مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

 الزعم أن ديانة إبراهيم

- عليه السلام - بديل

يغني عن السنة(*)

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المغرضين أن العمل في الإسلام يكون بالقرآن، ثم بديانة إبراهيم - عليه السلام - ولا حاجة للسنة؛ لأن شريعة إبراهيم في نظرهم أتت بكل شرائع الإسلام، ويستدلون على ذلك، بقوله عز وجل: )وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (73)( (الأنبياء), وما الإسلام إلا هذا. ثم إن شريعة إبراهيم - عليه السلام - أم الشرائع وأصلها، أما السنة فهي فرع عنها؛ لأن إبراهيم أبو الأنبياء، وهم فرع عنه. قال تعالى: )ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (123)( (النحل). متسائلين: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا نترك الأصل ونأخذ بالفرع؟ قاصدين من وراء ذلك إلى هدم السنة بعد نفي حجيتها.

وجوه إبطال الشبهة:

1) لقد جعل الله - عز وجل - الأديان جميعا متفقة في أصول العقيدة,قال عز وجل: )وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25)( (الأنبياء), وجعل - عز وجل - لكل نبي سنة لقومه تهديهم إلى الطريق المستقيم بما يتوافق وحال هؤلاء القوم، وزمانهم ومكانهم، قال عز وجل: )لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا( (المائدة: 48), ولما كان الإسلام آخر رسالات السماء إلى الأرض أتت شريعته شاملة لما قبلها ومهيمنة عليها.

2) إن العلاقة بين الإسلام وما قبله من شرائع ليست علاقة الفرع بأصوله، وإنما هي علاقة التأكيد في مجال العقيدة وأصول الأخلاق، والهيمنة عليها في مجال الشرائع والأحكام إذ إن مصدر كل هذه الشرائع هو الله عز وجل.

3) لم يرد إلينا شيء يوثق به عن ملة إبراهيم - عليه السلام - وصحفه لا في التاريخ ولا في التوارة والإنجيل المحرفين إلا ما جاء في القرآن الكريم، كما أن المدعين لم يستندوا إلى آثار موجودة نأخذ منها ملة إبراهيم وشرائعه، وإنما استدلوا بآيات من القرآن على وجودها ووجوب اتباعها وهي أدلة عليهم لا لهم؛ إذ إنها تعني اتباع ملة إبرهيم في العقيدة وأصول الفطرة التي فطر الله عليها عباده، لا في الشرائع وتفصيلاتها التي أوكل القرآن غالبها للسنة، وأوجب اتباع الرسول وطاعته فيها، وبهذا يتبين أن المغرضين إنما أرادوا بزعمهم هذا ملء الفراغ الذي أحدثه إنكارهم للسنة.

التفصيل:

أولا. اتفاق الأديان جميعا في الأصول، واختلافها في الفروع:

من المعلوم بداهة أن شريعة الإسلام اتفقت والشرائع السابقة، بما فيها شريعة إبراهيم - عليه السلام - في أمور كثيرة، وافترقت أيضا في أمور جاء بها النبي - صلى الله عليه وسلم - لكي يقررها لأمته، وإذا ما نظرنا إلى مواضع الاتفاق نجد أن جوهر الرسالات السماوية واحد، وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونبذ ما يعبد من دونه، وقد عرض القرآن الكريم هذه القضية، وأكدها في مواضع متعددة، يقول عز وجل: )وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25)( (الأنبياء).

وليست الدعوة إلى عبادة الله وحده هي القضية الوحيدة التي اتفقت فيها الرسالات، فأماكن الاتفاق كثيرة، منها أمور الاعتقاد، والقواعد العامة التي لا بد أن تعيها البشرية في مختلف العصور كقاعدة الثواب والعقاب، وكثير من العبادات التي نقوم بها، كانت معروفة عند الرسل السابقين وأتباعهم، قال عز وجل: )وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (73)( (الأنبياء), وعن إسماعيل - عليه السلام - قال عز وجل: )وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا (55)( (مريم)، وقال الله لموسى عليه السلام: )وأقم الصلاة لذكري (14)( (طه)، وعن عيسى - عليه السلام - قال عز وجل: )وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31)( (مريم).

كما أن الصوم فرض على من قبلنا كما فرض علينا )يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (183)( (البقرة).

ولكن مما تجدر ملاحظته في هذا الصدد أن شرائع الأنبياء تختلف في أمور كثيرة، فشريعة عيسى تخالف شريعة موسى في بعض الأمور، وشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - تخالف شريعة موسى وعيسى في أمور[1]، قال عز وجل: )لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا( (المائدة: 48)، والشرعة هي الشريعة وهي السنة، والمنهاج هو الطريق والسبيل.

وذكر القرطبي في تفسيره أن قوله عز وجل: )لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا( يدل على عدم التعلق بشرائع الأولين[2]، بما فيها شريعة إبراهيم - عليه السلام - وفي هذا دلالة على فساد هذه الشبهة وبطلانها، ودعوة أيضا إلى التمسك بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ إن الشرعة والشريعة هي الطريقة الظاهرة - كما أسلفنا الذكر - وهو تعريف السنة أيضا - التي يتوصل بها إلى النجاة، والشريعة في اللغة: الطريق الذي يتوصل منه إلى الماء، والشريعة ما شرع الله لعباده من الدين، وقد شرع لهم يشرع شرعا أي سن.

وانسجاما مع هذا يأتي قول ابن عباس والحسن وغيرهما شرعة ومنهاجا: أي سنة وسبيلا، ومعنى الآية أنه جعل التوراة لأهلها، والإنجيل لأهله، والقرآن لأهله، وهذا في الشرائع والعبادات، والأصل التوحيد لا اختلاف فيه كما روي ذلك عن قتادة، وقال مجاهد: الشرعة والمنهاج دين محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد نسخ به كل ما سواه[3].

واعتمادا على ما سبق نعلم أن الله - عز وجل - اختار لكل أمة شريعة مناسبة لظروفها، وزمانها، ومكانها، فحرم على اليهود أشياء كانت حلالا لهم، لما ظلموا, قال عز وجل: )فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا (160)( (النساء), ثم اقتضت حكمة الله أن يحل لهم بعض الذي حرم عليهم حينما بعث لهم عيسى - عليه السلام - فقال على لسانه: )ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم( (آل عمران: 50), وهكذا تختلف الشرائع، فالتحريم كان في زمن موسى - عليه السلام - والحل في عهد عيسى عليه السلام.

ولأن الإسلام آخر رسالات السماء إلى الأرض، ومحمدا - صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء، قال عز وجل: )ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين( (الأحزاب: 40), لذلك أتت شريعته شاملة لكل ما قبلها، مضيفة إليه ما شاء الله، ومهيمنة على كل الشرائع، لتكون صالحة للجميع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

قال تعالى: )وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكـم جميعـا فينبئكـم بمـا كنتـم فيـه تختلفـون (48)( (المائدة)

من أجل هذا فقد تولى الله - عز وجل - حفظ دينه قرآنا وسنة، فقال: )إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9)( (الحجر). فظل منذ بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها دون تحريف أو تبديل لتتحقق ديمومة الرسالة، فهل كان لصحف إبراهيم هذا الحفظ؟ وأين هذه الصحف التي تريدونها بديلا عن السنة؟!

وإذا كان المغرضون يدعون: أن شريعة إبراهيم تضمنت شرائع كل الأديان ومنها الإسلام، فجاءت بصلاة، وزكاة، ونادت بفعل الخيرات، واستدلوا بقوله عز وجل: )وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة( (الأنبياء: ٧٣). قلنا لهم: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين في دعواكم، فأين هي صحف إبراهيم؟ وهل نجد في صحف إبراهيم - المفقودة - تفصيلات الصلاة، من ركوع وسجود وتسبيح وقراءة؟ أم أنها - كما قال بعضهم - الصلاة الواردة في قوله عز وجل: )وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية( (الأنفال: ٣٥). يقولون إنها صلاة إبراهيم، ونقلت متواترة عن أبي لهب، وأبي جهل، وغفلوا، أو تغافلوا[4]، عن عجز الآية: )فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106)( (آل عمران).

وإذا كانوا سيأخذون دينهم من أبي لهب وأبي جهل وغيرهما من المحاربين للإسلام والصادين، الذين أدخلوا الشرك في ملة إبراهيم وشريعته، كما حدث في الحج وغيره من العبادات والمناسك فهل سيحجون على طريقتهم؟! كما أن هؤلاء الرواة الذين أخذت عنهم تلك الصلاة ذات المكاء والتصدية عند البيت كانوا يعبدون اللات والعزى وغيرها من الأصنام ويصلون لها، فمن أين لنا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى حتى يعبدها هؤلاء الذين يأخذون بملة إبراهيم عن أبي لهب وأبي جهل بديلا عن السنة النبوية.

وأخيرا نقول: إن الإسلام دين الله الخاتم، يقوم على القرآن والسنة لا غنى له عن أحدهما، فالقرآن وحي الله المتلو المنزل على نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالأحكام والشرائع، والسنة وحي الله غير المتلو الشارح للقرآن تفصيلا، وتبيينا وتقييدا وتخصيصا؛ وذلك أن القرآن والسنة للدين كالجناحين للطائر، إذا فقد أحدهما لا يستطيع الطيران بالآخر، وكان فريسة سهلة المنال، وإذا كانت كل الرسالات السماوية متفقة في الأصول، فإنها تختلف في الفروع، كل بما يناسب زمانه.

وهكذا تتهافت أمام المنطق والعقل والتاريخ تلك الدعوى التي ينكر أصحابها السنة ويقيمون ملة إبراهيم مقامها.

ثانيا. علاقة الإسلام بالأديان السماوية السابقة:

إن العلاقة بين الإسلام وما قبله من الأديان السماوية، إنما هي علاقة التأكيد على عقيدة التوحيد والهيمنة على الشرائع السابقة؛ إذ إن الرسالات السماوية السابقة على الإسلام، أنزلت لأقوام دون غيرهم، والرسالة الخاتمة أنزلت على خاتم الأنبياء والرسل، رسالة عامة للبشرية كلها، بل عامة للإنس والجن، وهذا يقتضي أن تمتاز هذه الرسالة عن غيرها من الرسالات بما يجعلها صالحة لكل زمان ومكان، وقد جعلها الله كذلك، وأنزل على رسوله - صلى الله عليه وسلم - قبيل وفاته: )اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا( (المائدة: ٣).

مما يؤكد أن الإسلام بقرآنه وسنته لا يحتاج إلى إضافة أو تغيير، وأن الله تعالى ارتضى للمؤمنين هذا الدين بما اشتمل عليه، فكيف نستبدل به غيره؟!

وقد بين الشيخ سيد قطب رحمه الله هذا المعنى، وجلاه في تفسيره لهذه الآية، فقال: "إن المؤمن يقف أولا أمام كمال هذا الدين، يستعرض موكب الإيمان، وموكب الرسالات، وموكب الرسل، منذ فجر البشرية، ومنذ أول رسول - آدم عليه السلام - إلى هذه الرسالة الأخيرة: رسالة النبي الأمي إلى البشر أجمعين.

فماذا يرى؟ يرى هذا الموكب المتطاول المتواصل، موكب الهدي والنور، ويرى معالم الطريق على طول الطريق، ولكنه يجد كل رسول - قبل خاتم النبيين - إنما أرسل إلى قومه، ويرى كل رسالة - قبل الرسالة الأخيرة - إنما جاءت لمرحلة من الزمان، رسالة خاصة لمجموعة خاصة، في بيئة خاصة، ومن ثم كانت كل تلك الرسالات محكومة بظروفها هذه، متكيفة بهذه الظروف، كلها تدعو إلى إله واحد - فهذا هو التوحيد - وكلها تدعو إلى عبودية واحدة، لهذا الإله الواحد، فهذا هو الدين، وكلها تدعو إلى التلقي عن هذا الإله الواحد، ولكن لكل منها شريعة للحياة الواقعية تناسب حالة الجماعة، وحالة البيئة، وحالة الزمان والظروف"[5] إلى أن قال: "وفصل في هذه الرسالة شريعة تتناول حياة الإنسان من جميع أطرافها، وفي كل جوانب نشاطها, وتضع لها المبادئ الكلية والقواعد الأساسية فيما يتطور فيها ويتحور بتغير الزمان والمكان، وتضع لها الأحكام التفصيلية، والقوانين الجزئية فيما لا يتطور، ولا يتحور، بتغير الزمان والمكان"[6].

وهذا كله يشير إلى أن الشريعة الإلهية الخاتمة لا تحتاج إلى شريعة سابقة عليها، ولا إلى شريعة لاحقة لها، فالعلاقة بين الإسلام وما قبله من الرسالات ليست علاقة الفرع بأصوله كما توهم المغرضون. وإنما هي علاقة الممهد له بالممهد، فجاء الإسلام,وفيه من النضج والشمولية، ما جعله صالحا للزمان كله وللمكان كله، إذ لا رسالة بعده، ولذلك أمر الله - عز وجل - المسلمين أن يؤمنوا بجميع الرسل، وأن يصدقوا بكل الكتب، فقال عز وجل: )قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون (136)( (البقرة).

وعلى الرغم مما في مماحكات هؤلاء من مغالطات فإننا إذا اختلفنا في كنه العلاقة بين الإسلام وما قبله من رسالات يجب علينا حينئذ الرجوع إلى أصل كل هذه الرسالات، ومنبعها كلها وهو الوحي الإلهي الذي أرسل الله به الرسل، وأنزل به الكتب، فهذه الرسالات لا تعد - في هذه الحالة - إلا وسيطا أو مرجعا، فهل يجوز عقلا أن نأخذ بالوسيط المفقود - سنة إبراهيم - أو المحرف - التوراة والإنجيل - ونترك المصدر لكل الشرائع والأديان وهو الوحي الإلهي؟!

وإذا عدنا إلى الوحي الإلهي مصدر كل الشرائع، وجدنا أن القرآن الكريم - الذي تكفل الله بحفظه والذي يستدلون بآيات منه ويزعمون أنهم يؤمنون به - يأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم: )من يطع الرسول فقد أطاع الله( (النساء: ٨٠)، فإذا كان الله تعالى الأعلم بكل الشرائع، الصحيح منها والمحرف، المفقود منها والموجود، أمر بطاعة نبيه - صلى الله عليه وسلم - فليس أمام كل ذي لب إلا أن يخضع لأمر الله، ويطيع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن ثم فالسنة الأصل الثاني للتشريع في الإسلام - واجبة الاتباع بأمر الله تعالى، ولا تغني عنها شريعة إبراهيم - المفقودة - ولا شريعتا اليهود والنصارى المحرفتان.

ثالثا. لا يوجد كتاب خاص بملة إبراهيم وصحفه يبين شرائعها وأحكامها:

إننا لم نعثر على كتاب ينسب إلى ملة إبراهيم يبين شرائعها وأحكامها، ولكن النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - ترك لأمته القرآن الذي هو دستور الإسلام ومصدر أحكامه ثم السنة التي هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي؛ إذ إننا لم نعثر على صحف إبراهيم - عليه السلام - أو على أقوال قالها بوحي من الله كالسنة النبوية، وإنما الذي ورد إلينا عن ملة إبراهيم - عليه السلام - عرفناه عن طريق القرآن الكريم. وهو أنه كان أمة قانتا لله حنيفا مسلما ولم يكن من المشركين، وسجل القرآن مناظراته مع قومه وأبيه في دعوته لهم إلى التوحيد، وكذا جهوده في الدعوة إلى الله، وصبره على الأذى والابتلاء، وتضحياته وتسليمه المطلق لأوامر الله تعالى، كما ذكر القرآن بناءه للبيت وأذانه في الناس بالحج، وأخبر أن إبراهيم وبنيه كانوا أئمة يدعون إلى الخير ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة: )وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقـام الصـلاة وإيتـاء الزكـاة وكانـوا لنـا عابديــن (73)( (الأنبياء).

فإذا كنا لم نعثر على كتاب يبين ملة إبراهيم - عليه السلام - كي نأخذ منه شرائعه وأحكامه، وأن القرآن المصدر الوحيد المحفوظ والموثوق به قد ذكر بعض هذه الشرائع من حج وصلاة وزكاة ولم يذكر كيفياتها ولا هيئاتها، بل إن ذلك في دين الإسلام موكول في غالبه إلى السنة النبوية - فمن أين لنا أن نعرف شرائع إبراهيم وعباداته وأحكامه... وهل نترك الوحي الإلهي المتمثل في السنة المحفوظة بين أيدينا والتي وظيفتها بيان ذلك - هل نتركها ونلهث وراء السراب لا لشيء إلا إنكارا وجحودا للسنة النبوية وملء الفراغ الناجم عن إنكارها؟!

ويستشهد بعضهم بقوله عز وجل: )وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية( (الأنفال: ٣٥). ويزعمون أن في هذه الآية دليلا قاطعا على أن الله قد افترض علينا في زمان محمد وبعثته ما كان قد فرضه على إبراهيم من قبل، وقد حفظه لنا من طريق النقل الصحيح حتى وصل إلى هؤلاء القوم الذين كانت صلاتهم مكاء وتصدية، ومن ثم يكون العمل بما وصل إلينا من السنة الإبراهيمية لا السنة المحمدية، أو لا يعلم هؤلاء أن ذلك الفعل مذكور على سبيل المقت والذم وليس المدح والاستحباب، وهو في سياق ما غيره المشركون من ملة إبراهيم وما أدخلوه فيها من الشركيات لذلك توعدهم الله على هذا المكاء, وتلك التصدية التي ارتضوها بدلا عن الصلاة التي كانت على ملة إبراهيم وشريعته بالعذاب الأليم، فقال عز وجل: )وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (35)( (الأنفال).

فكيف نتبع هذا والله - عز وجل - يتوعد من يفعله بالعذاب الأليم, ويسمي هذا العمل كفرا به سبحانه وتعالى؟ فالآية هنا تصدم فكرتهم وتبطل استدلالهم على خلاف ما توهموا ولا يفوتنا هنا أن نبين أن الله تعالى أمر رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين بالله باتباع ملة إبراهيم - عليه السلام - وهو اتباع أصول ملته الحنفية، السمحاء في التوحيد الخالص وأصول الفطرة التي فطر الله عليها عباده، قال تعالى: )ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (123)( (النحل). قال الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور: "ومعنى اتباع ملة إبراهيم الواقع في كثير من آيات القرآن - أن دين الإسلام بني على أصول ملة إبراهيم، وهي أصول الفطرة والتوسط بين الشدة واللين، كما قال تعالى: )ومـا جعـل عليكـم في الديـن مـن حـرج ملـة أبيكـم إبراهيم ( (الحج: ٧٨).

وفي قضية أمر إبراهيم بذبح ولده - عليهما السلام - ثم فدائه بذبح شاة رمز إلى الانتقال من شدة الأديان الأخرى في قرابينها إلى سماحة دين الله الحنيف في القربان بالحيوان دون الآدمي؛ ولذلك قال تعالى: )وناديناه أن يا إبراهيم (104) قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين (105) إن هذا لهو البلاء المبين (106) وفديناه بذبح عظيم (107)( (الصافات).

فالشريعة التي تبني تفاصيلها وتفاريعها على أصول شريعة تعتبر كأنها تلك الشريعة، ولذلك قال المحققون من علمائنا: إن الحكم الثابت بالقياس في الإسلام يصح أن يقال: إنه دين الله وإن كان لا يصح أن يقال: قاله الله، وليس المراد أن جميع ما جاء به الإسلام قد جاء به إبراهيم - عليه السلام - إذ لا يخطر ذلك بالبال، فإن الإسلام شريعة قانونية سلطانية وشرع إبراهيم شريعة قبائلية خاصة بقوم، ولا أن المراد أن الله أمرالنبي محمدا - صلى الله عليه وسلم - باتباع ملة إبراهيم ابتداء قبل أن يوحي إليه بشرائع دين الإسلام؛ لأن ذلك وإن كان صحيحا من جهة المعنى وتحتمله ألفاظ الآية لكنه لا يستقيم؛ إذ لم يرد في شيء من التشريع الإسلامي ما يشير إلى أنه نسخ لما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من قبل، فاتباع النبي ملة إبراهيم كان بالقول والعمل في أصول الشريعة من إثبات التوحيد والمحاجة له واتباع ما تقتضيه الفطرة وفي فروعها مما أوحى الله إليه من الحنيفية مثل الختان وخصال الفطرة والإحسان"[7].

والعاقل إذا نظر إلى قصد هؤلاء المغرضين من هذا الزعم علم أنهم عندما أنكروا السنة جملة وجدوا فراغا هائلا في التشريعات، والعبادات، ولكي يشغلوا هذا الفراغ عرضوا فكرة الإبراهيمية لملء هذا الفراغ على هذا النحو من العبث والتخبط، بل إن الأمر قد تطور بعدما شهدت العصور المتأخرة خلافا شديدا بين الأديان، وأدى ذلك إلى حروب وتطاحن، فخرج علينا أدعياء الإبراهيمية على حقيقتهم وكشفوا النقاب عن سوء طويتهم حين أعلنوا أنه لا يمكن لهذه الحروب أن تختفي، كما لا يمكن لهذا التطاحن أن ينقرض إلا إذا اختفى هذا الخلاف الكائن بين الأديان، ولن يختفي هذا الخلاف إلا إذا عدنا جميعا إلى دين واحد، والدين الواحد لا يمكن اختياره من الديانات الموجودة بالفعل، فلو تم اختيار اليهودية دينا ملزما لغضب أصحاب الديانات الأخرى، ولو أخذنا الديانة النصرانية لغضب المنتمون إلى الإسلام واليهودية، والكلام نفسه يقال إذا تم اختيار الإسلام دينا منتخبا وطمس ما وراءه من الديانات.

ويرون أن البديل المقبول عن هذا كله هو أن يعود الجميع إلى ديانة أبيهم الأكبر إبراهيم - عليه السلام - وهذا إذا ما حدث ارتفع الخلاف بين الناس، هذا ما قالوه، وهو ما يزال كثير من المفكرين الآن يدعون الناس إليه، ونحن لسنا في حاجة إلى الكشف عن زيف هذا الاقتراح الأخير وبيان تهافته؛ إذ هو مبني على الدعوة لديانة إبراهيم وهي ديانة لم يحتفظ التاريخ بآثارها.

والنتيجة أن هؤلاء أحالوا على معدوم، وتعلقوا بوهم، وإلا فإنا نقول لهم كما قال ربنا جل وعلا: )قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148) قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين (149)( (الأنعام).

من أجل هذا لم يستطع أصحاب هذه الفرية أن يسدوا الفراغ المطلوب ولا قلامة ظفر، ولم تستطع أن تلبي في عقول الطالبين للفهم ولا قيد أنملة[8].

وإذا جارينا هؤلاء المغرضين وقلنا برجوع جميع الأديان إلى ملة إبراهيم، وتأكدنا أنه لا توجد آثار لملة إبراهيم - كان علينا إذن أن نتبع الملة الموافقة لملة إبراهيم في العقيدة والمبادئ، ومعلوم أن إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا بل كان حنيفا مسلما موحدا، وهذا هو دين الإسلام وعقيدته، وإذا ثبت أن عقيدة إبراهيم هي عقيدة محمد - عليهما السلام - فعلينا اتباع ملة محمد عقيدة وشريعة، قال تعالى: )ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين (67) إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين (68)( (آل عمران). وقال تعالى: )ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس( (الحج: 78).

وعلى هذا تكون الديانة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع، هي ديانة الإسلام الخاتمة، التي عصم الله - سبحانه وتعالى - كتابها المنزه عن التحريف والتغيير، ولهذا كله قال - عز وجل - في كتابه: )اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا( (المائدة: ٣)، فلا دين إلا الإسلام الدين الخاتم الذي جاء به سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وهذا هو الدين الذي ارتضاه الله للبشرية جميعا، ودانت به الرسل جميعا. قال تعالى: )ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين (85)( (آل عمران).

الخلاصة:

·   لقد اتفقت الديانات جميعا في أصول العقيدة، ولكن جعل الله لكل نبي سنة وشريعة لقومه، تهديهم إلى الطريق المستقيم بما يتوافق وزمانه.

·   إن علاقة الإسلام بما قبله من شرائع ليست علاقة الفرع بأصوله، وإنما هي علاقة الممهد له بالممهد وهو الشريعة التامة العامة الخاتمة.

·   إن الله - عز وجل - هو مصدر كل الشرائع، وهو الأعلم بما فقد منها، وما حرف وما بقي صحيحا، كما أنه هو الآمر في كتابه العزيز - في كثير من المواضع - بطاعة نبيه - صلى الله عليه وسلم - في كل ما أثر عنه.

·        إن شريعة إبراهيم - عليه السلام - لا تصلح بديلا عن السنة؛ لأنها:

o      مفقودة لا وجود لها، وما ورد عنها في القرآن كان في مجال الدعوة والعقيدة وأصول الفطرة لا في الشرائع والأحكام.

o       ممهدة للرسالة المحمدية، ولا يصح عقلا أن نستبدل الممهد له بالممهد.

·   شريعة إبراهيم - عليه السلام - كانت شريعة قبائلية خاصة بقوم، فلا تصلح أن تكون عامة وشاملة لكل زمان ومكان كشريعة الإسلام الخاتمة.

·   إن الصلاة التي زعموا أنها نقلت عن سيدنا إبراهيم وينبغي أن نؤديها كما وصلت إلينا - عنف الله من يفعلها، ووعدهم بالعذاب الأليم، وسمى هذا العمل كفرا به.

·   لما أنكر هؤلاء السنة النبوية وجدوا فراغا هائلا في التشريعات والعبادات، فكانت فكرة الإبراهيمية منهم لملء هذا الفراغ، وهذا باطل.

·   إذا أراد هؤلاء أن يوحدوا العالم تحت ديانة واحدة، فهو الإسلام، لقوله عز وجل: )إن الدين عند الله الإسلام( (آل عمران: ١٩)؛ إذ إنه ملة إبراهيم التي يريدون اتباعها: )ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل( (الحج: ٧٨). وليس اليهودية أو النصرانية قال سبحانه وتعالى: )ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين (67) إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين (68)( (آل عمران).

إنهم قد أحالوا على معدوم، وتعلقوا بوهم، ونقول لهم كما قال ربنا )سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148)( (الأنعام).

 



(*) شبهات وأباطيل منكري السنة, أبو إسلام أحمد عبد الله، مركز التنوير الإسلامي، مصر، ط2، 1426هـ/ 2006م. اللعاب الأخير في مجال إنكار سنة البشير النذير, د. طه الدسوقي حبيشي، مكتبة رشوان، القاهرة، ط2، 1427هـ/ 2007م.

[1]. العقيدة في ضوء الكتاب والسنة: الرسل والرسالات, د. عمر سليمان عبد الله الأشقر، دار النفائس، الأردن، 1426هـ/ 2005م، ص242: 248 بتصرف.

[2]. الجامع لأحكام القرآن, القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، (6/ 211) بتصرف.

[3]. الجامع لأحكام القرآن, القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م, (6/ 211) بتصرف.

[4]. اللعاب الأخير في مجال إنكار سنة البشير النذير, د. طه حبيشي، مكتبة رشوان، القاهرة، ط2، 1427هـ/ 2007م, ص21: 31 بتصرف.

[5]. في ظلال القرآن, سيد قطب, دار الشروق، القاهرة، ط13، 1987م, (2/ 842).

[6]. في ظلال القرآن, سيد قطب, دار الشروق، القاهرة، ط13، 1987م, (2/ 842, 843).

[7]. التحرير والتنوير، الطاهر ابن عاشور، دار سحنون، تونس، د. ت، (14/ 320، 321).

[8]. اللعاب الأخير في مجال إنكار سنة البشير النذير, د. طه حبيشي، مكتبة رشوان، القاهرة، ط2، 1427هـ/ 2007م، ص28: 30 بتصرف.

 

 

redirect how do i know if my wife cheated unfaithful wives
signs of a cheater why married men cheat on their wives website
reasons wives cheat on their husbands affair dating sites why do men have affairs
reasons wives cheat on their husbands why husbands cheat why do men have affairs
generic viagra softabs po box delivery buy generic viagra buy viagra generic
why do wife cheat on husband dating for married men reasons why married men cheat
website why are women unfaithful redirect
husband cheat my husband almost cheated on me online affair
read cheat husband click here
read here my husband cheated on me why women cheat on men
مواضيع ذات ارتباط

أضف تعليقا
عنوان التعليق 
نص التعليق 
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها فقط ولا تعبر عن الموقع
 
 
 
  
المتواجدون الآن
  4007
إجمالي عدد الزوار
  10781117

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي


أخى المسلم: يمكنك الأستفادة بمحتويات موقع بيان الإسلام لأغراض غير تجارية بشرط الإشارة لرابط الموقع