مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

إنكار تبشير سيف بن ذي يزن لعبد المطلب جد النبي - صلى الله عليه وسلم - بمبعث نبي من نسله(*)

مضمون الشبهة:

ينكر بعض المشككين القصة التي وردت في المصادر التاريخية الصحيحة، والتي تقول: إن عبد المطلب جد النبي - صلى الله عليه وسلم - سافر في وفد من قريش إلى اليمن، لتهنئة سيف بن ذي يزن بتوليه ملك اليمن، وفي هذه المناسبة بشر سيف بن ذي يزن عبد المطلب بنبي من نسله وأوصاه بكتمان هذا الأمر عن قومه.

وجها إبطال الشبهة:

1)  قصة سيف بن ذي يزن وبشارته لعبد المطلب بنبي من نسله ثابتة من الناحية التاريخية، ومدونة في أوثق المصادر التاريخية، ولا يمكن التشكيك في ثبوتها.

2)  قصة سيف بن ذي يزن مع عبد المطلب ليست فريدة في بابها، فالمبشرات بميلاد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومبعثه كثيرة جدا، وقد أفاضت في ذكرها أحاديث الناس قبل مبعثه - صلى الله عليه وسلم - بزمن.

التفصيل:

أولا. بشارة سيف بن ذي يزن لعبد المطلب بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ثابتة في أوثق المصادر التاريخية:

في البدء لا بد أن نشير إلى حقيقة مهمة تتعلق بالبشارات الخاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مؤداها أن هذه البشارات من الأمور التي خالفت مجاري العادات، وما ألف الناس في كل مولود، فليس النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل كل مولود، فلا يصح لعاقل أن يقول إن هذه أوهام سيطرت، وخيالات خيلت، وظنون ظنت، لمخالفتها ما ألفه الناس[1].

ومع ذلك فإننا نرجح صدق هذه البشارات، ولا نلزم الناس بالإيمان بها؛ لأن هذه الأمور ليست جزءا مما دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الإيمان به، إذ إن ما يجب الإيمان به هو ما دعا إليه - صلى الله عليه وسلم - وما تكلم به عن الله عز وجل، وما نطق به القرآن الكريم، وحكم به الديان.

ونحن إذا تأملنا قصة سيف بن ذي يزن، والتي بشر فيها عبد المطلب بأن النبي المرتقب سيكون من نسله - نجدها قد وردت في أوثق المصادر التاريخية، وقد تنوعت هذه المصادر، مما لا يدع مجالا للشك فيها، كما أنه لا يوجد أي مانع عقلي في تصديق هذه القصة، وإليكم هذه القصة كما ذكرها البيهقي في كتابه دلائل النبوة، والتي ينتهي رواتها إلى أبي زرعة بن سيف بن ذي يزن نفسه يقول:

 "لما ظهر سيف بن ذي يزن على الحبشة، وذلك بعد مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - بسنتين، أتته وفود العرب وأشرافها وشعراؤها لتهنئته، وتذكر ما كان من بلائه وطلبه بثأر قومه، وأتاه وفد قريش منهم: عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس، وعبد الله بن جدعان، وأسد بن عبد العزى، ووهب بن عبد مناف، وقصي بن عبد الدار، فدخل عليه آذنه وهو في رأس قصر يقال له: غمدان، وهو الذي يقول فيه أمية بن أبي الصلت الثقفي:

اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا

في رأس غمدان دارا منك مـحلالا[2]

واشرب هنيئا إذ شالت نعامتهم[3]

وأسبل اليوم في برديك إسبالا[4]

تلك المكارم لا قعبان[5]من لبن

شيبا[6] بماء فعادا بعد أبوالا

قال: والملك متضمخ[7] بالعبير، يلصف وبيص[8] المسك في مفرق رأسه، وعليه بردان أخضران مرتديا بأحدهما متزرا بالآخر، سيفه بين يديه، وعن يمينه وشماله الملوك والمقاول[9]، فأخبر بمكانهم فأذن لهم، فدخلوا عليه ودنا منه عبد المطلب، فاستأذنه في الكلام فقال: إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنا لك.

فقال: إن الله - عز وجل - أحلك أيها الملك محلا رفيعا شامخا باذخا منيعا، وأنبتك نباتا طابت أرومته، وعظمت جرثومته[10]، وثبت أصله وبسق فرعه، في أطيب موضع وأكرم معدن، وأنت - أبيت اللعن[11] - ملك العرب الذي له تنقاد، وعمودها الذي عليه العماد، ومعقلها[12] الذي يلجأ إليه العباد، سلفك خير سلف، وأنت لنا منهم خير خلف، فلن يهلك ذكر من أنت خلفه، ولن يخمل ذكر من أنت سلفه. نحن أهل حرم الله - عز وجل - وسدنة[13] بيت الله، أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشفك الكرب الذي فدحنا[14]، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزأة[15].

قال له الملك: ومن أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم، قال: ابن أختنا. قال: نعم. قال: آذنه، ثم أقبل عليه وعلى القوم، فقال: مرحبا وأهلا - وأرسلها مثلا، وكان أول من تكلم بها - وناقة ورحلا، ومستناخا سهلا، وملكا ربحلا[16] يعطي عطاء جزلا، قد سمع الملك مقالتكم، وعرف قرابتكم، وقبل وسيلتكم، فإنكم أهل الليل والنهار، ولكم الكرامة ما أقمتم، والجباء[17] إذا ظعنتم[18].

ثم أنهضوا إلى دار الضيافة والوفود، وأجرى عليهم الأنزال[19] فأقاموا بذلك شهرا لا يصلون إليه، ولا يؤذن لهم في الانصراف، ثم انتبه لهم انتباهة، فأرسل إلى عبد المطلب فأدناه، ثم قال: يا عبد المطلب إني مفض إليك من سر علمي أمرا لو غيرك يكون لم أبح له به، ولكني رأيتك معدنه فأطلعتك طلعه، فليكن عندك مخبيا حتى يأذن الله - عز وجل - فيه: إني أجد في الكتاب المكنون، والعلم المخزون، الذي ادخرناه لأنفسنا واحتجبناه - دون غيرنا - خيرا عظيما، وخطرا جسيما، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة، للناس عامة، ولرهطك[20] كافة، ولك خاصة.

فقال له عبد المطلب: مثلك أيها الملك سر وبر، فما هو فداك أهل الوبر[21] زمرا بعد زمر؟ قال: إذا ولد بتهامة، غلام بين كتفيه شامة كانت له الإمامة، ولكم به الزعامة، إلى يوم القيامة. قال عبد المطلب: أيها الملك، لقد أبت بخير ما آب بمثله وافد قوم، ولولا هيبة الملك، وإجلاله وإعظامه، لسألته من سراره إياي وما ازداد سرورا. قال له الملك: هذا حينه الذي يولد فيه، أو قد ولد، اسمه محمد: يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه، قد ولدناه مرارا، والله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا، يعز بهم أولياءه ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس عن عرض[22]، ويستفتح بهم كرائم أهل الأرض، يعبد الرحمن، ويدحض - أو يدحر - الشيطان، ويخمد النيران، ويكسر الأوثان، قوله فصل، وحكمه عدل، ويأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله. قال له عبد المطلب: عز جدك[23]، ودام ملكك، وعلا كعبك، فهل الملك سارني بإفصاح، فقد وضح لي بعض الإيضاح؟ قال له الملك سيف بن ذي يزن: والبيت ذي الحجب، والعلامات على النقب، إنك لجده يا عبد المطلب، غير ذي كذب. قال: فخر عبد المطلب ساجدا، فقال له ابن ذي يزن: ارفع رأسك ثلج صدرك، وعلا كعبك، فهل أحسست بشيء مما ذكرت لك؟ قال: نعم أيها الملك، إنه كان لي ابن، وكنت به معجبا، وعليه رفيقا، وإني زوجته كريمة، من كرائم قومي، آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فجاءت بغلام فسميته محمدا، مات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه.

قال له ابن ذي يزن: إن الذي قلت لك كما قلت، فاحفظه، واحذر عليه من اليهود، فإنهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإني لست آمن أن تتداخلهم النفاسة[24] من أن تكون لكم الرئاسة فينصبون له الحبائل[25]، ويبغون له الغوائل[26] وإنهم فاعلون ذلك، أو أبناؤهم غير شك، ولولا أني أعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير يثرب، دار ملكي، فإني أجد في الكتاب الناطق، والعلم السابق، أن يثرب استحكام أمره، وأهل نصرته، وموضع قبره ولولا أني أقيه الآفات، وأحذر عليه العاهات، لأعلنت على حداثة سنه أمره، ولأوطأت على أسنان العرب كعبه، ولكن سأصرف ذلك إليك عن غير تقصير بمن معك.

ثم دعا بالقوم، فأمر لكل رجل منهم بعشرة أعبد سود، وعشر إماء سود، وحلتين من حلل البرود[27]، وخمسة أرطال ذهب، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال: إذا حال الحول[28] فأتني بخبره، وما يكون من أمره.

قال: فمات سيف بن ذي يزن قبل أن يحول عليه الحول، قال: فكان كثيرا ما يقول عبد المطلب، يا معشر قريش، لا يغبطني[29] رجل منكم بجزيل عطاء الملك وإن كثر، فإنه إلى نفاد، ولكن يغبطني بما يبقى لي ولعقبي ذكره وفخره. فإذا قيل: وما هو؟ قال: سيعلم ما أقول ولو بعد حين" [30].

وليس ثمة ما يستدعي التشكيك في هذه القصة بحال، ولا ما يثير الطعن في صدقها؛ لأنها رويت بأكثر من طريق وذكرت في أكثر من مصدر "فحق علينا أن نقبلها؛ لأن خبر الصادق يقبل، ما دام لم يعرف عليه كذب، والأحكام تبنى على أخبار الصادقين"، ولو كان فيها احتمال الكذب؛ لأنه احتمال غير مبني على دليل ومجرد الاحتمال لا يمكن أن يكون سببا لرد أقوال الصادقين، وإلا ما حكم قضاء، ولا أدين متهم، ولا ثبت حق، ولا دفع باطل[31].

أما من ناحية قبول العقل لهذه القصة، فلا نجد أي مانع من قبول العقل لهذه القصة، وغيرها من القصص التي تبشر بقرب ظهور النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن إذا تأملنا قصة سيف بن ذي يزن، وحديثه مع عبد المطلب لا نجد فيها أي مبالغة حيث: كانت اليمن تابعة للحبشة فكره أهلها حكمهم، ونهض سيف بن ذي يزن لاسترداد عرش آبائه فسعى لدى الإمبراطورية الرومانية لشد أزره فلم يفلح، فالتجأ إلى ملك الفرس فأمده بجيش فحارب الحبشة وانتصر عليها، وقتل واليها الذي كان يدعى مسروقا، فليس هناك اعتراض على ذهاب الوفود العربية لتهنئة ابن ذي يزن من الوجهة التاريخية، أضف إلى ذلك أن الواجب يقضي على رؤساء العرب ذلك لقرابتهم وجوارهم واشتراك مصالحهم التجارية؛ لأنهم كانوا يرحلون إلى اليمن للتجارة في الشتاء كما كانوا يرحلون إلى الشام صيفا [32].

وكذلك كان يجب عليهم - وخاصة سادة مكة - أن يهنئوا الملك الذي استطاع القضاء على ملك الأحباش الذين أرادوا هدم الكعبة من قبل في العام الذي ولد فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بزعامة أبرهة الأشرم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فالمتتبع للسيرة النبوية يجد أن هذه القصة ليست فريدة في باب التبشير برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن ما أخبر به سيف عبد المطلب قاله بحيرا لأبي طالب، وعرفه سلمان الفارسي، وأذاعه أحبار اليهود.

ولعل ما أخبر به ابن ذي يزن عبد المطلب كان من الأسباب التي جعلت عبد المطلب يكرم النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقول لأولاده إذا نحوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مجلسه لصغره: "دعوا ابني، فوالله، إن له لشأنا".

إن الطفل الصغير، ذا المستقبل العظيم، تظهر عليه آيات العظمة والذكاء منذ نعومة أظفاره، ويكون له جاذبية خاصة تميزه عن سائر الأطفال، ويكون محبوبا مفضلا على غيره أينما حل، وهذا هو شأن الرجال كما تلونا من سيرهم.

فكان عبد المطلب، جد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرعاه رعاية خاصة ويؤثره على أولاده بسبب تلك الجاذبية والعظمة الكامنة فيه منذ الصغر، وهذه العظمة كانت تزداد وضوحا كلما ترعرع وكبر، وقد ثبت مما رواه الصحابة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت له جاذبية فكانوا يحبونه محبة فائقة ولا يخالفون له أمرا.

إن عبد المطلب لم يكن يعلم أن محمدا ذلك الطفل الصغير سيكون رسول الله، لكنه كان يشعر في قرارة نفسه بتلك الجاذبية التي لازمته طول مدة حياته، وبتلك العظمة الكامنة فيه، وهذا هو السر في محبته وشدة رعايته له، ولا سيما أن عبد المطلب كان رجلا عظيما، جليلا ذا فطنة وفراسة، فكان يقول لأولاده: "دعوا ابني، فوالله، إن له لشأنا" [33].

ومن ثم فلا يقبل قول من يطعن في هذه القصة، ولا في غيرها من المبشرات التي سبقت مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وإننا إذا رجعنا إلى ما كتبته الأناجيل الحاضرة في مولد عيسى - عليه السلام - وطالعنا ما ألزمت به النصارى الذين يؤمنون بها ويزعمون صدقها - لوجدنا أن ما تذكره السيرة النبوية لا يعد شيئا كثيرا بالنسبة لما ذكرته الأناجيل وأوجبت الإيمان به، ولنقبض قبضة يسيرة مما جاء في هذه الأناجيل وما زعمته بالنسبة لولادة المسيح عليه السلام:

·       جاء في إنجيل متى أنه: "لما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية، في أيام هيرودس الملك، إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم قائلين: أين هو المولود ملك اليهود؟ فإننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له". (متى 2: 1، 2).

·       وجاء في إنجيل لوقا: "فولدت ابنها البكر وقمطته[34] وأضجعته في المذود،[35] إذ لم يكن لهما موضع في المنزل. وكان في تلك الكورة[36] رعاة متبدين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم، وإذا ملاك الرب وقف بهم، ومجد الرب أضاء حولهم، فخافوا خوفا عظيما. فقال لهم الملاك: لا تخافوا! فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب: أنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب. وهذه لكم العلامة: تجدون طفلا مقمطا مضجعا في مذود. وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوي مسبحين الله وقائلين: المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة. ولما مضت عنهم الملائكة إلى السماء، قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض: لنذهب الآن إلى بيت لحم وننظر هذا الأمر الواقع الذي أعلمنا به الرب. فجاءوا مسرعين، ووجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعا في المذود. فلما رأوه أخبروا بالكلام الذي قيل لهم عن هذا الصبي. وكل الذين سمعوا تعجبوا مما قيل لهم من الرعاة. وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكرة به في قلبها. ثم رجع الرعاة وهم يمجدون الله ويسبحونه على كل ما سمعوه ورأوه كما قيل لهم". (لوقا 2: 7 - 20).

هذه قبضة مما عند النصارى في أناجيلهم، ولا عجب في موقفهم إذا تذكرنا قول عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما -: إن الإنسان يرى الشظية[37] في عين أخيه، ولا يرى الخشبة في عينه هو، وما ذلك إلا لعدم الإنصاف[38].

ثانيا. قصة سيف بن ذي يزن مع عبد المطلب ليست فريدة في بابها؛ فالمبشرات بميلاد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومبعثه كثيرة، وقد فاضت بذكرها أحاديث الناس قبل مبعثه بقرون طوال:

إن الحوادث العظام لا تأتي الناس بغتة، وإنما لها بين يديها مبشر بها ونذير، فالطل رسول ماء السماء المنهمر، وبزوغ الشمس يسبقه فلق الإصباح، وجريان النهر لا يكون إلا بعد قطر الأمطار، ولقد أتت النبوة الخاتمة على هذه السنة وذاك النسق، فذكرها في الكتب السابقة، وفي كلام الأنبياء قبلها - تمهيد لأمرها، وقد كثرة الحديث عنه - صلى الله عليه وسلم - على ألسنة الحكماء وأهل الديانات، كثرة أهلت أولي الألباب لاستقبال أمره - صلى الله عليه وسلم - فما كان لنبوة النبوات أن تأتي الناس بغتة[39].

المبشرات بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في الكتب السابقة:

فعن عطاء بن يسار قال: «لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قلت: أخبرني عن صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التوراة، قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة، ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما وقلوبا غلفا» [40].

هذا وما بقي من التوراة التي يقدسها بعض أهل الكتاب بعد تحريفها ما يشهد لهذا المحذوف[41].

وقد أخبر القرآن عن عيسى - عليه السلام - أنه قال لقومه: )وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين (6)( (الصف).

وتلك بشارة ثابتة بهذا النص، سواء تضمنت الأناجيل المتداولة هذه البشارة أم لم تتضمنها[42]. هذا من جانب، ومن جانب آخر نجد أن ذكره - صلى الله عليه وسلم - متداولا على ألسنة المبشرين بمبعثه من بني قومه وغيرهم فيما هو أقرب للقصة التي نحن بصددها، ومن تلك الأخبار ما يأتي:

·         إخبار كعب بن لؤي بأمره صلى الله عليه وسلم:

لقد فاضت بذكره - صلى الله عليه وسلم - أحاديث الناس من قبل مبعثه بقرون طوال، فعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: كان كعب بن لؤي يجمع قومه يوم الجمعة - وكانت قريش تسمي يوم الجمعة "عروبة" - فيخطبهم فيقول: أما بعد، فاسمعوا وتعلموا وافهموا واعلموا، ليل ساج، ونهار ضاح، والأرض مهاد، والسماء بناء، والجبال أوتاد، والنجوم أعلام، والأولون كالآخرين، والأنثى والذكر، والروح وما يهيج إلي بلى[43] صائر، فصلوا أرحامكم واحفظوا أصهاركم، وثمروا أموالكم، فهل رأيتم من هالك رجع، أوميت نشر؟ الدار أمامكم، والظن غير ما تقولون، حرمكم زينوه وعظموه، وتمسكوا به فسيأتي له نبأ عظيم، وسيخرج منه نبي كريم ثم يقول:

نهار وليل كل يوم بحادث

سواء علينا ليلها ونهارها

يئوبان بالأحداث حتى تأوبا

وبالنعم الضافي[44] علينا ستورها

على غفلة يأتي النبي محمد

فيخبر أخبارا صدوقا خبيرها

ثم يقول: والله لو كنت فيها ذا سمع وبصر، ويد ورجل لتنصبت فيها تنصب الجمل؛ ولأرقلت[45] فيها إرقال الفحل. ثم يقول:

يا ليتني شاهدا فحواء دعوته

حين العشيرة تبغي الحق خذلانا

قال أبو نعيم: وكان بين موت كعب بن لؤي ومبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسمائة عام وستون سنة[46].

·         قصة تبع ملك اليمن:

وقبل مبعثه - صلى الله عليه وسلم - بسبعة قرون قدم تبع أسعد الكامل ملك اليمن بجيوشه على مكة ويثرب في ذهابه إلى الحيرة، وخلف ابنا له بين أظهر أهل المدينة فقتل فيهم غيلة[47]، فعزم على استئصال أهلها لقتلهم ابنه، وزاد من عزمه عليهم ما وقع من الأحمر أحد بني عدي مع أحد رجاله الذين اعتدوا على تمره فضربه بمنجله فقتله.

قال ابن إسحاق: وقد كان رجل من بني عدي بن النجار يقال له أحمر عدا على رجل من أصحاب تبع حين نزل بهم فقتله، وذلك أنه وجده في عذق[48] له يجذه فضربه فقتله وقال: إنما التمر لمن أبره[49]، فاقتتلوا، فتزعم الأنصار أنهم كانوا يقاتلونه بالنهار ويقرونه[50] بالليل فيعجبه ذلك منهم، ويقول: والله إن قومنا لكرام، فبينما تبع على ذلك من قتالهم إذ جاءه حبران من أحبار اليهود، من بني قريظة عالمان راسخان في العلم حين سمعا بما يريد من إهلاك المدينة وأهلها، فقالا له: أيها الملك لا تفعل، فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها ولم نأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما ولم ذلك؟ فقالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحرم من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى عن ذلك، ورأى أن لهما علما[51].

·        بشارة نسطور الراهب:

ويشبه ذلك ما أخبر به نسطور الراهب ميسرة غلام خديجة - رضي الله عنها - أخرج ابن إسحاق والطبري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بلغ خمسا وعشرين سنة، خرج في مال خديجة بنت خويلد مع غلام لها يقال له ميسرة إلى الشام، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نزل في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان، فاطلع الراهب إلى ميسرة فقال له: من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال له ميسرة: هذا رجل من قريش من أهل الحرم فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي[52].

ولو أنا أردنا أن نتتبع كل الإرهاصات التي بشرت بقرب ظهور النبي - صلى الله عليه وسلم - سنجدها كثيرة جدا لدرجة يصعب حصرها والإلمام بها، وما قصة إسلام سلمان الفارسي بمجهولة لأحد في هذا الباب، وعليه فإن قصة سيف بن ذي يزن وتبشيره لعبد المطلب بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ليست فريدة من نوعها، حتى ولو كان في هذه المبشرات بعض الخوارق؛ لأن هذا المولود - كما سبق أن قلنا - لم يكن ككل مولود، ولم تكن حياته كحياة غيره من البشر.

ومع وضوح الأمر في تلك البشارات، وأنها لم تكن لغيره - صلى الله عليه وسلم - فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يعتمد عليها، في تبليغه للناس، وإنما اكتفى بالقرآن، وصريح نسبه وسابق وصفه وحاله بينهم، وكانت تلك البشارات فضلا من الله حظي به من سلم قلبه، وصدقت وجهته، فلم يكن إيمان من آمن به لأنه عرفه وحسبه أن عرف، ولكنه فضل الله يختص به من يشاء: )والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم (105)( (البقرة).

وحسب هذه البشارات أنها من دلائل صدق نبوته صلى الله عليه وسلم.

الخلاصة:

·   إن قصة سيف بن ذي يزن وتبشيره لعبد المطلب بنبي من نسله ثابتة تاريخيا وواردة في أوثق المصادر التاريخية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فهي مقبولة عقلا، حيث كان الواجب يحتم على سادة العرب أن يهنئوا سيف بن ذي يزن لاسترداد عرش آبائه، وذلك لقرابتهم وجوارهم واشتراك مصالحهم التجارية، وعلى الرغم من اشتمال القصة على خوارق لم يألفها الناس، إلا إنها عادية لدى من عندهم علم من الكتاب بصفات النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن دلائل نبوته كانت معلومة لديهم.

·   إن الحوادث العظام لا تأتي الناس بغتة، ولا نجد حادثا أعظم من مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذا سبق مولده الكثير من المبشرات، فلم تكن بشارة سيف بن ذي يزن هي الفريدة في بابها، بل وجدنا في الكتب السابقة الكثير من البشارات به، وفي كلام الأنبياء قبله تمهيد لأمره، وقد كثر الحديث عنه على ألسنة الحكماء وأهل الديانات، مما أهل أولى الألباب لاستقبال أمره - صلى الله عليه وسلم - وتصديق نبوته فما أخبر به سيف بن ذي يزن عبد المطلب قاله بحيرا لأبي طالب، وعرفه سلمان الفارسي وأذاعه أحبار اليهود.

 

 

 



(*) محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، محمد رضا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1395هـ/ 1975م.

[1]. خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، الإمام محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، القاهرة، ط1، 1425هـ/ 2004م، ص106 بتصرف.

[2]. المحلال: المكان كثير الرواد.

[3]. شالت نعامتهم: ولت أمورهم أو تفرقوا.

[4]. الإسبال: إرخاء الثوب.

[5]. القعبان: مثنى قعب، وهو إناء كبير مصنوع من الفخار.

[6]. شاب الشيء: خلطه.

[7]. المتضمخ: المتلطخ بالطيب.

[8]. يلصف وبيص: يبرق بريق.

[9]. المقاول: جمع قيل، وهو الملك من ملوك حمير دون الملك الأعظم، وهو بمنزلة الوزير.

[10]. الأرومة والجرثومة: الأصل والنسب.

[11]. أبيت اللعن: لم تأت ما يوجب اللعن، وهي عبارة للتنزيه.

[12]. المعقل: الملجأ والحصن.

[13]. السدنة: الخدم والحجاب.

[14]. فدح: أصاب.

[15]. المرزأة: المصيبة.

[16]. الربحل: التام الخلق والعظيم الشأن.

[17]. الجباء: ما يجمعه السادة والملوك من رعاياهم من أموال وغيرها.

[18]. الظعن: الترحال.

[19]. الأنزال: ما يهيأ للضيف من طعام ونحوه.

[20]. الرهط: العشيرة.

[21]. أهل الوبر: أهل البادية.

[22]. الضرب عن عرض: أي لا يبالون من ضربوا.

[23]. الجد: العظمة والجلال.

[24]. النفاسة: الحسد.

[25]. الحبائل: الشباك.

[26]. الغوائل: الدواهي والمهلكات.

[27]. البرود: جمع برد، وهو الكساء المخطط أسود مربع فيه صور.

[28]. حال الحول: دار العام.

[29]. الغبطة: تمني النعمة التي عند الغير مع عدم زوالها عنه.

[30]. دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، البيهقي، علق عليه: د. عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405هـ/ 1985م، ج2، ص9: 14.

[31]. خاتم النبين صلى الله عليه وسلم، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، القاهرة، ط1، 1425هـ/ 2004م، ج1، ص105.

[32]. محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، محمد رضا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1395هـ/ 1975م، ص28 بتصرف.

[33]. محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، محمد رضا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1395هـ/ 1975م، ص29.

[34]. قمط الصبي: لفه في قطعة قماش في الأيام الأولى من ولادته.

[35]. المذود: المكان الذي يوضع فيه العلف للدابة.

[36]. الكورة: ما يقابل المدينة أو المحافظة في العصر الحديث.

[37]. الشظية: الفلقة التي تتناثر من أي جسم صلب.

[38]. خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، القاهرة، ط1، 1425هـ/ 2004م، ج1، ص106، 107.

[39]. مقدمات النبوة وإعداد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع معجزاته وخصائصه، د. يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر، ط2، 1405هـ/ 1985م، ص103 بتصرف يسير.

[40]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب كراهية السخب في السوق (2018).

[41]. مقدمات النبوة وإعداد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع معجزاته وخصائصه، د. يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر، ط2، 1405هـ/ 1985م، ص103.

[42]. مقدمات النبوة وإعداد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع معجزاته وخصائصه، د. يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر، ط2، 1405هـ/ 1985م، ص105.

[43]. البلى: الفناء.

[44]. الضافي: الكثيرة السابغة.

[45]. الإرقال: الجد في السير والإسراع.

[46]. مقدمات النبوة وإعداد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع معجزاته وخصائصه، د. يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر، ط2، 1405هـ/ 1985م، ص106، 107.

[47]. الغيلة: الغفلة.

[48]. العذق: النخلة بحملها.

[49]. أبر النخل: لقحه ليثمر.

[50]. القرى: طعام الضيف.

[51]. مقدمات النبوة وإعداد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع معجزاته وخصائصه، د. يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر، ط2، 1405هـ/ 1985م، ص106، 107.

[52]. مقدمات النبوة وإعداد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع معجزاته وخصائصه، د. يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر، ط2، 1405هـ/ 1985م، ص122.

wives that cheat link read here
open my husband cheated black women white men
husbands who cheat open my boyfriend cheated on me with a guy
my husband cheated married looking to cheat open
reasons wives cheat on their husbands why husbands cheat why do men have affairs
online redirect read here
where to order viagra online buy cheap deal online viagra viagra viagra sipari verme
where to order viagra online buy cheap deal online viagra viagra viagra sipari verme
viagra vison loss buy viagra online read
website why some women cheat redirect
dating a married woman unfaithful spouse i cheated on my husband
read cheat husband click here
read here website why women cheat on men
My girlfriend cheated on me find an affair signs of unfaithful husband
مواضيع ذات ارتباط

أضف تعليقا
عنوان التعليق 
نص التعليق 
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها فقط ولا تعبر عن الموقع
 
 
 
  
المتواجدون الآن
  3791
إجمالي عدد الزوار
  21692990

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي


أخى المسلم: يمكنك الأستفادة بمحتويات موقع بيان الإسلام لأغراض غير تجارية بشرط الإشارة لرابط الموقع