مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

دعوى تعارض أحاديث رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة مع القرآن الكريم(*)

مضمون الشبهة

يواصل المغرضون سرد مزاعمهم وأباطيلهم حول السنة النبوية، فينكرون الأحاديث الصحيحة التي تثبت رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة كما يرى الواحد منا الشمس والقمر، والتي منها ما جاء في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه - قال: «كنا جلوسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، قال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته...»الحديث.

زاعمين أن هذه الأحاديث تتعارض مع القرآن الكريم، والنظر العقلي السليم.

ويستدلون على ذلك بما جاء في القرآن الكريم من قوله عز وجل: )لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103)( (الأنعام)، وقوله - عز وجل - عن موسى عليه السلام: )قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني( (الأعراف: ١٤٣)، فهذه الآيات تنص على استحالة رؤية الله - عز وجل - مطلقا، الأمر الذي لا فكاك عنه من ثبوت التعارض بين هذه الآيات والأحاديث الواردة في هذا الشأن، مما يسوغ رفض هذه الأحاديث وإنكارها.

كما يزعمون أن هذه الأحاديث تخالف النظر العقلي، وتناقض حجة العقل؛ حيث إن الرؤية تستلزم الجهة ومقابلة الرائي، مما يستلزم الجسمية والتحيز، وهذا ممتنع في حق الله تعالى الذي ليس كمثله شيء، ولا يشبه أحدا من مخلوقاته.

ويتساءلون: إذا كانت هذه الأحاديث الواردة في ثبوت رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة على هذه الدرجة من التعارض مع القرآن والنظر العقلي فما المانع من إنكارها ورفضها.

رامين من وراء ذلك إلى إنكار السنة النبوية، وإبطال العمل بها، والتشكيك في ثوابت المسلمين وعقيدتهم.

وجها إبطال الشبهة:

1) إن الأحاديث النبوية الواردة في رؤية الله - تبارك وتعالى - في الآخرة أحاديث في أعلى درجات الصحة؛ حيث رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن بطرق صحيحة مختلفة ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغت حد التواتر عنه - صلى الله عليه وسلم - فقد رواها عنه ما يزيد عن عشرين صحابيا، كما لا يوجد تعارض مطلقا بين الأحاديث والآيات القرآنية، فالآيات التي استدل بها المنكرون على امتناع الرؤية هي في الواقع أدل على ثبوت الرؤية من امتناعها، كما أن هناك كثيرا من الأدلة الصريحة في القرآن الكريم على ثبوت الرؤية، ومنها قوله تعالى: )وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23)( (القيامة).

2) إن الأدلة العقلية التي اعتمد عليها المنكرون في إثبات دعواهم أدلة متهافتة فاسدة، فما هي إلا مجرد تحكمات عقلية لا دليل عليها؛ حيث قاسوا فيها أحكام الآخرة على أحكام الدنيا، وصفات الخالق على صفات المخلوق، فلا يلزم من رؤية الله وجود الجهة، أو إثبات الجسمية على غرار المخلوقين، فيجب علينا أن نثبت لله - عز وجل - كل ما أثبته لنفسه من صفات، وما أثبته له النبي - صلى الله عليه وسلم - دون تحريف أو تكييف أو تشبيه أو تعطيل أو تمثيل، كما أن رؤية الله في الآخرة لا تخالف حجة العقل، فمن تحقيق الكمال لكل موجود أن تتحقق رؤيته، إذا العدم المحض لا كمال فيه، فحق في كامل الوجود والذات والصفات أن يرى بطريق الأولى.

التفصيل:

أولا. الأحاديث الواردة في إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة صحيحة في أعلى درجات الصحة، ولا تعارض بينها وبين القرآن مطلقا:

إن الأحاديث النبوية الشريفة التي وردت في شأن رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة، أحاديث صحيحة بل في أعلى درجات الصحة، حيث جاءت في الصحيحين، وفي كتب السنة الأخرى بألفاظ متعددة، وطرق مختلفة ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى درجة أنها بلغت حد التواتر عنه صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا يستحيل أن ترد هذه الأخبار أو تكذب أو يشك في صحتها بعد أن رواها الثقات عن أمثالهم عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فقد روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله البجلي قال: «كنا جلوسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، قال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروب الشمس، فافعلوا»[1].

وقد رواه من هذا الطريق نفسه - أي طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير بن عبد الله البجلي - كثير من أصحاب السنن، ومنهم الإمام الترمذي[2]، وابن ماجه[3]، وأبو داود[4]، والإمام أحمد في مسنده[5] وغيرهم، وبنفس اللفظ الوارد في الحديث.

كما روي هذا الحديث من طرق أخرى صحيحة من غير الطريق السابق، فقد روى الإمام الترمذي في سننه من طريق جابر بن نوح الحماني، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تضامون في رؤية القمر ليلة البدر؟ تضامون في رؤية الشمس؟ قالوا: لا، قال: فإنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته»[6].

ورواه الإمام ابن ماجه في سننه من طريق يحيى بن عيسى الرملي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظه[7].

كما روى الإمام مسلم في صحيحه من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل»[8].

وقد روى الإمام مسلم - أيضا - بعض هذه الأحاديث من طريق الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي، أن أبا هريرة - رضي الله عنه - أخبره «أن ناسا قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك...» الحديث[9].

وساقه عن حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري بلفظه[10].

ولذلك قال الإمام ابن أبي العز: "وأما الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله عنهم - الدالة على الرؤية فمتواترة، رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن... وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابيا، ومن أحاط بها معرفة يقطع بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قالها"[11].

وعلى هذا يتبين أن هذه الأحاديث التي وردت في شأن رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة أحاديث صحيحة متواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يستحيل على مثلها الكذب أو مجرد الادعاء، ولذلك قال الإمام ابن قتيبة تعليقا على هذا الحديث: "إن هذا الحديث صحيح، لا يجوز على مثله الكذب؛ لتتابع الروايات عن الثقات به من وجوه كثيرة"[12].

إذا ثبت لدينا صحة هذه الأحاديث، ويقينية ثبوتها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن المغرضين يعرضون حجتهم في رد هذه الأحاديث بشيء من الدهاء والمكر؛ حيث يزعمون أن هذه الأحاديث تتعارض مع القرآن الكريم في كثير من آياته التي تنفي عنه - عز وجل - التشبيه والتمثيل، وإمكان رؤيته، ويؤيدون حجتهم بالدليل العقلي الذي يحول دون تصديق هذه الأحاديث فيقع مرادهم في رد السنة النبوية وإبطال العمل بها، فهم في ذلك لهم حجتان، إحداهما شرعية والأخرى عقلية، ونحن - بإذن الله - نجيب عن هذه الحجج واحدة تلو الأخرى.

· الرد على الحجة الشرعية في كلام المغرضين.

زعم المغرضون، ومن على شاكلتهم أن الأحاديث النبوية الصحيحة الواردة في ثبوت رؤية الله تعالى في الآخرة - مردودة لتعارضها مع آيات كثيرة في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: )لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103)( (الأنعام)، وقوله تعالى: )ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني( (الأعراف: ١٤٣).

وفي حقيقة الأمر نجد أن هذه الآيات القرآنية لا تتعارض مطلقا مع الأحاديث النبوية الواردة في هذا الشأن، بل هي أدلة قوية عليها؛ حيث تثبت في الوقت نفسه جواز رؤية الله تبارك وتعالى، وإمكانية ذلك دون مانع، وتفصيل ذلك في الآتي:

1. فقوله تعالى: )لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار( (الأنعام: ١٠٣). هو أدل على جواز الرؤية من امتناعها، وهذا ما يؤكده العلامة ابن الوزير اليماني، بقوله: "هي - أي الآية السابقة - على جواز الرؤية أدل منها على امتناعها، فإن الله سبحانه، إنما ذكرها في سياق التمدح، ومعلوم أن المدح إنما يكون في الأوصاف الثبوتية، وأما العدم المحض فليس بكمال، فلا يمدح به، وأما تمدح الرب بالعدم إذا تضمن أمرا وجوديا كمدحه بنفي السنة والنوم المتضمن كمال القيومية، ونفي الموت المتضمن كمال الحياة، ونفي اللغوب والإعياء المتضمن كمال القدرة، ونفي الشريك والصاحبة والولد والظهير المتضمن كمال ربوبيته وإلهيته وقوته، ونفي الأكل والشرب المتضمن لكمال صمديته وغناه، ونفي الشفاعة عنده بدون إذنه المتضمن كمال توحيده وغناه عن خلقه، ونفي الظلم المتضمن كمال عدله وعلمه وغناه، ونفي النسيان وعزوب شيء عن علمه المتضمن كمال علمه وإحاطته، ونفي المثل المتضمن لكمال ذاته وصفاته، ولهذا لم يتمدح بعدم محض لا يتضمن أمرا ثبوتيا؛ فإن المعدوم يشارك الموصوف في ذلك العدم، ولا يوصف الكامل بأمر يشترك هو والمعدوم فيه، فلو كان المراد بقوله: )لا تدركه الأبصار( (الأنعام: ١٠٣)، أنه لا يرى بحال، لم يكن في ذلك مدح ولا كمال لمشاركة المعدوم له في ذلك؛ فإن العدم الصرف لا يرى، ولا تدركه الأبصار، والرب - جل جلاله - يتعالى أن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض؛ فإذا المعنى: أنه يرى، ولا يدرك ولا يحاط به كما كان المعنى في قوله: )وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة( (يونس: ٦١)، أنه يعلم كل شيء، وفي قوله: )وما مسنا من لغوب (38)( (ق)، أنه كامل القدرة، وفي قوله: )ولا يظلم ربك أحدا (49)( (الكهف): أنه كامل العدل، وفي قوله: )لا تأخذه سنة ولا نوم( (البقرة: ٢٥٥)، أنه كامل القيومية، فقوله: )لا تدركه الأبصار( (الأنعام: ١٠٣)، يدل على غاية عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لعظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية... فالرب تعالى يرى ولا يدرك، كما يعلم ولا يحاط به"[13].

وقد أكد الإمام ابن حزم على هذا المعنى في رده على نفاة الرؤية عندما استدلوا بهذه الآية فقال: "وهذا لا حجة لهم فيه؛ لأن الله تعالى إنما نفى الإدراك، والإدراك عندنا في اللغة معنى زائد على النظر والرؤية، فالإدراك منتف عن الله تعالى على كل حال في الدنيا والآخرة؛ لأن في الإدراك معنى من الإحاطة ليس في الرؤية"[14].

وهذا المعنى - أيضا - هو ما أثبته الإمام ابن تيمية في رده على نفاة رؤية الله - عز وجل - في الدنيا والآخرة عند استدلالهم بهذه الآية فقال: "فالآية حجة عليهم لا لهم؛ لأن الإدراك: إما أن يراد به مطلق الرؤية، أو الرؤية، أو الرؤية المقيدة بالإحاطة، والأول باطل، لأنه ليس كل من رأى شيئا يقال: إنه أدركه، كما لا يقال: أحاط به، كما سئل ابن عباس - رضي الله عنهما - عن ذلك فقال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى، قال: أكلها ترى؟ قال: لا. ومن رأى جوانب الجيش أو الجبل أو البستان أو المدينة لا يقال: إنه أدركها، وإنما يقال: أدركها، إذا أحاط بها رؤية... فقد تقع رؤية بلا إدراك، وقد يقع إدراك بلا رؤية، فإن الإدراك يستعمل في إدراك العلم وإدراك القدرة، فقد يدرك الشيء بالقدرة وإن لم يشاهد، كالأعمى الذي طلب رجلا هاربا منه فأدركه ولم يره... ومما يبين ذلك أن الله تعالى ذكر هذه الآية يمدح بها نفسه - سبحانه وتعالى - ومعلوم أن كون الشئ لا يرى ليس صفة مدح؛ لأن النفي المحض لا يكون مدحا إن لم يتضمن أمرا ثبوتيا، ولأن المعدوم - أيضا - لا يرى، والمعدوم لا يمدح، فعلم أن مجرد نفي الرؤية لا مدح فيه"[15].

ومن خلال هذه النصوص يتبين أن المقصود بالآية عدم الإدراك والإحاطة بكنه الله عز وجل. دون امتناع للرؤية أو استحالة لحدوثها؛ إذ مجرد الرؤية لا تقتضي الإدراك والإحاطة. بل هذه الآية دليل واضح على إمكان الرؤية؛ فإن العدم المحض لا يصح التمدح به أو التفضل؛ لأنه ليس بكمال مطلقا.

وذكر الإمام ابن أبي العز هذا الاستدلال نفسه، ثم قال: "فإذن المعنى: أنه يرى ولا يدرك ولا يحاط به، فقوله: )لا تدركه الأبصار( (الأنعام: ١٠٣)، يدل على كمال عظمته، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه لكمال عظمته لا يدرك بحيث يحاط به، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية، كما قال تعالى: )فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون (61) قال كلا( (الشعراء)، فلم ينف موسى - عليه السلام - الرؤية، وإنما نفى الإدراك، فالرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يرى ولا يدرك، كما يعلم ولا يحاط به علما، وهذا هو الذي فهمه الصحابة والأئمة من الآية"[16].

وعلى هذا نقطع بأن المراد من الآية ليس نفي الرؤية، وإنما هو نفي الإدراك والإحاطة؛ إذ لا يلزم من الرؤية العلم بكنه المرئي وحقيقة ذاته، وهذا المعني - أيضا - جاء في كتب التفاسير عند تفسير هذه الآية، فقد قال الإمام القرطبي: "قوله تعالى: )لا تدركه الأبصار( (الأنعام: ١٠٣)، بين سبحانه أنه منزه عن سمات الحدوث، ومنها الإدراك بمعنى الإحاطة والتحديد، كما تدرك سائر المخلوقات، والرؤية ثابتة، قال الزجاج: أي لا يبلغ كنه حقيقته، كما تقول: أدركت كذا وكذا؛ لأنه قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأحاديث في الرؤية يوم القيامة"[17].

وقد ذكر الإمام ابن كثير هذا المعنى - أيضا - عند تفسير هذه الآية، فنقل عن العلماء قولهم: إنه "لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم، ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي ما هو؟ فقيل: معرفة الحقيقة؛ فإن هذا لا يعلمه إلا هو، وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك، وله المثل الأعلى...وقال آخرون: الإدراك أخص من الرؤية وهو الإحاطة، قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم"[18].

هذا قول أهل العلم والمفسرين في هذه الآية، فقد أثبتت أقوالهم أن هذه الآية في حقيقتها دليل على جواز الرؤية وثبوتها لا على امتناعها واستحالتها، فالرؤية ثابتة، والإحاطة والإدراك للحقيقة هما الممتنعان، ولا خلاف بهذا ولا تعارض بين الآيات والأحاديث النبوية في هذا الشأن، فالمؤمنون يرون ربهم في الآخرة - لا شك في هذا - ولكن لا يحيطون به رؤية وإدراكا وتحديدا، فلا يلزم من الرؤية إدراك وإحاطة.

2.  أما استدلالهم على ثبوت دعواهم بقوله تعالى: )ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين (143)( (الأعراف) - فهو استدلال واه ضعيف، فالآية - أيضا - دليل واضح على ثبوت رؤية الله تعالى وإمكانها، لا على امتناعها أو استحالتها، فالله تبارك وتعالى في هذه الآية لم ينف عن ذاته الرؤية أو إمكان حدوثها، وإنما نفى رؤية موسى - عليه السلام - له في الدنيا.

وعلى هذا، فالآية دليل على ثبوت رؤية الله - عز وجل - من وجوه ذكرها الإمام ابن أبي العز في شرح الطحاوية، فقال: "أما الآية فالاستدلال منها على ثبوت رؤيته من وجوه:

أحدها: أنه لا يظن بكليم الله ورسوله الكريم وأعلم الناس بربه في وقته - أن يسأل ما لا يجوز عليه، بل هو من أعظم المحال.

الثاني: أن الله لم ينكر عليه سؤاله، ولما سأل نوح - عليه السلام - ربه نجاة ابنه أنكر عليه سؤاله، وقال: )إني أعظك أن تكون من الجاهلين (46)( (هود).

الثالث: أنه تعالى قال: )لن تراني( (الأعراف: ١٤٣)، ولم يقل: إني لا أرى، أو لا تجوز رؤيتي، أو لست بمرئي، والفرق بين الجوابين ظاهر، ألا ترى أن من كان في كمه حجر فظنه رجل طعاما، فقال: أطعمنيه، فالجواب الصحيح: إنه لا يؤكل، أما إذا كان طعاما صح أن يقال: إنك لن تأكله. وهذا يدل على أنه سبحانه مرئي، ولكن موسى - عليه السلام - لا تحتمل قواه رؤيته في هذه الدار، لضعف قوى البشر فيها عن رؤيته تعالى، يوضحه:

الرابع: وهو قوله سبحانه وتعالى: )ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني( (الأعراف: ١٤٣)، فأعلمه أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت للتجلي في هذه الدار، فكيف بالبشر الذي خلق من ضعف؟

الخامس: أن الله سبحانه قادر على أن يجعل الجبل مستقرا، وذلك ممكن، وقد علق به الرؤية، ولو كانت محالا لكان نظير أن يقول: إن استقر الجبل فسوف آكل وأشرب وأنام. والكل سواء.

السادس: قوله تعالى: )فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا( (الأعراف: ١٤٣)، فإذا جاز أن يتجلى للجبل، الذي هو جماد لا ثواب له ولا عقاب، فكيف يمتنع أن يتجلى لرسوله وأوليائه في دار كرامته؟ ولكن الله تعالى أعلم موسى - عليه السلام - أن الجبل إذا لم يثبت لرؤيته في هذه الدار، فالبشر أضعف.

السابع: أن الله كلم موسى وناداه وناجاه، ومن جاز عليه التكلم والتكليم وأن يسمع مخاطبه كلامه بغير واسطة - فرؤيته أولى بالجواز؛ ولهذا لا يتم إنكار رؤيته إلا بإنكار كلامه، وأما دعواهم تأبيد النفي بـ(لن) وأن ذلك يدل على نفي الرؤية في الآخرة - ففاسد؛ فإنها لو قيدت بالتأبيد لا يدل على دوام النفي في الآخرة، فكيف إذا أطلقت؟ قال تعالى: )ولن يتمنوه أبدا( (البقرة: ٩٥)، مع قوله: )ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك( (الزخرف:٧٧)؛ ولأنها لو كانت للتأبيد المطلق لما جاز تحديد الفعل بعدها، وقد جاء ذلك، قال تعالى: )فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي( (يوسف: ٨٠)، فثبت أن (لن) لا تقتضي النفي المؤبد"[19].

وعلى هذا يتضح تمام الاتضاح أن هذه الآية دليل واضح في إثبات رؤية الله وإمكانها، ولا تصلح دليلا على خلاف ذلك، فالله تبارك وتعالى لم ينف عن ذاته الرؤية مطلقا، وإنما نفى عن موسى - عليه السلام - أن يراه وهو في حالته البشرية هذه التي لا يستطيع معها تحمل رؤية الله - عز وجل - لجلاله وعظمته، وإنما تقع هذه الرؤية في الآخرة؛ حيث تبدل الأبصار، وتكتسب القوة لرؤيته - سبحانه وتعالى - وذلك كما قال ابن حزم: "إنه تعالى يرى في الآخرة بقوة غير هذه القوة الموضوعة في العين الآن، لكن بقوة موهوبة من الله عز وجل.

وبيان ذلك أننا نعلم الله تعالى بقلوبنا علما صحيحا - وهذا لا شك فيه - فيضع الله تعالى يوم القيامة في الأبصار قوة يشاهد الله تعالى بها ويرى كالتي وضعها في الدنيا في القلب، وكالتي وضعها الله تعالى في أذن موسى عليه السلام"[20].

وقد ذكر الإمام ابن الوزير اليماني كل هذه الوجوه مفصلة في رده على نفاة الرؤية عند استدلالهم بهذه الآية، وأكد أن هذه الآية دليل عليهم، فهي في إثبات الرؤية أكثر من نفيها[21].

وعلى هذا تذهب حجج منكري السنة ونفاة الرؤية هباء، لا تستقيم أدلتهم على صحة دعواهم، بل هي منعكسة عليهم، وحجة في إبطال قولهم، وبهذا تنتفي حجتهم في التعارض بين الأحاديث النبوية، والقرآن الكريم، وتذهب أقوالهم أدراج الرياح، وتثبت النصوص الشرعية متفقة متلائمة لا خلاف فيها ولا تعارض، ولا يقع بينها تناقض أبدا، بل إن الأدلة من القرآن الكريم جاءت واضحة في إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة، ومن أهم هذه الأدلة، ما يأتي:

1. قوله تعالى: )وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23)( (القيامة)؛ ذلك لأن الفعل (نظر) إذا جاء مع حرف الجر (إلى) كان معناه المشاهدة بالعين، وقد أضيفت إلى الوجوه التي هي محل البصر؛ ليفهم أن المراد نظر العين.

2. قوله تعالى: )لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد (35)( (ق)، وقيل في تفسير: )ولدينا مزيد( أن المقصود بها هو النظر إلى وجه الله عز وجل.

3. قوله تعالى: )للذين أحسنوا الحسنى وزيادة( (يونس: ٢٦)؛ فالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجهه الكريم، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل»[22].

4. قوله تعالى: )كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15)( (المطففين)، وقد سئل الإمام الشافعي عن هذه الآية، فقال: "لما حجب هؤلاء في السخط، كان في ذلك دليل على أن أولياءه يرونه في الرضا"[23].

وعليه فلا يوجد أي تعارض بين أحاديث رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة مع القرآن الكريم - كما يزعم الزاعمون.

ثانيا. الأدلة العقلية على نفي رؤية الله تعالى أدلة فاسدة مردودة بالعقل والنقل:

احتج المغرضون ونفاة رؤية الله تعالى بدليل عقلي لثبوت دعواهم؛ وإنفاذ قولهم، ومؤدى هذا الدليل العقلي: أن الرؤية تؤدي إلى ثبوت الجهة لله تعالى، وأن ثبوتها يؤدي إلى التجسيم، وأن الأجسام متماثلة، وأنه يجب في كل مثلين أن يشتركا في كل ما يجب ويجوز ويستحيل، وفي هذه الحالة يجب نفي الرؤية خروجا من التشبيه والتمثيل والتجسيم لله عز وجل.

هذه حجة عقلية خرج بها المغرضون زاعمين نفي الرؤية واستحالتها تنزيها لله تبارك وتعالى عن التجسيم والتشبيه بالمخلوقات، وصفة الرؤية هنا مثلها مثل كثير من صفات الله تبارك وتعالى الثبوتية الخبرية والتي منها: الوجه واليد والسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة، والتي يظن بها أنها تماثل صفات المخلوقين، فهذه الصفات كلها ثابتة في حق الله تعالى على خلاف ما في أحكامنا؛ حيث إن ذات الله تبارك وتعالى المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين، وصفاته كذلك ليست مثل صفات المخلوقين.

وعلى هذا فإننا نثبت لله - تبارك وتعالى - الرؤية على ما جاءت به النصوص الصحيحة الصريحة في القرآن والسنة من غير تحريف ولا تكييف ولا تجسيم، ولا تمثيل، فهو - عز وجل - منزه عن الجسمية والكيفية، وإنما شبه النبي - صلى الله عليه وسلم - الرؤية بالرؤية في الحديث، ولم يشبه المرئي بالمرئي.

يقول الإمام ابن تيمية: "فإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين فصفاته كذاته ليست كصفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه كنسبة صفة الخالق إليه، وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر" فشبه الرؤية بالرؤية، ولم يشبه المرئي بالمرئي"[24].

وكل ما أوردوه على أنه حجج عقلية ما هي إلا تحكمات باطلة لا دليل عليها، فما الجهة التي يثبتونها؟، وأي دليل هناك على أن كل من هو في جهة فهو جسم؟، فهؤلاء وأمثالهم قاسوا أحكام الدنيا وقوانينها على أحكام الآخرة وغيبياتها، وردوا بعقولهم القاصرة النصوص الصحيحة، وكذبوها، مما جاء في الرؤية والاستواء على العرش.

 يقول ابن تيمية: "فهذه النصوص يصدق بعضها بعضا، والعقل - أيضا - يوافقها، ويدل على أنه سبحانه مباين لمخلوقاته فوق سماواته، وأن وجود موجود لا مباين للعالم ولا مجانس له محال في بديهة العقل، فإذا كانت الرؤية مستلزمة لهذه المعاني فهذا حق، وإذا سميتم أنتم هذا قولا بالجهة وقولا بالتجسيم لم يكن هذا القول نافيا لما علم بالشرع والعقل، إذ كان معنى هذا القول - والحال هذه - ليس منتفيا لا بشرع ولا عقل.

ويقال لهم: ما تعنون بأن هذا إثبات للجهة، والجهة ممتنعة؟! أتعنون بالجهة أمرا وجوديا أو أمرا عدميا؟!

فإن أردتم أمرا وجوديا - وقد علم أنه ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق، والله فوق سماواته بائن من مخلوقاته، لم يكن - والحالة هذه - في جهة موجودة؛ فقولكم: "إن المرئي لابد أن يكون في جهة موجودة" قول باطل، فإن سطح العالم مرئي، وليس هو في عالم آخر.

وإن فسرتم الجهة بأمر عدمي كما تقولون: إن الجسم في حيز، والحيز تقدير مكان وتجعلون ما وراء العالم حيزا.

فيقال لكم: الجهة - والحيز - إذا كان أمرا عدميا فهو لا شيء، وما كان في جهة عدمية أو حيز عدمي، فليس هو في شيء، ولا فرق بين قول القائل: هذا ليس في شيء وبين قوله: هو في العدم أو أمر عدمي، فإذا كان الخالق تعالى مباينا للمخلوقات، عاليا عليها، وما ثم موجود إلا الخالق أو المخلوق، لم يكن معه غيره من الموجودات، فضلا عن أن يكون هو سبحانه في شيء موجود يحصره أو يحيط به"[25].

وبهذا يتبين أن حجة منكري السنة ومن قبلهم نفاة الرؤية، في سياقها العقلي - تبدو متهافتة واهية لا تقوم إلا على مجموعة من التحكمات العقلية دون دليل أو حجة برهانية واضحة؛ حيث يصرفون ظاهر النصوص إلى تأويلات وتحريفات باطلة يعتمدون فيها قياس أحكام الدنيا وقصور أحوالها على الآخرة وأمور الله - عز وجل - فادعوا وجود جهة لكل مرئي قياسا على وجوده في الدنيا. فقاسوا الغائب على الشاهد، وهذا محال هنا، فما دامت ذات الغائب مباينة للشاهد فكذلك صفاته، فلا يجوز بحال قياس صفات الله تعالى على صفات الإنسان والمخلوقات. كما أن الرؤية لا يلزم عنها الجسمية التي هي في ذهنهم عبارة عن جواهر وأعراض وأجزاء وأبعاض كما هي عند الحوادث.

يقول الإمام ابن تيمية: "وهذا البحث العقلي لم يرتبط به دين المسلمين، بل لم ينطق كتاب ولا سنة ولا أثر من السلف بلفظ الجسم في حق الله تعالى لا نفيا ولا إثباتا، فليس لأحد أن يبتدع اسما مجملا يحتمل معاني مختلفة لم ينطق به الشرع ويعلق به دين المسلمين... فإذا كان معتقده أن الأجسام متماثلة، وأن الله تعالى ليس كمثله شيء وهو سبحانه ولا سمي له ولا كفو له ولا ند له. فهذه عبارات القرآن تؤدي هذا المعنى بلا تلبيس ولا نزاع، وإن كان معتقده أن الأجسام غير متماثلة، وأن كل ما يرى وتقوم به الصفات فهو جسم، فإن عليه أن يثبت ما أثبته الله ورسوله من علمه وقدرته وسائر صفاته. كقوله تعالى: )ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء( (البقرة: ٢٥٥)، وقوله: )إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين (58)( (الذاريات)، وقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث الاستخارة: «اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك»[26]، وقوله في الحديث الآخر: «اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق»[27]، ويقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته» فشبه الرؤية بالرؤية، وإن لم يكن المرئي كالمرئي. فهذه عبارات الكتاب والسنة عن هذا المعنى الصحيح بلا تلبيس، ولا نزاع بين أهل السنة المتبعين للكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ثم بعد هذا من كان قد تبين له معنى من جهة العقل أنه لازم للحق لم يدفعه عن عقله فلازم الحق حق، لكن ذلك المعنى لابد أن يدل الشرع عليه، فيبينه بالألفاظ الشرعية، وإن قدر أن الشرع لم يدل عليه لم يكن مما يجب على الناس اعتقاده"[28].

هذه هي طريقة السلف وعلماء الأمة في إثبات صفات الله تعالى كلها، فهم يثبتون لله تبارك وتعالى ما أثبته الله ورسوله من جميع الصفات والأسماء دون تكييف أو تمثيل أو تشبيه أو تعطيل. فالله - عز وجل - قد أثبت لنفسه الرؤية صراحة، وأثبتها له النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا حاجة لإنكار هذا أو تعطيله.

وعلى هذا؛ فمن خلال هذا العرض لأدلة منكري السنة ونفاة رؤية الله - عز وجل - في الآخرة يتبين أن كل استدلال اعتمدوا عليه في دعواهم، سواء السمعي منها أم العقلي، هو في الأساس حجة عليهم، ودليل قاطع في بطلان دعواهم.

فالأدلة الشرعية متفقة تمام الاتفاق في إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة وجاءت بهذا تصريحا - على نحو ما ذكرنا - فلا تعارض مطلقا بين الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في هذا الشأن، والأدلة الواردة في إثبات هذا التعارض هي في حقيقة الأمر أدلة في جواز الرؤية وثبوتها، كما أن أدلتهم العقلية في نفي الرؤية ما هي إلا تحكمات لا دليل عليها ولا حجة فيها.

الخلاصة:

·   إن الأحاديث النبوية الورادة في إثبات رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة - أحاديث صحيحة في أعلى درجات الصحة، حيث رواها الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما، كما وردت في كتب السنة الأخرى بطرق مختلفة صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

·   لقد بلغت أحاديث إثبات الرؤية حد التواتر عن النبيـ صلى الله عليه وسلم - حيث رواها ما يزيد عن عشرين صحابيا، وعلى هذا يستحيل تكذيب هذه الأخبار، والشك في صحتها بعد أن رواها الثقات عن أمثالهم عن النبي صلى الله عليه وسلم.

·   إن الآيات القرآنية التي استدل بها المغرضون ونفاة الرؤية على وجود التعارض بينها وبين الأحاديث النبوية - هي في حقيقة الأمر أدلة قاطعة على إثبات الرؤية، فهي دليل عليهم وحجة ضدهم، حيث إنها تثبت في الوقت نفسه جواز رؤية الله تعالى وإمكان حدوثها، ولا تعارض مطلقا بين النصوص الشرعية الصحيحة.

·   إن قول الله تعالى: )لا تدركه الأبصار( (الأنعام: ١٠٣)، من أقوى الأدلة على جواز رؤيته تعالى؛ حيث إن الآية ذكرها الله تعالى على سبيل التمدح. فهي من الصفات الثبوتية له - عز وجل - حيث إن العدم المحض لا يجوز التمدح به إلا إذا أثبت وجودا، وامتناع الرؤية لا يتضمن كمالا في ذاته.

·   كما أن الآية السابقة لا تنفي الرؤية، وإنما تنفي الإدراك، فالرؤية لا يلزم عنها إحاطة وإدراك لذات الله العلية؛ حيث إن الإدراك معنى زائد عن النظر والرؤية، فالإدراك منتف عن الله تعالى في الدنيا والآخرة، ولا يلزم عن هذا استحالة الرؤية، فأبصار المؤمنين تراه سبحانه في الآخرة ولكن لا تحيط به إدراكا.

·   إن قول الله - عز وجل - مخاطبا موسى عليه السلام: )لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني( (الأعراف: ١٤٣)، هو - أيضا - من أقوى الأدلة على إثبات رؤية اللهـ عز وجل - حيث إن الله تبارك وتعالى نفى عن موسى - عليه السلام - أن يراه في الدنيا على هذه الحالة البشرية الضعيفة ولم يقل إنه لا يرى، كما لا يجوز لموسى - عليه السلام - وهو أعلم الناس بربه أن يسأل الله ما لا يجوز عليه، كما أن الله تعالى لم ينكر عليه سؤاله، وإنما قال: لن تراني، ولم يقل: إني لا أرى، فالآية - أيضا - دليل واضح على ثبوت الرؤية.

·   لقد جاءت نصوص القرآن الكريم مصرحة ومعرضة برؤية الله - عز وجل - في الآخرة، ومن أهمها قوله تعالى: )وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23)( (القيامة)، وقوله تعالى: )لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد (35)( (ق)، وقوله تعالى: )للذين أحسنوا الحسنى وزيادة( (يونس: ٢٦)، وقوله تعالى في شأن الكافرين: )كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15)( (المطففين)، وهذه الآيات كلها تدل بوضوح على ثبوت رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة.

·   إن الأدلة العقلية التي احتج بها المغرضون على نفي الرؤية - أدلة متهافتة واهية، ليست إلا تحكمات عقلية لا دليل عليها؛ فالله تعالى لا يماثل أحدا من مخلوقاته لا في ذاته ولا في صفاته، فلا يجوز بحال أن نقيس أحكامنا في الدنيا على الآخرة، وعلى أحكام الله - عز وجل - فنحن نثبت لله تبارك وتعالى ما وصف به نفسه، وما وصفه به نبيه - صلى الله عليه وسلم - دون تحريف أو تعطيل أو تمثيل أو تكييف، فنثبت لله تعالى العلو والرؤية دون أن يماثل هذا أحدا من المخلوقين، أو يثبت لله الجسمية.

·   إن رؤية الله تبارك وتعالى ثابتة عقلا، فالعقل يقر بأن كل موجود تجوز رؤيته، ولا يلزم من ذلك الجسمية والتشبيه لله تعالى، فالله تعالى مباين للخلق، ليس كمثله شيء، وعلى هذا فرؤية المؤمنين ربهم في الآخرة ثابتة بالعقل والنقل، ومن ثم فلا تعارض مطلقا بين القرآن والسنة.

 



(*) تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة، تحقيق: أبو المظفر سعيد بن محمد السناري، دار الحديث، القاهرة، ط1، 1427هـ/ 2006م. العواصم والقواصم، ابن الوزير اليماني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة ناشرون، دمشق، ط1، 1429هـ/ 2008م.

[1]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: التوحيد، باب: قوله تعالى ) وجوه يومئذ ناضرة (22) (، (13/ 429)، رقم (7434). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: المساجد، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر..، (3/ 1212)، رقم (1407).

[2]. صحيح: أخرجه الترمذي في سننه (بشرح تحفة الأحوذي)، كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في رؤية الرب تبارك وتعالى، (7/ 224)، رقم (2675). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي برقم (2551).

[3]. صحيح: أخرجه ابن ماجه في سننه، المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية، (1/ 63)، رقم (177). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه برقم (177).

[4]. صحيح: أخرجه أبو داود في سننه (بشرح عون المعبود)، كتاب: السنة، باب: في الرؤية، (13/ 37)، رقم (4714). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود برقم (4729).

[5]. صحيح: أخرجه الإمام أحمد في مسنده، مسند الكوفيين، من حديث جرير بن عبد الله، رقم (19271). وقال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: إسناده صحيح على شرط الشيخين.

[6]. صحيح: أخرجه الترمذي في سننه (بشرح تحفة الأحوذي)، كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في رؤية الرب تبارك وتعالى، (7/ 228)، رقم (2679). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي برقم (2554).

[7]. صحيح: أخرجه ابن ماجه في سننه، المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية، (1/ 63)، رقم (178). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه برقم (178).

[8]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم، (2/ 648)، رقم (442).

[9]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية، (2/ 651)، رقم (445).

[10]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية، (2/ 652)، رقم (447).

[11]. شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط1، 1391هـ، ص128، 129.

[12]. تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة، تحقيق: أبو المظفر سعيد بن محمد السناري، دار الحديث، القاهرة، ط1، 1427هـ/ 2006م، ص273.

[13]. العواصم والقواصم، ابن الوزير اليماني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة ناشرون، دمشق، ط1، 1429هـ/ 2008م، (2/ 199، 200).

[14]. الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم، تحقيق: د. محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، ط1، 1405هـ / 1985م، (3/ 8).     

[15]. منهاج السنة النبوية، ابن تيمية، تحقيق: محمد أيمن الشبراوي، دار الحديث، القاهرة، 1425هـ/ 2004م، (2/ 134).

[16]. شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط1، 1391هـ، ص127، 128.

[17]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 1405هـ/ 1985م، (7/ 54).

[18]. تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، 1400هـ/ 1980م، (2/ 161).

[19]. شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط1، 1391هـ، ص126، 127.

[20]. الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم، تحقيق: د. محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، ط1، 1405هـ/ 1985م، (3/ 8).

[21]. انظر: العواصم والقواصم، ابن الوزير اليماني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة ناشرون، دمشق، ط1، 1429هـ/ 2008م، (2/ 192: 194).

[22]. صحيح مسلم، (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين ـ في الآخرة ـ لربهم، (2/ 648)، رقم (442).

[23]. انظر تفصيل هذه الأدلة وغيرها في: العواصم والقواصم، ابن الوزير اليماني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة ناشرون، دمشق، ط1، 1429هـ/ 2008م، (2/ 205:195). شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط1، 1391هـ، ص126:123. شرح العقيدة الواسطية، محمد صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، السعودية، ط3، 1416هـ، (1/ 454:448).

[24]. مجموع الفتاوى، ابن تيمية، تحقيق: أنور الباز وعامر الجزار، دار الوفاء، مصر، ط3، 1426هـ/ 2005م، (3/ 47).

[25]. درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، دار الكنوز الأدبية، الرياض، د. ت، (1/ 253، 254).

[26]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الدعوات، باب: الدعاء عند الاستخارة، (11/ 187)، رقم (6382).

[27]. صحيح: أخرجه النسائي في سننه الكبرى، كتاب: صفة الصلاة، باب: نوع آخر، رقم (1228). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن النسائي برقم (1305).

[28]. مجموع الفتاوى، ابن تيمية، تحقيق: أنور الباز وعامر الجزار، دار الوفاء، مصر، ط3، 1426هـ/ 2005م، (17/ 320:318).

read why women cheat on men want my wife to cheat
click here unfaithful spouse women cheat husband
signs of a cheater why married men cheat on their wives website
reasons wives cheat on their husbands why husbands cheat why do men have affairs
generic viagra softabs po box delivery viagra 50 mg buy viagra generic
website why are women unfaithful redirect
husband cheat online online affair
My girlfriend cheated on me my wife cheated on me with my father signs of unfaithful husband
My girlfriend cheated on me my wife cheated on me with my father signs of unfaithful husband
مواضيع ذات ارتباط

أضف تعليقا
عنوان التعليق 
نص التعليق 
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها فقط ولا تعبر عن الموقع
 
 
 
  
المتواجدون الآن
  5293
إجمالي عدد الزوار
  9117281

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي


أخى المسلم: يمكنك الأستفادة بمحتويات موقع بيان الإسلام لأغراض غير تجارية بشرط الإشارة لرابط الموقع