مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

 دعوى تعذر التمييز بين الصحيح وغيره في السنة لاختلاطهما(*)

 مضمون الشبهة:

 يدعي بعض المغرضين أن الموضوعات في السنة اختلطت بالأحاديث الصحيحة، وأن هذا الاختلاط قد بلغ مبلغا عظيما لم يتمكن ولم يستطع معه المسلمون التمييز بينهما، زاعمين أن الأحاديث الموضوعة ليست من المتأخرين فقط، بل شارك فيها الصحابة والتابعون، وذلك لأن ثمة أحاديث كثيرة عليها طابع القدم ولا نستطيع - حسبما يزعمون - أن نعزوها إلى الأجيال المتأخرة. ويرمون من وراء ذلك إلى رفض السنة وإنكار حجيتها.

وجوه إبطال الشبهة:

1) لم يرد عن أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نطق بغير الصدق أو أخبر بخلاف الحق، فكيف يكذبون على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم حماة شرعه، ولم يثبت عنهم كذب في أمور الدنيا فضلا عن الدين؛ بل كلهم عدول بنص القرآن والسنة وإجماع الأمة؛ وإنما الكذب والافتراء دأب المفترين على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسمة المجترئين على مقامهم الرفيع.

2) لقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - مع عدالتهم المشهود لهم بها أشد حرصا في الأخذ والتبليغ، وأقوى تثبتا في التحمل والأداء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتابعهم السلف الصالح في هذه الأمة، وعنهم أخذت القواعد التي حفظت السنة ومحصتها وميزت صحيحها من غيره منذ البداية.

3) إن السبل المتخذة لتحقيق الخبر عند علماء المسلمين، والتي ينهض بها فن مصطلح الحديث وعلم الجرح والتعديل، كلها تدل على الميزان الدقيق الذي يميز به الصحيح من غيره، ودقة هذه السبل وعمقها وكمالها - مما لم يعثر عليها إلا عند المسلمين - لا تدع مجالا لمدع أن يزعم صعوبة التمييز بين الصحيح وغيره.

التفصيل:

أولا. عدالة الصحابة وبراءتهم من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم:

من أهم التعاليم التي جاء بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أصحابه وعودهم عليها، وأكد عليهم التمسك بها، ولم يتساهل في الإخلال بها - الصدق، فقد عرف أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتحلى بالصدق ويتحراه ويتصف به، وبلغ من تحليه به أن سمي قبل البعثة بالصادق الأمين، وكذلك أمر أصحابه بالصدق وحذرهم من الكذب، حتى جعل الصدق من علامات الإيمان والكذب من علامات النفاق، بل ونفى الإيمان عن الكذاب.

وكان هذا دافعا قويا إلى تحري الصحابة الصدق في أقوالهم وأفعالهم، وحرصا منه - صلى الله عليه وسلم - على تأسي المسلمين به واتباعه؛ فقد حرص على أن يبلغ ذلك عنه، يتناقله جيل بعد جيل، ولذا حضهم على التبليغ عنه، كقوله صلى الله عليه وسلم: «فليبلغ الشاهد منكم الغائب»[1].

وقال أيضا: «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه»[2].

وخشية من أن يتجرأ شخص ما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول ما لم يقل أو يكذب عليه - حذر الأمة من الكذب عليه وشدد النكير على من يقترف هذه الجريمة؛ وذلك لما يترتب عليه من مفسدة تعم بها البلوى، فقال صلى الله عليه وسلم: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»[3].

لكل هذا عاش الرعيل الأول من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم مجانبون للكذب هاجرون له، ولم يثبت أن أحدا منهم تجرأ عليه بكذب وحاشاهم ذلك.

ولما لحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى واجتمع الناس على أبي بكر - رضي الله عنه - وأحكم أمر الناس في القرآن، ووضع الأسس الحصينة لصيانة حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أن يتطرق إليه ما ليس منه، مما قد يهم به بعضهم أو يخطئ، فكان - رضي الله عنه - أحيانا لا يكتفي بقبول الرواية عن واحد من الأصحاب - مع تصديقه لهم جميعا - وإنما كان يطلب شاهدا ومؤيدا؛ إذ باجتماعهما يرتفع احتمال الوهم والخطأ فضلا عن التخرص والكذب.

وسار الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على نهج سلفه أبي بكر - رضي الله عنه - وزاد في الاحتياط والحذر، فكم من صحابي طلب منه الفاروق شاهدا، وهو لا يتهمه؛ لأن الدافع إلى ذلك هو صيانة حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أن يتطرق إليه شك أو يختلط به غيره، وأسلمت روح عمر - رضي الله عنه - لربها وقد عظم في الناس أمر حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسار عثمان - رضي الله عنه - على ما سار عليه صاحباه، وأخذ صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمون من عايشهم ممن لم ير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويربونهم على الصدق، ويحذرونهم من الكذب وعاقبته، وخاصة ما كان منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهكذا عاش الجيل الأول محاذرا الكذب مجانبا له، لا يلوي على شيء مما يروى تخرصا وكذبا، إلى أن وقعت الفتنة الكبرى، وتفرق المسلمون شيعا وأحزابا، واندس في تلك الحقبة جماعة يكيدون للإسلام، فانضموا تحت لوائه وتستروا بمسوحه فأذكوا نار الفتنة، وأخذوا يتصيدون في الماء العكر رغبة في السيادة وإكمالا لمركب النقص الذي اعتراهم بسقوط دولهم ومملكاتهم، وأخذ كل فريق يطعن في الآخر، فهرعوا إلى القرآن يبحثون فيه عما يؤيدون به مذاهبهم وأهواءهم إما صراحة أو تلميحا، ولما أعياهم أن يجدوا في القرآن ما ينشدون، يمموا شطر السنة رغبة في الحصول على إربهم وأنى لهم ذلك، وهي والقرآن صنوان؟ ولما أعيتهم السنة الصحيحة أن يجدوا فيها ما يبحثون عنه، وضاقت نفوسهم ذرعا أن يحصلوا على ما يطلبون، انقدح في زناد عقول الفاسقين منهم التقول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون، فانغمسوا في الكذب وما رعوا لرسول - صلى الله عليه وسلم - حرمة[4].

ومن ثم فلا يتصور أن الصحابة الذين فدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأرواحهم وأموالهم، وهجروا في سبيل الله أوطانهم وأقرباءهم، وامتزج حب الله وخوفه بدمائهم ولحومهم؛ لا يتصور أن هؤلاء الأصحاب يقدمون على الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهما كانت الدواعي إلى ذلك، ولقد دلنا تاريخهم في حياة الرسول وبعده أنهم كانوا على خشية من الله وتقى يمنعهم من الافتراء على الله ورسوله، وأنهم كانوا على حرص شديد على الشريعة وأحكامها والذب عنها وإبلاغها إلى الناس كما تلقوها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحملون في سبيل ذلك كل تضحية، ويخاصمون كل أمير أو خليفة أو أي رجل يرون فيه انحرافا عن دين الله، لا يخشون لوما ولا موتا ولا أذى ولا اضطهادا، وقد جاء في ذلك مئات الأخبار واستفاضت بها كتب التاريخ، وهي تدل دلالة قاطعة على أن هؤلاء الصحابة كانوا من الجرأة في الحق والتفاني في الدفاع عما يعتقدون أنه حق ومن تغليبهم الحق على كل صديق وصاحب وقريب، بحيث يستحيل عليهم أن يكذبوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اتباعا لهوى أو رغبة في دنيا؛ إذ لا يكذب إلا الجبان، كما يستحيل عليهم أن يسكتوا عمن يكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم الذين لا يسكتون على اجتهاد خاطئ يذهب إليه بعضهم بعد فكر وإنعام نظر.

لا يبقى بعد ذلك شك في أن الكذب لم يكن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الصحابة ولا وقع منهم بعده[5].

فلا يختلف منصفان في أن العصر الأول للإسلام يعد أنظف العصور وأسلمها من حيث استقامة المجتمع وتوفيق رجاله وصلاحهم ولا غرو؛ فإن أجل القيادات كانت من الصحابة، كما أن التربية القرآنية التي غرسها - صلى الله عليه وسلم - في صحبه، وتعهدها بالرعاية كانت عاملا فعالا في تطهير نفوس الصحابة مما يطرأ عادة على القلوب والنفوس والأهواء والرغائب التي تكون مدعاة للكذب والافتراء[6].

فالصحابة كلهم عدول بتعديل الله ورسوله لهم، وإجماع الأمة على ذلك، يقول ابن أبي حاتم الرازي: "فأما أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وعرفوا التفسير والتأويل، وهم الذين اختارهم الله - عز وجل - لصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ونصرته وإقامة دينه وإظهار الحق، فرضيهم له صحابة، وجعلهم لنا أعلاما وقدوة، فحفظوا عنه - صلى الله عليه وسلم - ما بلغهم عن الله - عز وجل - وما سن وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر وأدب، ووعوه وأتقنوه، ففقهوا في الدين، وعلموا أمر الله ونهيه ومراده بمعاينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله، وتلقفهم منه واستنباطهم عنه، فشرفهم الله - عز وجل - بما من عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة، فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والغمز، وسماهم عدول الأمة، فقال - عز ذكره - في محكم كتابه: )وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس( (البقرة: ١٤٣). ففسر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الله - عز ذكره - قوله )وسطا(، قال: عدلا، فكانوا عدول الأمة وأئمة الهدى، وحجج الدين ونقلة الكتاب والسنة، وندب الله - عز وجل - إلى التمسك بهديهم والجري على منهاجهم. والسلوك لسبيلهم، والاقتداء بهم، فقال: )ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى( (النساء: ١١٥)"[7].

وقال ابن حجر رحمه الله في بيان حال الصحابة من العدالة: "اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول، لم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة. وقد ذكر الخطيب في "الكفاية" فصلا نفيسا في ذلك، فقال: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن:

فمن ذلك قوله تعالى: )كنتم خير أمة أخرجت للناس( (آل عمران: ١١٠)، وقوله: )لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا (18)( (الفتح)، وقوله: )والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه( (التوبة: ١٠٠)، وقوله: )يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64)( (الأنفال)، وقوله: )للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون (8)( (الحشر) وغير ذلك من آيات كثيرة يكثر إيرادها ويطول ذكرها، وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم، ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله له إلى تعديل أحد من الخلق، على أنه لو لم يرد من الله ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه، لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأبناء، والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين - القطع بتعديلهم، والاعتقاد بنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع الخالفين بعدهم، والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم. هذا مذهب كافة العلماء، ومن يعتمد قوله.

ثم روى بسنده إلى أبي زرعة الرازي، قال: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة والجرح بهم أولى، وهم زنادقة"[8].

والأحاديث الواردة في تفضيل الصحابة كثيرة، ومن أدلها على المقصود قوله صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»[9]، وقوله صلى الله عليه وسلم «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه»[10].

وقال صلى الله عليه وسلم: «النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون»[11].

ثانيا. تثبت الصحابة في التحمل في الأداء، ومنهجهم الحصيف في حفظ السنة:

لقد بلغت حيطة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتثبتهم في قبول الحديث مبلغا عظيما، فليس كل من يقول لهم: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلون حديثه، وليس هذا زهدا في الحديث النبوي ولا تعطيلا له، وإنما محافظة عليه، وصيانة له، وهناك مجموعة من الأخبار الصحيحة التي تبين إلى أي مدى كانوا يتثبتون في قبول الأخبار خشية رواية حديث غير صحيح[12].

ولا نبالغ إذا قلنا إن قواعد المحدثين، والتي تهدف إلى معرفة الرواة والمرويات، ببيان صفاتهم وأحوالهم والطرق الموصلة إلى ذلك وتتبعها ونقدها، وبيان ما لها وما عليها - كانت من حين عرف الصحابة الكرام أهمية الحديث ومكانته بالنسبة إلى التشريع عموما وخصوصا.

وعليه يمكن القول بأن هذه القواعد قد نشأت في وقت مبكر تزامن مع بدء الرواية والتحمل والأداء، وقد كانت لدى الصحابة ما يمكن أن نطلق عليه "قواعد تحديث" أو "أصول الحديث"؛ إذ إنهم وجدوا تأصيل ذلك في الكتاب والسنة من الحث على المطالبة بالشاهد واليمين والبينة والبرهان، ومن ثم استخدموا منهج التحري والتثبت وكذلك تمحيص ما يجيء عن الناس من الأخبار ونقدها، وعدم قبولها إلا ببينة، والأمر بالدعوة والتبليغ والرواية والاهتمام عند البلاغ بالسند المتصل، قال تعالى: )قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين (4)( (الأحقاف).

مما يقطع بأن لهذه القواعد بدايات مبكرة منذ عهد النبوة، وإن لم تأخذ شكل العلوم المدونة المبلورة في صورة أفكار واضحة محددة، بل كانت أشبه بالمشورة واستطلاع الرأي، بقصد التثبت والتوثيق والاطمئنان القلبي تمشيا مع مقتضيات الوقت وظروفه، فالصحابة كلهم عدول[13].

فطالما أن مقصد هذه القواعد الأسمى هو السنة، فلا بد وأن تكون هذه القواعد سباقة بالإعلان عن نفسها، والكشف عن غاية وجودها، كي يتم التعامل مع السنة على أساس منها.

ومن ثم فإن الصحابة الكرام قد مهدوا الطريق بخصوصها، فسار العلماء بعدهم في الطريق الممهد. فقد وضعوا للرواية قوانين، منها:

·   إحجام كثير من الصحابة بل من أعلامهم عن الإكثار من الرواية، وما ذلك إلا لأن الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شديد.

·        التشدد في قبول الأخبار لدرجة طلب اليمين والبينة، فسنوا بذلك للناس سنة التثبت.

·   ظهور بعض المصطلحات الحديثية خاصة ما يتعلق بالجرح والتعديل، بل لقد اعتبر الحاكم النيسابوري - صاحب المستدرك (ت: 405هـ) - زعماء الطبقة الأولى من طبقات الجرح والتعديل: أبا بكر وعمر وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - وقال: إنهم قد جرحوا وعدلوا، وبحثوا عن صحة الروايات وسقيمها.

·   استدراك بعض الصحابة على بعض، ورد بعضهم أوهام بعض، ولا يقلل هذا من شأنهم، ولا يعد تهمة لأحدهم؛ لأنهم ما كان بعضهم يكذب بعضا.

ومن ثم فإننا نقرر أن القرن الأول يعد بداية التكوين الرسمي لقواعد المحدثين[14].

إن القواعد التي وضعها صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للذود عن سنة نبيهم وحمايتها من الوضع، والتي تدل عليها هذه الأخبار التي جاءت عنهم بذلك - لتدل دلالة قاطعة على عنايتهم الفائقة بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتثبتهم في روايته وقبولها من الآخر، وسدهم كل طريق من الطرق التي من الممكن أن تؤدي إلى وضع حديث ونسبته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضلا عن أن يكونوا هم المتخرصين بذلك، كل هذا واضح بما لا يدع مجالا لمدع أن يزعم أن الأحاديث قد وضع بعضها واختلط بالصحيح ولم يستطيعوا تمييز المقبول منها من المردود، والصحيح من السقيم، كيف ذلك وهم الذين عاشروا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصحبوه نيفا وعشرين عاما قبل الهجرة وبعدها، وحفظوا عنه جميع أقواله وأفعاله، حتى نقلوها إلى التابعين نقية خالصة من أية شائبة، ومن ادعى أن ثمة أحاديث قد مرت عليهم دون تمييزها فليأتنا بالمثال وبالشاهد وما يدلل به على ذلك، وإلا كان متبعا للوهم والحدس والقول الجزاف بل والتخرص، وما يغني ذلك من الحق شيئا.

ثالثا. اقتدار منهج المسلمين على تحقيق الأخبار وتمييز صحيحها من غيره:

إن السبل المتخذة عند المسلمين لتحقيق الخبر تنفي أن يكون ثمة أية صعوبة لتمييز الصحيح من غيره؛ لأنه "إذا كان إدراك الحقيقة - على ما هي عليه في الواقع - علما، كما يقولون، فإن المنهج المتخذ إلى ذلك الإدراك ينبغي - بلا ريب - أن يكون هو الآخر علما، أي ينبغي أن لا تكون خطوات هذا المنهج في حقيقته إلا مجموعة إدراكات صادقة من شأنها أن تكشف اللثام عن الحقيقة المبحوث عنها.

ذلك لأن العلم لا يتولد إلا عن علم مثله، وما كان للظن أن يصلح سبيلا إلى العلم بحال، وإلا لأمكن لمقدمتين ظنيتين أن تأتيا بنتيجة يقينية، وهو من أجلى صور المحالات"[15].

ولما كان الدين هو الدافع الوحيد للمسلمين إلى تكوين منهج علمي دقيق للبحث عن الحقيقة، وذلك في نصوص كثيرة فيها الحث على المطالبة بالشاهد، واليمين، والبينة، والبرهان، ومن ثم استخدام منهج التحري والتثبت، وتمحيص ما يجيء عن الناس من الأخبار ونقدها، وعدم قبولها إلا ببينة، ورد خبر الفاسق والكاذب والكافر من باب أولى، وتسوية القرآن في العاقبة وسوء المصير بين الكاذب والكافر، والاهتمام عند البلاغ بالسند المتصل[16].

لما كان هذا هو الدافع، كان المنهج المتبع منهجا علميا دقيقا لم يعرف له مثيل من قبل، فهو منهج سليم صاف لا تشوبه شائبة، ولا يتسرب إليه خطأ أو مظنته - بفضل الله رب العالمين.

ويتلخص هذا المنهج عند علماء المسلمين في قاعدة جليلة كبرى، لم يعرف مثلها عند غيرهم، وهي قولهم:

إن كنت ناقلا فالصحة، أو مدعيا فالدليل:

وبناء على ذلك فما هو السبيل العلمي الذي وضعه علماء الإسلام لتحقيق النسبة بين الخبر ومصدره؟ (وبعيدا عن شطر القاعدة الثاني، فليس هذا مقام الحديث عنه) نقول: إن السبل المتخذة لتحقيق الخبر عند المسلمين تنهض بها فنون عديدة خاصة بهم لم يعثر عليها التاريخ إلا في المكتبة الإسلامية، مثل فن مصطلح الحديث، وفن الجرح والتعديل، وتراجم الرجال، وتلتقي هذه الفنون على وضع ميزان دقيق يتضح فيه الخبر الصحيح من غيره والفرق بين الخبر الصحيح الذي يورث اليقين والذي يورث الظن.

فالخبر يرقى إلى أولى درجات الصحة عندما يثبت - لدى التحري والبحث - أن سلسلة السند متصلة من صاحب هذا الخبر ومصدره، بنقل العدل الضابط عن مثله إلى نهايته التي انبثق منها دون أن يحتوي الخبر على شذوذ في جوهره أو علة في روايته، فإن تدانى الخبر عن هذه الرتبة، بأن سقطت حلقة من سلسلة الرواية بسبب الجهل به أو عدم الوثوق بعدالته، أو عدم اليقين بحفظه وضبطه، أو بأن كان متن الخبر شاذا بالنسبة إلى المقبول من غيره، فهو غير صحيح.

ولكن الصحيح نفسه يرقى في درجات متفاوتة، تبدأ من الظن القوي إلى الإدراك اليقيني... فإذا كانت السلسلة التي توفرت فيها مقومات الصحة مكونة من آحاد الرواة الذين ينتقل الخبر بينهم، فهو لا يعدو أن يكون خبرا ظنيا في حكم العقل، وإذا كانت حلقات السلسلة مكونة من راويين أو ثلاثة رواة، فهو لا يزال خبرا ظنيا، ولكنه ظن قوي يداني اليقين.

أما إذا غدت كل حلقة من الحلقات، من الكثرة، جموعا يطمئن العقل إلى أنها لا تتواطأ على الكذب، فإن الخبر المروي يكتسب عندئذ صفة اليقين، وهو ما يسمى بالخبر المتواتر.

ويسأل السائل فيقول: فمن أين للباحث أن يعلم شروط الخبر الصحيح؟ ولنفرض أنه سمع سلسلة الرواية، فكيف يستطيع أن يعلم اتصال هؤلاء ببعضهم، وأنهم جميعا ثقات عدول ضابطون؟!

والجواب: إن علم الجرح والتعديل وتراجم الرجال إنما وجد تذليلا لسبيل هذا البحث، وتيسيرا للاطلاع على الواقع الذي ينبغي الوقوف عليه.

وهكذا، فقد تكونت في مكتبتنا الإسلامية قواميس من نوع مختلف... قواميس لضبط الأشخاص والرجال، تقف منها على المجروحين والضعفاء والمتروكين بالسهولة ذاتها التي تقف بها على ضبط الكلمة وتقويمها في قواميس اللغة ومعاجمها المعروفة.

ففي مكتبتنا الإسلامية مؤلفات كثيرة تستعرض معجم الرجال الذين وردت أسماؤهم في أي سند من الأسانيد، تستطيع أن تقف فيها على ترجمة من تشاء منهم جرحا وتعديلا، وأن تضبط الزمن الذي عاش فيه، لتعلم بذلك معاصريه الذين أمكنه أن يلتقي بهم، والغريب أن هؤلاء الأئمة الذين عكفوا على جمع تراجم الرجال - وهم أئمة ثقات يعتبر كل منهم مرجعا في هذا الشأن - لم يبالوا في سبيل البحث عن الحقيقة واحترام الميزان العلمي أن لا يشوبه أي فساد، أن يضعوا النقاط على حروفها في وصف الرجال وصفا دقيقا سواء انتهى بالجرح والتحذير منهم، أم التعديل والتوثيق لهم.

كما قد تكون في مكتبتنا فن خاص بهذا الشأن، وهو ما يسمى بفن مصطلح الحديث، وقد ضم هذا الفن كل المقومات المختلفة للتحقيق في النقل والأخبار، طبق منهج علمي فريد[17].

فهل عرفت البشرية منهجا أدق وأعمق وأكمل من هذا المنهج؟ وهل يظن ظان بعد ذلك أن هذا المنهج ينفلت منه شيء دون أن يفحص ويمحص؟!

لقد تميز المسلمون بمنهج في نقل الروايات والآثار ونقدها لا يوجد عند غيرهم من الأمم، حيث يعتمد هذا المنهج على الإسناد، الذي يعني تلقي الخبر من راو ينقله عمن فوقه وهكذا حتى نصل إلى أول الإسناد، بشرط توفر العدالة والضبط في كل راو، قال الحافظ أبو حاتم الرازي وكان في مجلس: "لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أمناء يحفظون آثار نبيهم وأنساب سلفهم إلا في هذه الأمة، فقال له رجل: يا أبا حاتم، ربما رووا حديثا لا أصل له ولا يصح، فقال أبو حاتم: علماؤهم يعرفون الصحيح والسقيم، فروايتهم ذلك - أي الحديث الواهي - للمعرفة، ليتبين لمن بعدهم أنهم ميزوا الآثار وحفظوها". ومن ثم فلا تفوتهم - بفضل الله - زلة في كلمة فما فوقها في شيء من النقل إن وقعت لأحدهم، ولا يمكن لفاسق أن يقحم كلمة موضوعة، ولله تعالى الشكر[18].

علم مما أسلفنا أن المحدثين الجهابذة قاموا بالنقد للرواة تجريحا وتعديلا وردا وقبولا... ورسموا في شأن الرواة قواعد وضوابط مدهشة، تبارت فيها الأذهان المرهفة الدقيقة اللامعة، والقرائح المشرقة التقية الصالحة، فجاءت على أحسن ما يرام، وأدق ما ينبغي، وأوفى ما تكون.

ولقد أقاموا أساسا آخر في كشف الحديث الصحيح من المزيف، والقوي من الضعيف، لا يقل أهمية عن الأساس السابق - نقد الرواة - ولا يستغني عنه في بعض الأحيان، بل قد يكون هو الفيصل في الأمر، وهذا الأساس هو ما يسمونه: نقد المتن، أو سبر متن الحديث ومعناه.

وهذا المنهج النقدي (سبر المتن) الذي أسس من أول عهد الصحابة رضي الله عنهم[19] قد قرره المحدثون والتزموه - لقبول الحديث - التزاما تاما؛ فاشترطوا في تعريف (الحديث الصحيح) سلامة متنه من الشذوذ والعلة، واعتمدوا في رد الحديث الموضوع القرائن الدالة على وضعه من الكتاب والسنة، أو كونه مخالفا للإجماع أو العقل أو الحس أو المشاهدة أو الواقع التاريخي. وكل هذا قائم على نقد متن الحديث.

ومن نماذج ذلك حديث «ولد الزنا، لا يدخل الجنة إلى سبعة أبناء» مخالف لقوله تعالى: )ولا تزر وازرة وزر أخرى( (فاطر: ١٨) فهو موضوع بسبر متنه.

وحديث «إذا حدثتم عني بحديث يوافق الحق، فخذوا به، حدثت به أم لم أحدث» يعارض الحديث المتواتر الذي يقول: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار»[20] و «من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار»[21].

وحديث: «من ولد له ولد فسماه محمدا، كان هو ومولوده في الجنة» والحديث القدسي: «آليت على نفسي أن لا أدخل النار من اسمه محمد أو أحمد» كلاهما كذب مكشوف البطلان؛ لأنهما يعارضان القواعد القطعية المقررة في الكتاب والسنة، من أن النجاة إنما تكون بالأعمال الصالحة، لا مجرد الأسماء والألقاب.

وهذا المنهج - سبر المتن - ينفع مع فقد الإسناد للحديث، ومع وجود الإسناد، فقد يكون هو الطريق المفضية إلى كشف الخبر المكذوب، لأنه قد ركب عليه إسناد كل رجاله ثقات، وأحكم المركب الكذاب الكذب في اختيار الراوي وشيخه ومن فوقه، بحيث لا ينكر إسناد الحديث إليهم، من جهة طبقات رجاله ورواية الشيخ والتلميذ لذلك الحديث، فحينئذ يلجأ الناقد إلى سبر المتن، فيكشف به كذب الحديث وتركيب السند عليه، ويتضح البطلان فيه؛ لأنه جرت سنة الله في خلقه - أن كل باطل يكون معه دليل بطلانه، يدركه من يدركه، ويجهله من يجهله.

وللجهابذة المحدثين في هذا المضمار العجائب المدهشات والنفائس الغاليات، ومن ذلك قصة فداء النبي - صلى الله عليه وسلم - سلمان الفارسي - رضي الله عنه - وشهادة عدد من الصحابة على ذلك، وكتابة علي هذا الفداء بتاريخ: يوم الإثنين في جمادى الأولى من سنة مهاجر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

فهذه الرواية قد كذبها الخطيب البغدادي، فقال: "في هذا الحديث نظر، وذلك أن أول مشاهد سلمان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة الخندق؛ وكانت في السنة الخامسة من الهجرة، ولو كان يخلص سلمان من الرق في السنة الأولى من الهجرة لم يفته شيء من المغازي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأيضا فإن التاريخ بالهجرة لم يكن في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأول من أرخ بها عمر بن الخطاب في خلافته"[22].

ومما يدل على نقدهم المتن أيضا ما حدث أن بعض اليهود أظهروا كتابا، وادعوا أنه كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادة بعض الصحابة - رضي الله عنهم - وذكروا أنه خط علي رضي الله عنه.

وعندما عرضوه على الخطيب البغدادي أنكره، وقال: هذا مزور! فقيل له: من أين لك هذا؟ قال: فيه شهادة معاوية، وهو إنما أسلم عام الفتح سنة ثمان من الهجرة، وفتح خيبر كان في سنة سبع، ولم يكن معاوية مسلما آنذاك، ولا حضر ما جرى في خيبر، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وهو قد مات قبل خيبر بسنتين[23].

ولقد سبق الحافظ الخطيب البغدادي إلى كشف كذب هذا الكتاب وتزويره الإمام "ابن جرير الطبري"، كما حكى ذلك "ابن كثير" في البداية والنهاية[24].

وبعد؛ فليس لمدع أن يقول باختلاط صحيح السنة بغيره، ولو كانت ظاهرة الوضع في الحديث قد غفل عنها علماء الأمة من محدثين ومفسرين وأصوليين وفقهاء، ولم يكتشفها إلا منكرو السنة المعاصرون، لكان لهم حق في ترويجها والاستناد إليها في إنكارهم للسنة، ولما استطاع أحد الوقوف أمامهم فيما يقولون، ولكن لسوء حظهم وفضح أمرهم وتسجيل الخزي عليهم - أن علماء الأمة منذ البدء الواسع في تدوين الحديث وجمعه قد فطنوا إلى وجود هذه الآفة، وحاصروها من كل جهة، وأبطلوا مفعولها تماما حين كان منكرو السنة ذرات في عالم الغيب، ليس لهم وجود إلا في علم الله المحيط، الذي لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء، وصدق رسولنا الكريم حين قال: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت»[25][26].

فهذه سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - مستقرة في بطون الكتب المعتمدة من علماء الأمة الثقات مميزا صحيحها من ضعيفها، وهؤلاء أهل الاختصاص في علم الحديث قد ألفوا مؤلفات كثيرة في الموضوع من الحديث، ولهم في التأليف في الموضوعات طريقان:

الأولى: طريقة الذين ترجموا للوضاعين والكذابين والضعفاء، ومنهم: البخاري، والجوزجاني، وابن عدي، والنسائي، والعقيلي، والدارقطني، وغيرهم كثير، وهذه طريقة الأقدمين من المحدثين في الأغلب، وهم إذ يترجمون لهؤلاء يذكرون في تراجمهم ما وضعوه من الأحاديث.

الثانية: الذين خصوا الأحاديث الموضوعة بالتأليف، كابن الجوزي، والسيوطي، وعلي القاري، وأمثالهم، وهؤلاء أوردوا الضعيف والموضوع في مؤلفاتهم، ومنهم من أفرد الموضوع بالتأليف، وبعضهم أفرد بابا واحدا بالتأليف[27].

فعلماء السنة - إذن - لم يكتفوا بجمع الأحاديث المقبولة، ولو فعلوا لاستسيغ ذلك منهم، باعتبار أن ما عدا المقبول مردود، لكنهم لم يفعلوا؛ فقد ألفوا في الأحاديث المردودة مصرحين ببيان حالها، حتى يقف المسلم عليها وقوف الواثق المطمئن المتيقن.

ومن ثم فلا يصح أن يقال: إن السنة اختلط فيها الصحيح بالموضوع، ولكن يقال: إن السنة لها كتبها المشتملة على الأحاديث الصحيحة والمقبولة، كصحيحي البخاري ومسلم، والموطأ، وكتب السنن الأربعة، وصحيح ابن حبان، وصحيح ابن خزيمة، وكتب المسانيد وغيرها[28]، وهناك كتب الأحاديث الموضوعة، مثل كتاب "الموضوعات" لأبي سعيد محمد بن علي الأصبهاني، وكتاب "تذكرة الحفاظ" لمحمد بن طاهر بن علي القيسراني، وكتاب "الذخيرة في الأحاديث الضعيفة والموضوعة" لابن طاهر القيسراني أيضا، وكتاب "الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير" للحافظ أبي عبد الله الحسين بن إبراهيم الجوزقاني الهمذاني، وكتاب "الموضوعات" لابن الجوزي، وكتاب "العلل المتناهية في الأحاديث الواهية" لابن الجوزي، وكتاب "تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة" لابن عراق، وكتاب "تذكرة الموضوعات" للفتني، وكتاب "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" للشوكاني، وغيرها كثير من كتب الموضوعات[29].

 لا مراء في وجود أحاديث كثيرة موضوعة من قبل الكذابين والوضاعين الذين لفقوا أقوالا، ونسبوها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن الأمر لم يكن بهذه البساطة التي تخيلها هؤلاء، وحاولوا أن يثيروا بها الوساوس في النفوس، وقد جهلوا أو تجاهلوا الحقائق التي سادت الحياة الإسلامية فيما يتعلق بالسنة النبوية، فقد استطاع المحدثون بسعة اطلاعهم، ونفاذ بصيرتهم، وجدهم واجتهادهم، ومثابرتهم، أن يعرفوا الوضاعين، وأن يقفوا على نياتهم ودوافعهم، وأن يضعوا أصابعهم على كل ما نسب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سبيل الوضع والكذب والافتراء.

فهؤلاء الوضاعون لم يترك لهم الحبل على الغارب يعبثون في الحديث النبوي كما يشاءون، ولم يترك لهم المجال لأن يندسوا بين رواة الأحاديث النبوية الثقات العدول دون أن يعرفوا. فقد أدرك العلماء الثقات من المحدثين هذا الاتجاه عند الوضاعين فضربوا عليهم حصارا فكريا، وعلميا، وعمليا، وميزوهم، وكشفوهم، وكشفوا أساليبهم وأهدافهم ودوافعهم، وذكروهم فردا فردا، وبينوا حكم الدين في كل منهم، كما استعدوا عليهم الحكام والأمراء بمنعهم من الحديث[30].

وعلى صعيد آخر فإنهم ميزوا الصحيح من الضعيف والموضوع، فدون كل على حدة، وتلك مزية للسنة لم يصل إليها أي علم من العلوم، إلا أن أعداء الإسلام يريدون أن يصوروا هذه المزية على أنها عيب بزعمهم أن الموضوع يوجد في السنة بلا تمييز[31].

وتلك مغالطة واضحة، فلماذا إذا كان هذا التراث الضخم من علم الحديث وكتب التراجم وعلم الجرح والتعديل وكتب العلل؟! ولماذا كان تقسيم الحديث إلى صحيح وضعيف وموضوع؟! ولماذا يتوقف المسلم عند سماع الحديث حتى يعلم حكم العلماء عليه من حيث الصحة وغيرها؟! وهل يستطيع أحد أن ينكر ما بذله المسلمون الأوائل للذب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! "فالسنة لها رجالها وعلماؤها، ولقد بينوا حال كل حديث، وحكموا على الصحيح بالصحة، وعلى الحسن بالحسن، وعلى الضعيف بالضعف، وعلى الموضوع بالوضع"[32] حتى قال مرجليوث: "ليفتخر المسلمون بعلم حديثهم ما شاءوا"[33].

وبعد؛ فإن للقارئ بعد استيعاب كل ما ذكرناه أن يعجب كل العجب لمن يدعي اختلاط صحيح السنة بموضوعها، وعدم إمكانية تمييز العلماء بينهما! أفندع الحقيقة إلى الدعوى، واليقين إلى الحدس والوهم والتخمين؟! نعوذ بالله من الضلال.

الخلاصة:

·   لما كان الصدق من أهم التعاليم التي جاء بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - ورغب أصحابه فيه، وحذرهم من الكذب، كان هذا دافعا قويا إلى تحري الصحابة الصدق في أقوالهم وأفعالهم، وكان من باب أولى أنهم لم يكذبوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولذا لم يثبت أن أحدا منهم تجرأ عليه بكذب.

·   ليس من السهل أن نتصور أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذين فدوه بأرواحهم وأموالهم، وهجروا في سبيل الله أوطانهم وأقرباءهم وامتزج حب الله وخوفه بدمائهم ولحومهم؛ لا يتصور أن يقدموا على الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

·   إن التربية التي غرسها النبي - صلى الله عليه وسلم - في قلوب الصحابة وتعهده لهم بالرعاية التربوية الإيمانية كان عاملا فعالا في تطهير نفوس الصحابة مما يطرأ عادة على القلوب والنفوس من الأهواء والرغائب التي تكون مدعاة للكذب والافتراء.

·   إن شهادة الواقع والعقل والمنطق تدل بلا ريب على أمانة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وصدقهم، واستحالة أن يبدر منهم كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والأقوى من ذلك في توثيقهم أنهم كلهم عدول بتعديل الله ورسوله لهم وإجماع الأمة على ذلك، فهل يحتاج أحد منهم مع تعديل الله إلى تعديل أحد من الخلق؟!

·   لقد بلغت حيطة الصحابة وتثبتهم في قبول الأخبار مبلغا عظيما، لذا فإنهم بما وضعوه من قواعد يعدون ممهدين الطريق بخصوص قواعد المحدثين، حتى لقد اعتبر الحاكم النيسابوري زعماء الطبقة الأولى من طبقات الجرح والتعديل: أبا بكر وعمر وزيد بن ثابت، وقال: إنهم جرحوا وعدلوا، وبحثوا عن صحة الروايات وسقيمها.

·   إذا كان الوضع قد انتشر بعد الفتنة الكبرى وخاصة حينما اندس تحت لواء الإسلام جماعة يكيدون للإسلام والمسلمين، فإن الصحابة قد سدوا كل طريق من الطرق التي يمكن أن تؤدي إلى وضع حديث ونسبته إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون تمييزه وكشف عواره، ومن ادعى غير ذلك، طالبناه بالدليل، وإلا فإن التخرص والوهم لا يغني من الحق شيئا.

·   يتلخص منهج البحث عن الحقيقة عند المسلمين في قاعدة جليلة كبرى، وهي: إن كنت ناقلا فالصحة، أو مدعيا فالدليل. ولذا كان لا بد من تحقيق الخبر وصحة نسبته إلى قائله، وقد نهضت بذلك فنون مثل مصطلح الحديث وفن الجرح والتعديل وتراجم الرجال، وكلها لم يعثر عليها إلا عند المسلمين، وقد استخدمت هذه الفنون بأدق وأعمق وأكمل ما يكون.

·   لقد فطن علماء الأمة إلى ظاهرة الوضع في الحديث النبوي، منذ البدء الواسع في تدوين الحديث وجمعه، وقد أحاطوا هذه الآفة وحاصروها من كل جهة، وأبطلوا مفعولها تماما، فهذه كتب الوضاعين والكذابين وتراجمهم شاهدة بذلك، وهذه كتب الأحاديث الموضوعة خير دليل على ما نقول.

·   إن علماء الحديث لم يكتفوا بذكر الأحاديث المقبولة الصحيحة في الكتب، باعتبار أن ما سواها يعد مردودا، ولكنهم ألفوا الكتب في الأحاديث الموضوعة مصرحين ببيان حالها، فهل يحق لمدع بعد ذلك أن يدعي اختلاط صحيح السنة بسقيمها؟!

·   لقد عرف المحدثون الوضاعين، فضربوا عليهم حصارا فكريا وعلميا، وميزوهم وكشفوهم، وكشفوا أساليبهم ودوافعهم، وذكروهم وأحصوهم فردا فردا، واستعدوا عليهم الحكام، وذكروا الأحاديث التي وضعوها مبينين حالها، وعلى صعيد آخر فإنهم ميزوا الصحيح من الضعيف والموضوع، ودون كل على حدة، أليس في كل هذا تمييز بين صحيح السنة وموضوعها؟!

·   هل نتجاهل هذا كله لنصدق كلاما لا يعتمد إلا على التخرص والطعن والوهم، متجاهلين كل هذه الحقائق التي شهد بها الأعداء أنفسهم حتى قال مرجليوث: "ليفتخر المسلمون بعلم حديثهم ما شاءوا"؟! نعوذ بالله من الخذلان والضلال.

 


(*) الرد على المستشرقين في شبهاتهم حول السنة النبوية, محمد شيخ عبد الله، مكتبة عباد الرحمن، القاهرة، ط 1، 1429هـ/ 2008م. المدخل إلى السنة النبوية, د. عبد المهدي عبد القادر عبد الهادي، مكتبة الإيمان، القاهرة، ط1، 1427هـ/ 2007م. دفع الشبهات عن السنة النبوية, د. عبد المهدي عبد القادر عبد الهادي، مكتبة الإيمان، القاهرة، ط1، 1421هـ/ 2001م. السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام, د. عماد السيد الشربيني، دار اليقين، مصر، ط1، 1423هـ/ 2002م. الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية, د. عبد العظيم المطعني، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1420هـ/ 1999م.

[1]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: العلم، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "رب مبلغ أوعى من سامع"، (1/ 190)، رقم (67).

[2]. صحيح: أخرجه الترمذي في سننه (بشرح تحفة الأحوذي)، كتاب: العلم، باب: ما جاء في الحث على تبليغ السماع، (7/ 347، 348)، رقم (2794، 2795). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي برقم (2658).

[3]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: العلم، باب: إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، (1/ 244)، رقم (110). صحيح مسلم (بشرح النووي)، المقدمة، باب: تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، (1/ 169).

[4]. الوضع في الحديث، د. عمر بن حسن عثمان فلاتة، مؤسسة مناهل العرفان، بيروت، 1401هـ/ 1981م، (1/ 177: 179) بتصرف.

[5]. السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، د. مصطفى السباعي، دار السلام، القاهرة، ط3، 1427هـ/ 2006م، ص79: 81 بتصرف.

[6]. أصول علم الحديث بين المنهج والمصطلح، د. أبو لبابة حسين، نقلا عن: السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام "مناقشتها والرد عليها"، عماد السيد الشربيني، دار اليقين، مصر، ط1، 1423هـ/ 2002م، (1/ 403).

[7]. الجرح والتعديل، ابن أبي حاتم الرازي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، د. ت، (1/ 7)، وأول الآية: ) ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (115) ( (النساء).

[8]. الكفاية في معرفة أصول علم الرواية، الخطيب البغدادي، (1/ 180، 181). والأثر المروي عن أبي زرعة ص188.

[9]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، (7/ 5)، رقم (3651).

[10]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، (7/ 25)، رقم (3673). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم، (9/ 3666)، رقم (6369).

[11]. صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: بيان أن بقاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمان لأصحابه وبقاء أصحابه أمان للأمة، (9/ 3657)، رقم (6348).

[12]. من جهود الأمة في حفظ السنة، د. أحمد حسين إبراهيم، مطبعة الحسين الإسلامية، القاهرة، ط1، 1419هـ/ 1999م، ص79، 80 بتصرف.

[13]. التأصيل الشرعي لقواعد المحدثين، د. عبد الله شعبان، دار السلام، القاهرة، ط1، 1426هـ/ 2005م، ص14 بتصرف.

[14]. التأصيل الشرعي لقواعد المحدثين، د. عبد الله شعبان، دار السلام، القاهرة، ط1، 1426هـ/ 2005م، ص13: 20 بتصرف.

[15]. كبرى اليقينيات الكونية، د. محمد سعيد رمضان البوطي، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط25، 1426هـ/ 2005م، ص31.

[16]. انظر: التأصيل الشرعي لقواعد المحدثين، د. عبد الله شعبان، دار السلام، القاهرة، ط1، 1426هـ/ 2005م، ص14: 18.

[17]. كبرى اليقينيات الكونية، د. محمد سعيد رمضان البوطي، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط25، 1426هـ/ 2005م، ص32: 37 بتصرف.

[18]. انظر: المختصر القويم في دلائل نبوة الرسول الكريم، د. وليد عبد الجابر أحمد نور الله، دار الصفا والمروة، مصر، ط1، 2006م، ص176، 177 بتصرف.

[19]. من ذلك ما استدركته عائشة رضي الله عنها على الصحابة رضي الله عنهم، وقد جمع الإمام بدر الدين الزركشي هذه الاستدراكات في كتاب أسماه "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة".

[20]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: العلم، باب: إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، (1/ 244)، رقم (110). صحيح مسلم (بشرح النووي)، المقدمة، باب: تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، (1/ 169).

[21]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: العلم، باب: إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم، (1/ 243)، رقم (109).

[22]. تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت، د. ت، (1/ 170).

[23]. تذكرة الحفاظ، الذهبي، دار الكتب العلمية، بيروت، د. ت، (3/ 1141).

[24]. انظر: لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث، عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، دمشق، ط5، 1429هـ/ 2008م، ص165: 171.

[25]. صحيح: أخرجه أبو داود في سننه (بشرح عون المعبود)، كتاب: الأدب، باب: في الحياء، (13/ 106)، رقم (4787). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود برقم (4797).

[26]. الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية، د. عبد العظيم المطعني، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1420هـ/ 1999م، ص169، 170.

[27]. الوضع في الحديث النبوي، د. عمر سليمان عبد الله الأشقر، دار النفائس، الأردن، ط1، 1424هـ/ 2004م، ص140.

[28]. دفع الشبهات عن السنة النبوية، د. عبد المهدي عبد القادر عبد الهادي، مكتبة الإيمان، القاهرة، ط1، 1421هـ/ 2001م، ص49 بتصرف.

[29]. انظر: الوضع في الحديث، د. عمر بن حسن عثمان فلاتة، مؤسسة مناهل العرفان، بيروت، 1401هـ/ 1981م، (3/ 444: 522). الوضع في الحديث النبوي، د. عمر سليمان عبد الله الأشقر، دار النفائس، الأردن، ط1، 1424هـ/ 2004م، ص141: 152.

[30]. السنة النبوية في كتابات أعداء الإسلام, د. عماد السيد الشربيني، دار اليقين، مصر، ط1، 1423هـ/ 2002م، (1/ 399) بتصرف.

[31]. السنة النبوية "مكانتها، عوامل بقائها، تدوينها", د. عبد المهدي عبد القادر عبد الهادي، دار النصر، القاهرة، 1989م، ص54 بتصرف.

[32]. دفع الشبهات عن السنة النبوية, عبد المهدي عبد القادر عبد الهادي، مكتبة الإيمان، القاهرة، ط1، 1421هـ/ 2001م، ص46.

[33]. الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة، عبد الرحمن اليماني، المكتب الإسلامي، ط2، 1405هـ/ 1985م، ص106.

click here My wife cheated on me women cheat husband
online redirect read here
online redirect read here
where to order viagra online buy viagra free shipping viagra sipari verme
why wife cheat cheat on my wife why women cheat in relationships
website why some women cheat redirect
read here my husband cheated on me why women cheat on men
مواضيع ذات ارتباط

أضف تعليقا
عنوان التعليق 
نص التعليق 
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها فقط ولا تعبر عن الموقع
 
 
 
  
المتواجدون الآن
  4616
إجمالي عدد الزوار
  8767975

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي


أخى المسلم: يمكنك الأستفادة بمحتويات موقع بيان الإسلام لأغراض غير تجارية بشرط الإشارة لرابط الموقع