المستقيم.

وكذلك من يعترض على الحوار الذي حدث بين جبريل وملائكة السماء، وقولهم له: «من معك؟»، وكان ينبغي أن يقولوا له: (هل معك أحد؟)، فما الذي يعلمه هذا المتقول عن علم الغيب، وبأي شيء فرض على الملك أن يقول شيئا ولا يقول شيئا آخر؟ إنه اعتمد في ذلك على عقله، ونسي أن العقل ليس مؤهلا للبحث في الغيبيات.

أما إنكار بعض المغرضين لهذه الأحاديث بحجة أن العقل لا يتصور محمدا ذاهبا وعائدا؛ استجابة لما أشار عليه به موسى - عليه السلام - عندما قال له: «ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف»، ويرون أن هذا الفعل قد لا يحدث من الابن المطيع لأبيه، فكيف يتصور حدوثه من محمد - صلى الله عليه وسلم - لموسى عليه السلام، نقول: إن هذا السلوك ليس بمستغرب من الابن المطيع لأبيه، ولكنه مستغرب في نظر هؤلاء المغرضين لسوء أخلاقهم، ونشأتهم على الأخلاق الفاسدة، وإذا افترضنا جدلا أن ذلك السلوك مستغرب من الابن المطيع لأبيه، فإنه ليس مستغربا من محمد - صلى الله عليه وسلم - لموسى - عليه السلام - لأنه يفعل ذلك حرصا على أمته وخوفا عليهم وإشفاقا بهم، وما دام أن الذي أشار به موسى - عليه السلام - فيه الخير لأمته - صلى الله عليه وسلم -، فهو لا يجد غضاضة في أن يبذل كل الخير لهم، بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما توقف عن الرجوع لربه بعد آخر رجعة إلا لأنه استحيى من ربه، ولولا ذلك لرجع إليه مرة أخرى، وكيف نستغرب ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد زكاه الله فقال: )لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم (128)( (التوبة)، وقال سبحانه وتعالى: )النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم( (الأحزاب: ٦)، فهذا كله يدل على مدى حرصه وشفقته بأمته صلى الله عليه وسلم، وهذا كله يبطل مزاعم هؤلاء المغرضين.

أما إنكار هذه الأحاديث لأنها تثبت رؤية الأنبياء في السماوات مع أن أجسادهم مستقرة بالأرض، فقد أجاب ابن حجر عن ذلك، وأزال الإشكال المتوهم في المسألة، فقال: "وقد استشكل رؤية الأنبياء في السماوات مع أن أجسادهم مستقرة في قبورهم بالأرض، وأجيب بأن أرواحهم تشكلت بصور أجسادهم، أو أحضرت أجسادهم لملاقاة النبي - صلى الله عليه وسلم - تلك الليلة تشريفا له وتكريما، ويؤيده حديث عبد الرحمن بن هاشم عن أنس، ففيه: «وبعث له آدم، فمن دونه من الأنبياء» فافهم"[40].

·      وكذلك لا منافاة بين صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأنبياء في بيت المقدس إماما ورؤيته لهم في السماء:

لقد كانت صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأنبياء في بيت المقدس للإعلان عن إمامته - صلى الله عليه وسلم - على كل إخوانه من الأنبياء، وأن أمته أول الأمم دخولا الجنة، إلى غير ذلك.

وللعلماء في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرسل جميعا في بيت المقدس، ثم رؤيته لهم في السماء ثلاثة تفسيرات:

الأول: أن يكون الذي رأى هي الأرواح، رآها في بيت المقدس، ثم عرج بها إلى السماوات فرآها هناك.

الثاني: أن يكونوا مثلوا له تمثيلا، فرآهم وخاطبهم وخاطبوه.

الثالث: أن يكون الله خلق له - صلى الله عليه وسلم - أشخاصهم، فرآهم في السماء وفي الأرض لحكمة بالغة[41].

وهناك رأي ذكره المفسرون يقوي ما ذكر في الحديث من مقابلة النبي - صلى الله عليه وسلم - للرسل السابقين في بيت المقدس، وصلاته بهم إماما: وهو ما ذهب إليه قتادة، وكذلك عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن قوله سبحانه وتعالى: )واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون (45)( (الزخرف) نزلت بالمسجد الأقصى[42].

قال الإمام الشعراوي - رحمه الله: "وإذا استقرأنا القرآن فسوف نجد فيه ما يدل على صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر به من لقائه بالأنبياء، نجد فيه ما يدل على صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر به من لقائه بالأنبياء في هذه الرحلة، قال - عز وجل -: )واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا(، والرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا أمره ربه أمرا نفذه، فكيف السبيل إلى تنفيذ هذا الأمر، واسأل من سبقك من الرسل؟

لا سبيل إلى تنفيذه إلا في لقاء مباشر ومواجهة، فإذا حدثنا بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رحلة الإسراء والمعراج نقول له: صدقت، ولا يتسلل الشك إلا إلى قلوب ضعاف الإيمان واليقين"[43].

وبما بينا يتضح لنا بطلان زعم الذين لا يتصورون بعقولهم اللقاء بين النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الأنبياء السابقين في الأرض - ببيت المقدس - وفي السماء، وذلك بما أوردنا من تفسير العلماء لهذا اللقاء بالأقوال الثلاثة السابقة، أو بالدليل القرآني في أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسؤال الأنبياء.

·      دعواهم أن الحكمة والعلم معان، فكيف توضع في الطسوت؟

والرد على تلك الفرية يكون من وجهة نقلية واحدة، وهي أن الله يوم القيامة سوف يجعل أعمال الإنسان توضع في الميزان وتوزن، وهذا يدل على أنها ستحول إلى ماديات - وهي معان - لتوضع في كفتي الميزان، قال الله عز وجل: )فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (102)( (المؤمنون)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»[44].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة أتي بالموت كالكبش الأملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيذبح وهم ينظرون...»[45].

فإذا كانت الأعمال - وهي معان - ستوزن يوم القيامة في كفتي الميزان، وكذلك الموت الذي هو معنى غير محسوس في ذاته سيكون كالكبش يوم القيامة، وسيوقف بين الجنة والنار، ويراه أهلوهما؛ فلا يوجد أي مانع يمنع من أن توضع الحكمة والعلم في طست، ويفرغ في قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد شقه.

وقد تمكن العلماء في هذا الزمان من تفتيت الذرة، ترى ما الذي حصلوا عليه حين تفتت الذرة؟ إنهم قد حصلوا على طاقة، وقد تلاشت المادة، والطاقة في حقيقة أمرها معنى، أو ما يشبه المعنى، تأتلف منها المادة وتتكون، وربك الذي خلقها قادر على أن يحولها إلى طاقة، ثم هو يقدر على أن يحول الطاقة إلى مادة[46].

إذن هذه الفرية ردت بما ورد مما سيحدث يوم القيامة من وزن الأعمال في كفتي الميزان، وهما مادة، فيتعين أن تكون تلك الأعمال مادة، وكذلك الموت الذي يكون على هيئة كبش، وسيذبح بين الجنة والنار، والذبح مادة محسوسة، ووضع الحكمة والعلم في قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - من هذا الباب، ولا يتعارض مع قوانين مصداقية العقل القاصر.

·        بطلان دعوى استحالة رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - للسماوات؛ لانقطاع الهواء في طبقات الجو العليا.

إن احتجاج القوم بما توصلوا إليه من نظريات حديثة، وأن الهواء يفقد بعد أميال فوق الأرض، ولا يمكن أن نعيش فوق منقطع الهواء، وهذه الفرية التي يعترض بها القوم غير مصدقين للقرآن أو السنة في إثبات تلك الرحلة، لا نرد عليهم بأن الطفل يعيش في بطن أمه بعيدا عن الهواء، والأسماك تعيش في البحار، ولا تحتاج إلى ما يحتاج إليه حيوان البر من الهواء والتنفس، بل نرد عليهم من وجهة نظر واحدة، وهي أن يونس - عليه السلام - قد التقمه الحوت، وغاص به في البحر، وأصبح في ظلمات ثلاث؛ فظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، فكيف أوصل الله إليه الهواء - لو كانت المسألة عقلية - وهو في تلك الحالة؟ فإذا كان الهواء ينقطع في طبقات الجو العليا، فأين الهواء في قلب البحار العميقة؟ وهذا بشر، وذاك بشر.

ثم إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - لما صعد به إلى السماء فإنه لا محل هنا لقضية من متطلباتها أشياء مثل الطعام والشراب والتنفس.

ثم إن الله قد ذكر رفعه لعيسى - عليه السلام - إلى السماء، وجاء الخبر بنزوله في آخر الزمان، فعلام الاعتراض، ورافع محمد هو رافع عيسى - عليهما السلام؟!

وقد ذكر أن فقراء الهند يروضون أنفسهم على أشياء معينة؛ فيأتون بالعجائب، وقد روت عنهم الصحف أن الواحد منهم يلقى في قارورة وضع فيها الزيت فيقفل عليه ويحكم القفل؛ بحيث لا يجد الهواء إليه سبيلا، فيبقى في ذلك أسابيع، ثم يخرج حيا، وروى الشيخ محمد رشيد رضا: أن واحدا من هؤلاء سدت جميع المنافذ في جسمه التي يدخل منها الهواء بالقطن، ثم وضع في صندوق وقفل وأحكم قفله، ثم دفن في الأرض فظل أربعين يوما كذلك، ثم أخرج حيا على أعين طائفة من الزعماء والأطباء. فكيف يعجز الله عن مثله[47]؟!

رابعا. لا يوجد في أحاديث الإسراء والمعراج ما يلحق النقص بذات الله - سبحانه وتعالى - أبدا:

لقد ادعى بعض المغرضين أن في أحاديث الإسراء والمعراج عبارات تلحق بالله - سبحانه وتعالى - التشبيه والتمثيل، وذلك كما في رواية شريك بن عبد الله عن أنس - رضي الله عنه - حيث يقول: «ودنا الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى»، لكن العلماء المسلمين يردون على ذلك من جهات عدة؛ منها:

·   نفي نسبة التدلي للجبار - عز وجل - ونسبتها إلى جبريل - عليه السلام - أو محمد صلى الله عليه وسلم، وقد فصل الخطابي القول في ذلك، وذكر أن في هذه المسألة ثلاثة أقوال:

أولها: أنه دنا، يعني جبريل من محمد - عليهما السلام، فتدلى؛ أي: فقرب منه، وقيل: هو على التقديم والتأخير، أي تدلى ودنا، وذلك أن التدلي سبب للدنو.

الثاني: تدلى له، يعني جبريل، بعد الانتصاب والارتفاع، حتى رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - متدليا، كما رآه منتصبا، وكان ذلك من آيات قدرة الله حين أقدره على أن يتدلى في الهواء من غير اعتماد على شيء ولا تمسك بشيء.

الثالث: معنى قوله: دنا - يعني جبريل - فتدلى - محمد صلى الله عليه وسلم - ساجدا لربه شكرا على ما أراه من قدرته وأناله من كرامته، ولم يثبت في شيء مما روي عن السلف أن التدلي مضاف إلى الله سبحانه، جل ربنا عن صفات المخلوقين، ونعوت المربوبين المحدودين[48].

·   تأول الدنو والتدلي بمعنى الإبانة عن عظيم المكانة وعلو المنزلة، وفي هذا يقول القاضي عياض: "اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب هنا من الله أو إلى الله، فليس بدنو مكان ولا قرب مدى، بل كما ذكرنا عن جعفر بن محمد الصادق ليس بدنو حد، وإنما دنو النبي - صلى الله عليه وسلم - من ربه وقربه منه إبانة عظيم منزلته، وتشريف رتبته، وإشراق أنوار معرفته، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته، ومن الله تعالى له مبرة وتأنيس وبسط وإكرام"[49].

·   تأول الدنو والتدلي على ما يتأول في قوله:«ينزل ربنا إلى السماء الدنيا»، لكن تفسير النزول قد اختلف فيه كما وضح لنا ابن حجر؛ حيث يقول: "وقد اختلف في معنى النزول على أقوال: فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته، وهم المشبهة - تعالى الله عن قولهم، ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة، وهم الخوارج والمعتزلة، وهو مكابرة، والعجب أنهم أولوا ما في القرآن من نحو ذلك، وأنكروا ما في الحديث إما جهلا وإما عنادا. ومنهم من أجراه على ما ورد، مؤمنا به على طريق الإجمال، منزها الله تعالى عن الكيفية والتشبيه، وهم جمهور السلف"[50].

وقد ادعى هؤلاء المغرضون أن في أحاديث الإسراء والمعراج ما يدل على جهل الله بما يطيقه العباد، وجهل النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضا بذلك؛ حتى أعلمه موسى - عليه السلام - بذلك، ويقررون - لذلك - أن أحاديث الإسراء والمعراج من الإسرائيليات التي دخلت إلى السنة النبوية؛ لتعظيم أمر موسى - عليه السلام - والديانة اليهودية.

وللرد على ذلك نقول: "إن الله - سبحانه وتعالى - يعلم كل ما كان وما يكون، ويعلم أن نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - سيسأله التخفيف عن العباد، وبسبب هذا السؤال سيخفف الصلوات من خمسين إلى خمس، ولذلك سر وحكمة، وهي إظهار رحمة الله - سبحانه وتعالى - بهذه الأمة، ومنته عليها بالتخفيف عنها، بدليل قول الرب تعالى: «أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي»[51]، كما أن فيها إظهار منزلة النبي - صلى الله عليه وسلم - عند ربه بقبول شفاعته في التخفيف عن أمته، وبيان رأفته ورحمته بأمته، باستماعه إلى مشورة أخيه موسى، ولا تسل عما في المراجعة من تكرار المناجاة بين العبد والمعبود، والمحب والمحبوب"[52].

أما القول بأن مراجعة موسى - عليه السلام - لمحمد - صلى الله عليه وسلم - يقتضي بأن تكون هذه الأحاديث من الإسرائيليات - فهذا مردود، لا يتفق مع المنطق والعقل السليم، "وعلى منطق هذا الطاعن تكون كل الأحاديث التي ذكرت فضيلة لموسى - عليه السلام - أو لنبي من أنبياء بني إسرائيل من الإسرائيليات، وأعتقد أن هذا لا يقوله عاقل فضلا عن باحث علمي، ولو أن حديث الإسراء والمعراج كان مرويا عن كعب الأحبار أو غيره من علماء بني إسرائيل، لجاز في العقل أن يكون ذكر موسى - عليه السلام - من دسهم، أما والحديث مروي عن بضع وعشرين صحابيا ليس فيهم، ولا فيمن أخذ عنهم أحد من مسلمة أهل الكتاب - فقد أصبح الاحتمال بعيدا كل البعد، إن لم يكن غير ممكن في منطق البحث الصحيح، وقد ذكر الحافظ أبو الخطاب بن دحية في كتابه (التنوير في مولد السراج المنير) الصحابة الذين روي عنهم حديث الإسراء والمعراج فوصل بهم إلى خمسة وعشرين صحابيا، واعتبر الروايات الواردة فيه متواترة، ونقل كلامه الحافظ الناقد ابن كثير في تفسيره، ووصفه بالإفادة والجودة، فهل يجوز عند العقلاء أن يكون للدس مجال في هذا؟!

 وقد خرج حديث الإسراء والمعراج البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الكتب المعتمدة من طرق متعددة، وقد استعرض هذه الروايات الإمام ابن كثير في تفسيره، فليرجع إليه من يريد زيادة اليقين، ولم نر - فيما نعلم - عن أ حد من أهل العلم الموثوق بهم أنه ذكر أن مراجعة موسى لنبينا - عليهما السلام - دسيسة إسرائيلية، فهل خفي على علماء الأمة جميعهم ما تخيله هؤلاء؟!"[53].

فلا إشكال في مراجعة موسى - عليه السلام - لمحمد صلى الله عليه وسلم، بل إن هناك عدة مسوغات لهذه المراجعة، منها:

o       قرب الرسولين من بعضهما:

فموسى - عليه السلام - صاحب الرسالة التي قبل الإسلام مباشرة، فرسالته جاءت بالتكاليف، ورسالة عيسى - عليه السلام - مكملة لها وهي مواعظ، فهو أحدث رسول قبل محمد صلى الله عليه وسلم، فدرايته - أي موسى - بالبشرية في هذه الآونة أقوى من دراية بقية الرسل، ومن هنا يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: «ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني بلوت بني إسرائيل وخبرتهم»[54]. وفي رواية أخرى: «إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك»[55].

o       تشابه الرسالتين:

وأيضا فرسالة موسى - عليه السلام - كانت للبشرية في أقرب أطوارها من الإسلام، فهي أكثر صلوات، وأكثر أحكام من الرسالات السابقة عليها، ومن هنا نصح موسى - عليه السلام - محمدا - صلى الله عليه وسلم - وقبل منه محمد.

ومن هاتين النقطتين يتضح أن الحديث لا يثبت ميزة لموسى - عليه السلام - فالمحادثة بينهما سببها قرب زمانيهما، وتشابه رسالتيهما.

o       لا ميزة في الحديث لموسى عليه السلام:

والقارئ لكل روايات الحديث لا يجد ميزة لموسى عليه السلام، ويعجز منكرو السنة عن إبراز أي ميزة فيه لموسى عليه السلام، إنهم يعللون وصفه بأنه يمثل ميزة لموسى، ونحن نتساءل معهم: أين الـميزة؟

إن كون موسى سأل محمدا - صلى الله عليه وسلم - لا يثبت ميزة لموسى - عليه السلام - فإنه ينصح، والنصيحة قدر من أخلاق الأنبياء، إنه لم يذهب معه إلى أعلى من مكانه، بل ظل في السماء السادسة، وإنما محمد هو الذي عاود العلو والارتقاء إلى حيث لا ملك ولا نبي، فالميزة لمحمد صلى الله عليه وسلم، إن موسى - عليه السلام - لم يكلم ربه - في هذه الحادثة - وإنما الذي كلم ربه وكلمه ربه هو محمد صلى الله عليه وسلم، فأي ميزة لموسى عليه السلام - في هذا الحديث - حتى يقال: إن الحديث وضعه اليهود، إن الميزة في الحديث لمحمد - صلى الله عليه وسلم - فلقد عاود الارتقاء وحظي بالحديث والخطاب، يكلمه الله ويكلم الله، أوتي ميزة موسى الكليم وزاد، وارتقى فوق مقام جبريل - عليه السلام - واستفاد، إنه لا ميزة في الحديث لموسى، وإنما فيه أنه أحس بقدر محمد صلى الله عليه وسلم، وأحس أن محمدا أوتي من الفضل أكثر مما أوتي هو - أي موسى، وأن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - قد فاقت أمته - عليه السلام - في الفضل والمنزلة، ولقد بلغ بموسى - عليه السلام - الأمر أن بكى، بكى من رفعة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته، ففي حديث مالك بن صعصعة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «فلما تجاوزت بكى - أي: موسى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي»[56]. وفي رواية: «رب لم أظن أن ترفع علي أحدا»[57].

o       الميزة في الحديث لمحمد صلى الله عليه وسلم:

§  فهو الذي ارتقى إلى حيث سمع صريف الأقلام، إلى مكان لم يبلغه نبي مرسل ولا ملك مقرب، جاء في الرواية: «ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام»[58]، أي الصوت الذي يصدر من الأقلام أثناء الكتابة، والمراد ما تكتبه الملائكة من أقضية الله سبحانه وتعالى [59]، مما كلفت به الملائكة.

§  وهو الذي دخل الجنة ورأى ما فيها، فقد جاء في رواية: «ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك»[60].

§  وهو الذي قبل الله شفاعته، فحينما عاد يسأل التخفيف أكرم الله الكريم وجهه - صلى الله عليه وسلم - فخفف عنه وعن أمته، وكم عاد! وفي كل مرة بلغ المراد، فسبحانه ربنا الكريم الذي قبل شفاعة رسوله كثيرا، وصلى الله وبارك على الذي رجا وشفع طويلا، وفي هذه النقطة كثير من الفضل والميزة له، فهي تدل على كريم منزلته عند ربنا عز وجل، وتدل على رحمته - صلى الله عليه وسلم - وشفقته على أمته، وفيها عظيم كرم الله لهذه الأمة، يظل هذا معلوما في الأحاديث النبوية، مفيدا كرم ربنا، وشفقة نبينا.

§  وفي الترديد وطول بقائه - صلى الله عليه وسلم - في حضرة الله، يناجي ثم يذهب فيتشاور مع موسى - عليه السلام - ثم يعود فيناجي ربه، وفي ذلك حظوة بطول المناجاة، والبقاء في حضرة الله تبارك وتعالى.

§  وفي هذا الحديث ميزة عظيمة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن موسى بعد أن صارت الصلاة خمسا طلب منه أن يرجع فيسأل التخفيف، إلا أنه - صلى الله عليه وسلم - رفض الرجوع، وقال: «سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم، قال: فلما جاوزت نادى مناد: أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي»[61]، إنه الحس الصادق، والفطانة الكاملة، رضي بما فيه الرضى، وسلم بما اتضح أنه الحق، إنه الرسول الذي عايش نصوص دينه فأصبحت فكره ولبه، فأصبحت رأيه وقلبه، إنه قرأ قول الله تعالى: )من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها( (الأنعام: ١٦٠)، فلما وصل التخفيف إلى العشر أدرك أن هذا هو الذي سيستقر. إنه - صلى الله عليه وسلم - لم يفكر في أمر أمة موسى، وأنهم كانوا يصلون في اليوم صلاتين، وإنما كان يفكر في نصوص دينه، فألهم الصواب في فهم أصل من أصول دينه، وأنه الذي ينبني عليه تصرفه صلى الله عليه وسلم.

§  وهو إمام المرسلين: ففي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: «لقد رأيتني في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي... وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء... فحانت الصلاة فأممتهم» [62]، فهو - صلى الله عليه وسلم - قد صلى بالأنبياء إماما، وفي ذلك من التكريم ما فيه، لقد جمع الله تبارك وتعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - كثيرا من الأنبياء، صلوا خلفه، وكانوا في استقباله ووداعه، تحدث معهم، وتحدثوا معه، وفي ذلك الكثير والكثير، مما يثبت ميزته صلى الله عليه وسلم.

·      ليس في الحديث ما يوحي بدس:

إن المتتبع لأحاديث الإسراء والمعراج بكل رواياتها يتضح له جليا أنها لا يمكن أن تكون مدسوسة؛ فليس في أي إسناد من أسانيدها أحد من أهل الكتاب، ولا ممن يروي عن أهل الكتاب. إن أعداء السنة يلقون بالكلام دون دراسة أو تحديد، فليقولوا لنا: من الذي دس هذا الحديث؟ إنهم لا يستطيعون ذلك، فكل رجال إسناده إنما هم ثقات، أي مسلمون صالحون أذكياء، صلاحهم يمنعهم من الكذب، وذكاؤهم يبعدهم عن الخطأ، وقد روي الحديث من أكثر من طريق، وكلها متعاضدة يقوي بعضها بعضا، فمن أين يأتي الدس؟ إن أحاديث الإسراء والمعراج ثابتة صحيحة، جاءت من طرق كثيرة، بلغت حد التواتر، ومن هنا فليس لعاقل أن يجحدها، لقد رواها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسة وأربعون صحابيا[63]، ورواها عنهم كثرة كثيرة من التابعين، وعنهم أتباع التابعين بأكثر وأكثر، ومن هنا فهي مما لا يمكن التشكيك فيه، ثم إن الإسراء والمعراج أصلهما ثابت بالقرآن الكريم، وهذا يفيد ثبوتهما أكثر وأكثر، وعليه فليس لمنصف أن يشك في هذه الأحاديث.

إن السنة النبوية تهيأ لها من أسباب الحفظ والسلامة مما يجعلها حصينة ضد أي تزييف، وأقوى من أن يزاد فيها حرف أو يحذف منها حرف[64].

الخلاصة:

·   إن أحاديث الإسراء والمعراج ثابتة وصحيحة ومتواترة، ولا تناقض بينها، فقد وردت بروايات متعددة في صحيحي البخاري ومسلم، فمنها ما رواه ابن شهاب، ومنها ما رواه قتادة، ومنها ما رواه ثابت البناني، ومنها ما رواه شريك بن عبد الله، وقد ذكر الكتاني في نظم المتناثر أن أحاديث الإسراء والمعراج رويت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن خمسة وأربعين صحابيا، وعلى هذا فلا يمكن القدح أو التشكيك في نسبتها إليه صلى الله عليه وسلم.

·   لقد وقعت حادثة الإسراء والمعراج بعد البعثة وقد دل على ذلك كثرة المرويات المثبتة لذلك في صحيحي البخاري ومسلم، أما رواية شريك التي قد يفهم منها غير ذلك فقد وجهها العلماء بما لا يتناقض مع ما سبق إثباته من أن الحادثة كانت بعد البعثة، وعلى هذا فلا إشكال ولا تعارض بين الروايات.

·   إن حادثة الإسراء والمعراج قد حدثت مرة واحدة بعد البعثة يقظة بالروح والجسد، وليس هناك دليل صحيح على أنها حدثت بالروح فقط، كما لا يوجد دليل على كونها حدثت مناما، فكون الملك جاءه وهو نائم لا يعني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استمر في نومه أثناء الرحلة.

·   ليس هناك اضطراب في الروايات المخبرة بحادثة شق صدر النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه لا مانع من أن يحدث الشق أكثر من مرة، فقد حدث مرة في طفولته - صلى الله عليه وسلم - تمهيدا للرسالة، ومرة عند البعثة، ومرة ثالثة تمهيدا للقائه بربه في رحلة الإسراء.

·   لا اضطراب بين الروايات في تحديد المكان الذي بدأت منه الرحلة، فهو - صلى الله عليه وسلم - نام في بيت أم هانئ وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج سقف بيته - وأضاف البيت إليه لكونه كان يسكنه - فنزل منه الملك، فأخرجه من البيت إلى المسجد فكان به مضطجعا وبه أثر النعاس، ثم أخرجه الملك إلى باب المسجد فأركبه البراق.

·   إن الاضطراب المزعوم حول أمكنة الأنبياء في السماوات غير مسلم به - أيضا، فعند من يرى تعدد المعراج فلا إشكال ألبتة، وأما مع الاتحاد فقد جمع الحفاظ بين هذه الروايات.

·   لا اختلاف في آخر ما وصل إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد أجمعت الروايات على أن سدرة المنتهى هي آخر ما وصل إليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا مشكلة في الألفاظ المختلفة ما دامت تعبر عن معنى واحد مفهوم من الحديث، كما أنه لا اختلاف في موضعها؛ لأن العلماء وجهوا ذلك على أن أغصانها في السماء السادسة وفروعها في السابعة، وعلى ذلك فلا اختلاف ولا تعارض.

·   لا اضطراب بين قوله - سبحانه وتعالى - في الحديث: «لا يبدل القول لدي» وبين مراجعة موسى - عليه السلام - لمحمد - صلى الله عليه وسلم - بأن يرجع إلى ربه لطلب التخفيف، ودليل عدم التعارض هو قوله - صلى الله عليه وسلم - لموسى - عليه السلام - عند آخر مرة يراجعه فيها: «استحييت من ربي»، وقد بينا سابقا أن قوله: «استحييت» دل على علمه - صلى الله عليه وسلم - بأن طلب التخفيف بعد ذلك يعتبر رفعا للصلاة لا تخفيفا لها، فالله - سبحانه وتعالى - لم يبدل قوله، بمعنى أن لم يرفع الصلاة بعد أن فرضها.

·   ليس هناك أي تناقض بين القرآن الكريم وبين روايات الإسراء والمعراج، وما قيل من أن القرآن لم يذكر المعراج - غير صحيح؛ لأن سورة النجم صريحة وواضحة في ذكر المعراج، ولا سيما في قول تعالى: )ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14)( (النجم).

·   إن استئثار الله بعلم الغيب - وهو ثابت في القرآن والسنة - لا يتعارض مع روايات الإسراء والمعراج، وذلك أن الله قد بين في كتابه أنه يطلع بعض عباده على ما يشاء، وذلك في قوله تعالى: )عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول( (الجن).

·   إن روايات الإسراء والمعراج لا تتعارض مع العقل لما سبق أن قررناه من أن العقل لم يكلف بالبحث في الغيبيات أو الحكم عليها بالصحة أو البطلان، وإنما يسلم بما يخبر به الوحي من غيبيات، وعلى هذا فلا يصح إنكار البراق أو استفتاح جبريل لأبواب السماوات، أو تكرار رجوع محمد - صلى الله عليه وسلم - أو رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنبياء في السماوات مع أن أجسادهم في الأرض، أو إنكار شق صدره - صلى الله عليه وسلم - أو العروج به - صلى الله عليه وسلم - أو غير ذلك من أمور الغيب.

·   إن أحاديث الإسراء والمعراج لا تثبت نقصا في حق الله - سبحانه وتعالى - فهي لا تثبت تشبيها أو تمثيلا كما يرى البعض مما فهموه من رواية «ودنا الجبار»، وأننا - إذا لم نعتبر هذه العبارة زيادة من شريك يخالف بها روايات الثقات - نسلم بما جاء فيها دون سؤال عن الكيفية ودون اعتقاد النقص في هذه الكيفية.

·   كما أن أحاديث الإسراء والمعراج لا تنسب صفة جهل إلى الله - عز وجل - ولا نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأحوال المكلفين - كما فهم بعضهم من مراجعة موسى - عليه السلام - لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وإعطائه النصح بطلب التخفيف من الله - سبحانه وتعالى؛ وذلك لأن الله يعلم ما كان وما سيكون، ويعلم أن محمدا سيطلب التخفيف، وكانت الحكمة من ذلك هي إظهار رحمة الله بالأمة، وبيان حبه للنبي - صلى الله عليه وسلم - وعلو منزلته عنده، وغير ذلك من الحكم والفوائد.

·   كذلك فإن أحاديث الإسراء والمعراج ليست دسيسة إسرائيلية كما يدعي البعض بحجة أن فيها إعلاء لشأن موسى - عليه السلام - بمراجعته لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد بينا أن ذلك غير صحيح، فليس هناك دليل على أنها دسيسة، فلم يرو هذه الأحاديث أحد من أهل الكتاب، كما أنها لا تظهر مكانة موسى - عليه السلام - بقدر ما تظهر مكانة محمد - صلى الله عليه وسلم - وفضله وإمامته للأنبياء، وعلو منزلته عند ربه.

 



(*) أضواء على أحاديث الإسراء ولمعراج، د. سعد المرصفي، مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، ط1، 1415هـ/ 1994م. ضلالات منكري السنة، د. طه حبيشي، مطبعة رشوان، القاهرة، ط2، 1427هـ/ 2006م. دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين، د. محمد محمد أبو شهبة، مكتبة السنة، القاهرة، ط2، 1428هـ/ 2007م. دفاع عن السنة المطهرة، د. علي إبراهيم حشيش، دار العقيدة, مصر، ط1, 1426هـ/ 2005م. دفع الشبهات عن السنة والرسول، د. عبد المهدي عبد القادر عبد الهادي، مكتبة الإيمان، القاهرة، ط2، 1427هـ/ 2006م.

[1]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى السماوات وفرض الصلوات، (2/ 602)، رقم (404).

[2]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: التوحيد، باب: ما جاء في قوله عز وجل: ) وكلم الله موسى تكليما (، (13/ 486)، رقم (7517).

[3]. زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن القيم، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط8، 1405هـ/ 1985م، (3/ 42).

[4]. زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن القيم، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط8، 1405هـ/ 1985م، (3/ 42).

[5]. الديباج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، السيوطي، تحقيق: أبي إسحاق الحويني الأثري، دار ابن عفان، السعودية، ط1، 1416هـ/ 1996م، (1/ 198، 199).

[6]. تهذيب الكمال في أسماء الرجال، أبو الحجاج المزي، تحقيق: د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط1، 1400هـ/ 1980م، (12/ 477).

[7]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (13/ 493).

[8]. ضعيف: أخرجه ابن هشام في السيرة النبوية، (2/ 33). وفيه جهالة شيخ ابن إسحاق، وقد أورده ابن عبد البر في "الأجوبة المستوعبة"، تحقيق: عمرو عبد المنعم سليم، دار ابن عفان، القاهرة، ط1، 1426هـ/ 2005م، ص134، 135، وقال عنه: لا يصح عنها، ولا يثبت قولها.

[9]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء؟ (1/ 547)، رقم (349).

[10]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ذكر إدريس عليه السلام، (6/ 431)، رقم (3342). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى السماوات، (2/ 604)، رقم (408).

[11]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى السماوات، (2/ 603)، رقم (405).

[12]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: ذكر المسيح ابن مريم، (2/ 624)، رقم (423).

[13]. الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي أبو الفضل عياض، دار الكتب العلمية، بيروت، د. ت، (1/ 187: 191) بتصرف.

[14]. السيرة النبوية في ضوء الكتاب والسنة، د. محمد محمد أبو شهبة، دار القلم، دمشق، ط8، 1427هـ/ 2006م، (1/ 410) بتصرف.

[15]. شرح العقيدة الطحاوية، سفر عبد الرحمن الحوالي، (1/ 1817: 1819).

[16]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله إلى السموات، (2/ 603)، رقم (406).

[17]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (7/ 244، 245).

[18]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (7/ 243، 244).

[19]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء، (1/ 547)، رقم (349). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله، (2/ 602)، رقم (404).

[20]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (1/ 550، 551).

[21]. شرح صحيح مسلم، النووي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط2، 1422هـ/ 2001م، (2/ 616).

[22]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (13/ 491).

[23]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء، (1/ 547)، رقم (349).

[24]. مكانة الصحيحين، د. خليل إبراهيم ملا خاطر، المطبعة العربية الحديثة، القاهرة، ط1، 1402هـ، ص435: 437.

[25]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: في ذكر المعراج، (2/ 629)، رقم (424).

[26]. انظر: شرح صحيح مسلم، النووي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط2، 1422هـ/ 2001م، (2/ 630).

[27]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (13/ 491).

[28]. شرح الشفا بتعريف حقوق المصطفى، ملا علي القاري، (1/ 393)، نقلا عن: أضواء على أحاديث الإسراء ولمعراج، د. سعد المرصفي، مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، ط1، 1415هـ/ 1994م، ص57.

[29]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء؟ (1/ 547، 548)، رقم (349). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى السماوات، (2/ 604)، رقم (408).

[30]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (1/ 551، 552).

[31]. دفع الشبهات عن السنة والرسول، د. عبد المهدي عبد القادر عبد الهادي، مكتبة الإيمان، القاهرة، ط2، 1427هـ/ 2006م، ص109، 110.

[32]. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، ط1، 1400هـ/ 1980م، (4/ 251: 253) بتصرف.

[33]. محمد المثل الكامل، أحمد جاد المولى، تحقيق: عبد الرحيم مارديني، مكتبة دار المحبة، دمشق، ط1، 1412هـ/ 1991م، ص136، 137 بتصرف.

[34]. مشكلات الأحاديث النبوية، عبد الله القصيمي، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ط2، 2006م، ص154 بتصرف.

[35]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، (19/ 27، 28).

[36]. تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، أخبار اليوم، مصر، د. ت، (17/ 10834).

[37]. أحاديث معجزات الرسول التي ظهرت في زماننا، د. عبد المهدي عبد القادر عبد الهادي، مكتبة الإيمان، القاهرة، ط1، 1422هـ/ 2001م، ص41، 42 بتصرف.

[38]. درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، دار الكنوز الأدبية، بيروت، ط2، 1399هـ/ 1979م، (1/ 87: 89).

[39]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، (11/ 95).

[40]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (7/ 250).

[41]. مشكلات الأحاديث النبوية، عبد الله القصيمي، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ط2، 2006م، ص156 بتصرف.

[42]. التحرير والتنوير، الطاهر ابن عاشور، دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس، د. ت، (12/ 157).

[43]. تفسير الشعراوي، محمد متولي الشعراوي، أخبار اليوم، مصر، د. ت، (13/ 8331).

[44]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الدعوات، باب: فضل التسبيح، (11/ 210)، رقم (6406).

[45]. صحيح: أخرجه الترمذي في سننه (بشرح تحفة الأحوذي)، كتاب: صفة أهل الجنة، باب: ما جاء في خلود أهل الجنة وأهل النار، (7/ 234)، رقم (2683). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي برقم (2558).

[46]. ضلالات منكري السنة، د. طه حبيشي، مطبعة رشوان، القاهرة، ط2، 1427هـ/ 2006م، ص80.

[47]. مشكلات الأحاديث النبوية، عبد الله القصيمي، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، ط2، 2006م، ص159 بتصرف.

[48]. أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، الخطابي، تحقيق: د. محمد بن سعيد آل سعود، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ط1، 1409هـ/ 1988م، (4/ 2353، 2354) بتصرف.

[49]. الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي أبو الفضل عياض، دار الكتب العلمية، بيروت، د. ت، (1/ 205).

[50]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (3/ 37).

[51]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: المعراج، (7/ 241)، رقم (3887).

[52]. دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين، د. محمد محمد أبو شهبة، مكتبة السنة، القاهرة، ط2، 1428هـ/ 2007م، ص77.

[53]. دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصرين، د. محمد محمد أبو شهبة، مكتبة السنة، القاهرة، ط2، 1428هـ/ 2007م، ص86، 87.

[54]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى السماوات وفرض الصلوات، (2/ 604)، رقم (408).

[55]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: المعراج، (7/ 241، 242)، رقم (3887).

[56]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: مناقب الأنصار، باب: المعراج، (7/ 241، 242)، رقم (3887).

[57]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: التوحيد، باب: ) وكلم الله موسى تكليما (، (13/ 486)، رقم (7515).

[58]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء؟ (1/ 547)، رقم (349).

[59]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (1/ 55).

[60]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ذكر إدريس ـ عليه السلام ـ، (6/ 432)، رقم (3342).

[61]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: : مناقب الأنصار، باب: المعراج، (7/ 241، 242)، رقم (3887).

[62]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال، (2/ 625)، رقم (423).

[63]. انظر: نظم المتناثر من الحديث المتواتر، الكتاني، دار الكتب السلفية، مصر، ط2، د. ت، (1/ 209).

[64]. دفع الشبهات عن السنة والرسول، د. عبد المهدي عبد القادر عبد الهادي، مكتبة الإيمان، القاهرة، ط2، 1427هـ/ 2006م، ص113: 117.

read why women cheat on men want my wife to cheat
wives that cheat women who want to cheat read here
click why wives cheat on husbands dating site for married people
click here unfaithful spouse women cheat husband
signs of a cheater why married men cheat on their wives website
husbands who cheat women who cheat on husband my boyfriend cheated on me with a guy
dating a married woman all wife cheat i cheated on my husband
My girlfriend cheated on me read here signs of unfaithful husband
مواضيع ذات ارتباط

أضف تعليقا
عنوان التعليق 
نص التعليق 
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها فقط ولا تعبر عن الموقع
 
 
 
  
المتواجدون الآن
  7153
إجمالي عدد الزوار
  7742841

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي


أخى المسلم: يمكنك الأستفادة بمحتويات موقع بيان الإسلام لأغراض غير تجارية بشرط الإشارة لرابط الموقع