مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
what makes husbands cheat blog.perecruit.com why do women cheat
want my wife to cheat faithwalker.org husbands who cheat
women will cheat how to spot a cheater husband cheated on me
mobile phone spyware spyware apps for android spyware cell phone texting
bdsm boy sex stories kerala sex stories black female slave sex stories
order abortion pill online go quotes on abortion
order abortion pill online abortion clinic in atlanta ga quotes on abortion
terminate early pregnancy hysteroscopy d&c when you pregnant
terminate early pregnancy abortion clinic in houston when you pregnant
women who cheat on husband open women want men
unfaithful spouse turbofish.com married men who cheat with men
adult diaper lover stories free babysitter sex stories free readable adult stories
stop abortion montechristo.co.za scraping of the uterus procedure
stop abortion montechristo.co.za scraping of the uterus procedure
when married men cheat infidelity in marriage why women cheat
where is an abortion clinic blog.dastagarri.com how much does an abortion cost
best free android spy adammitchell.co.uk spy software for android
discount rx coupons discount pharmacy coupons walgreens store coupon
walgreens photo deals tomorrowstalents.com walgreens deal
letter to husband who cheated click infidelity
where can i get abortion pills go how late can you get an abortion
methods of abortion in early pregnancy scraping of the uterus procedure medications for pregnancy
walgreens photo coupon prints walgreens photo promo code walgreens in store photo coupon
walgreens photo online link walgreens photo coupon online
plan parenthood abortion site surgical abortion stories
women that cheat with married men solveit.openjive.com my husband almost cheated on me
revia 50mg read diprolene 0.12%
vibramycin clomid 50mg deltasone pill
discount coupons for prescriptions go viagra coupon card
viagra 100 mg viagra without a doctor prescription sildenafil 100mg
deltasone pill open vardenafil pill
deltasone pill zithromax 250mg vardenafil pill
prescription card f6finserve.com viagra coupon code
pharmacy discount card onlineseoanalyzer.com discount prescription card
cipro site propecia 1mg
prescription discount coupon site drug coupon card
cialis coupon free go coupons prescriptions
how much are abortion pills abortion prices price of abortion
abortion at 5 weeks open abortion support
coupon discounts read how much are abortion pills
order abortion pill online geekics.com coat hanger abortion
amoxicillin strep throat adult dosage amoxicillin strep throat adult dosage amoxicillin strep throat adult dosage
metformin gfr cut off metformin gfr cut off metformin gfr cut off
transfer prescription coupon redsoctober.com prescription coupons
prescription drug discount cards cialis coupon lilly
best ed treatment for diabetes diabetes and ed treatment
sitagliptin phosphate and metformin hydrochloride sitagliptin phosphate side effects sitagliptin phosphate msds
cost of abortion link teenage abortion
clorocil pomada posologia clorocil para gatos clorocil infarmed
cost of abortion pill ismp.org cost of abortions
amoxicillin antibiyotik fiyat amoxicilline amoxicillin-rnp
discount coupons for prescriptions klitvejen.dk coupon for prescriptions
amoxicillin dermani haqqinda amoxicillin al 1000 amoxicillin
abortion procedure achieveriasclasses.com abortion pill costs
discount prescription coupons free prescription cards discount drug coupons
naltrexone prescribing information zygonie.com what is naltrexone 50mg
what is a vivitrol shot click revia 50 mg
naltrexone where to buy open ldn homepage
does naltrexone stop withdrawals williamgonzalez.me naltrexone prescribing information
how does naltrexone make you feel naltroxine alcohol implant treatment
naltrexone headache oscarsotorrio.com naltrexone wikipedia
vivitrol for alcohol dependence low dose naltrexone buy where to get naltrexone implant
revia manufacturer go naltrexone overdose
naltrexone and opiates blog.jrmissworld.com naltrexine
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

ادعاء أن الإسلام حرم ربا الجاهلية دون غيره من أنواع الربا(*)

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المشككين أن الشريعة الإسلامية لا تحرم إلا نوعا واحدا من الربا، وهو ربا الجاهلية - النسيئة -، وما عداه ليس بمحرم، وبناء عليه يعتبرون أن الفوائد البنكية كلها حلال، إذ إن البنك لا يقترض من الناس، بل يقوم باستثمار ودائعهم في مختلف المشروعات، ويعطيهم على ذلك فائدة ثابتة أو متغيرة، وهذا لا يلحق ضررا بأحد، ولم يحرم بأي نص حسب زعمهم، ويهدفون من وراء ذلك إلى حل التعامل مع البنوك الربوية.

وجوه إبطال الشبهة:

1)  الربا لغة: الزيادة. واصطلاحا: فضل مال بلا عوض، ودليل تحريمه ثابت من القرآن والسنة والإجماع.

2)  أنواع الربا في الفقه الإسلامي.

3)  استشكالات ومزاعم حول تحريم الربا عامة، وربا القروض خاصة:

·        إنكار الإجماع على حرمة الربا.

·        التفريق بين الفائدة[1] والربا.

·        القروض الاستهلاكية هي المقصودة وحدها بربا القروض.

·        الفائدة الربوية بديل عن تضخم النقد.

·        تحصيل الربا من المصارف الأجنبية مشروع.

·        الربا المحرم هو الزيادة الطارئة مقابل الأجل الطارئ.

·        الربا ضرورة حياتية لا مناص منها.

·        الربا فيه مصلحة للفرد المقترض.

4) إن فوائد البنوك هي عين الربا، وليست مضاربة جائزة بين طرفين قائمة على الوضوح والصراحة ومبدأ المكسب والخسارة.

5) يعتمد تحريم الإسلام للربا على مجموعة من الدعائم الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية، التي تبين المقاصد الشرعية التي حرم الإسلام الربا من أجلها.

6) أية محاولة يراد بها إباحة ما حرم الله، أو تبرير ارتكابه بأي نوع من أنواع التبرير، إنما هي جرأة على الله وقول عليه بغير علم، وضعف في الدين.

التفصيل:

أولا. تعريف الربا وأدلة تحريمه:

الربا لغة: الزيادة، ومنه: ربا الشيء يربو ربوا ورباء: زاد نما، وأربيته: نميته، وفي التنزيل: )ويربي الصدقات( (البقرة: ٢٧٦). [2] وشرعا: فضل مال لا يقابله عوض في معارضة مال بمال، ومعنى هذا: أن الربا المحرم هو الزيادة المأخوذة على القرض دون أن يقابلها عوض، سواء كان هذا العوض سلعة أو منفعة أو عملا ونحو هذا، وتكون هذه الزيادة ربا إذا كانت مشروطة في القرض.

أدلة تحريم الربا:

1.  القرآن الكريم: فما كان للقرآن أن يترك مسألة كالربا دون أن يبرم فيها حكما؛ ولذا جاءت آياته تقطع بحرمته، فقال الله سبحانه وتعالى: )وأحل الله البيع وحرم الربا( (البقرة:٢٧٥)، وقوله سبحانه وتعالى: )يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (130)( (آل عمران)، وقال سبحانه وتعالى: )يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (279)( (البقرة).

2. السنة النبوية المطهرة: فقد وردت الآثار فيها بالتصريح بتحريم الربا؛ بحيث جاء بعضها تفسيرا للربا الذي نص عليه القرآن الكريم، وبعضها أتى بنوع آخر غير ما نص عليه القرآن الكريم؛ ومن الأول قوله صلى الله عليه وسلم: «وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله». [3] وقال صلى الله عليه وسلم: «ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون». [4] وقال صلى الله عليه وسلم: «الربا في النسيئة» [5].

 وربا النسيئة هو الربا المنصوص على تحريمه في القرآن الكريم، وهو أن يزيد المدين في الدين في نظير التأجيل؛ فهو زيادة بسبب النسيئة، أي التأجيل.

هذا بعض ما جاء في السنة تفسيرا أو تأكيدا لما جاء في القرآن الكريم من ربا محرم، والسنة قد حرمت نوعا آخر وسمته ربا، وهو الربا الذي يكون في المبيعات، وهي أشياء نص عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأوجب أن يكون البيع فيها بالمقايضة وبالمماثلة عند الاتحاد في جنس العوضين.

وأوضح حديث نبوي في ذلك ما رواه مسلم عن عبادة بن الصامت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد»[6].

وكما هو واضح فهذا الحديث الشريف يبين نوعا من الربا خاصا ببيع أشياء معينة قد يقاس عليها، وأوجب المماثلة في المقدار عند اتحاد الجنس، فبيع ذهب بذهب تجب المماثلة في القدر، ويجب القبض في الحال، وعند اختلاف الجنس لا تجب المماثلة في القدر، ولكن يجب القبض في الحال، فبيع الشعير بالقمح لا تجب فيه المماثلة في القدر، ولكن يجب القبض في الحال.

ويسمي الفقهاء الزيادة عند وجوب المماثلة "ربا الفضل"، ويسمى التأجيل عند وجوب القبض "ربا النساء"، وهذان النوعان خاصان بربا البيوع الذي ذكرته السنة النبوية الشريفة، كما يسمى ربا الديون الذي ذكرنا أن القرآن الكريم أتى به ربا النسيئة، وهو الزيادة في الدين في نظير الأجل [7].

3. الإجماع: اختلف الفقهاء فيما يلحق بالأصناف الستة، ويأخذ حكمها في حالة البيع، ويعد من الأموال الربوية، فإذا لم تتوافر الشروط المذكورة آنفا كان ربا الفضل أو النسيئة، وقد أفتت كل المجامع الفقهية بأن النقود الورقية لها ما للذهب والفضة من الأحكام. والاختلاف هنا إنما هو في حالة البيع فقط، أما في القرض فلا خلاف في تحريم أي زيادة مشروطة في العقد، ولا يقتصر هذا على الأصناف الستة وما يلحق بها، وإنما هو في كل شيء.

قال الإمام مالك في "المدونة": "كل شيء أعطيته إلى أجل فرد إليك مثله وزيادة فهو ربا". وقال ابن رشد الجد في مقدماته: "وأما الربا في النسيئة فيكون في الصنف الواحد وفي الصنفين. أما في الصنف الواحد، فهو في كل شيء من جميع الأشياء، لا يجوز واحد باثنين من صنفه إلى أجل من جميع الأشياء". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وليس له أن يشترط الزيادة عليه في جميع الأموال باتفاق العلماء".

وأهل الظاهر الذين خالفوا الجمهور، فوقفوا عند الأصناف الستة في البيع، لم يخرجوا على الإجماع في القرض. قال ابن حزم في "المحلى": "الربا لا يجوز في البيع والسلم[8] إلا في ستة أشياء فقط: في التمر، والقمح، والشعير، والملح، والذهب، والفضة. وهو في القرض في كل شيء". وقال: "وهذا إجماع مقطوع به". وقال ابن قدامة في "المغني": "كل قرض شرط فيه أن يزيده فهو حرام بغير خلاف". قال ابن المنذر: "أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية - فأسلف على ذلك - إن أخذ الزيادة على ذلك ربا". وقال القرطبي في تفسيره: "أجمع المسلمون نقلا عن نبيهم - صلى الله عليه وسلم - أن اشتراط الزيادة في السلف ربا، ولو كان قبضة من علف - كما قال ابن مسعود - أو حبة واحدة".

إذن: تحريم فوائد القروض ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، ومعلوم من الدين بالضرورة. قال الشيخ محمد أبو زهرة: إن النصوص القرآنية الواردة بالتحريم تدل على أمرين ثابتين لا مجال للشك فيهما:

الأول: أن كلمة الربا لها مدلول لغوي عند العرب كانوا يتعاملون به ويعرفونه، وأن هذا المدلول هو زيادة الدين نظير الأجل، وأن النص القرآني كان واضحا في تحريم ذلك النوع، وقد فسره النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه الربا الجاهلي، فليس لأي إنسان - فقيه أو غير فقيه - أن يدعي إيهاما في هذا المعنى اللغوي، أو عدم تعيين المعنى تعيينا صادقا، فإن اللغة عينته، والنص القرآني عينه بقوله سبحانه وتعالى: )وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم( (البقرة:٢٧٩).

الثاني: هو إجماع العلماء على أن الزيادة في الدين نظير الأجل هو ربا محرم ينطبق عليه النص القرآني، وأن من ينكره أو يماري فيه، فإنما ينكر أمرا علم من الدين بالضرورة، ولا يشك عالم في أي عهد من عهود الإسلام أن الزيادة في الدين نظير تأجيله ربا لا شك فيه [9].

ثانيا. أنواع الربا في الفقه الإسلامي:

يشير د. البوطي إلى أن أنواع الربا ترجع إلى نوعين رئيسيين:

الأول: ربا ناشئ عن القرض.

الثاني: ربا ناشئ عن مبادلة شيء بآخر، أو بيع شيء بآخر.

ولعلك تسأل عن الفرق بين القرض والبيع، أو بين القرض والمبادلة، إذن، فلنحرر الفرق بينهما، قبل المضي في بيان ما تفرع عن كل من هذين النوعين:

في عملية القرض يتعلق حق المقرض بذمة المقترض، دون أن يتمثل في أي بديل معين عن المال أو المتاع الذي أقرضه، أما في عملية المبادلة أو البيع، فإن حق المبادل أو البائع يتعلق بعين مشاهدة، أو مخصصة، وتتحدد مسئولية الطرف الآخر في تسليم هذه العين في الوقت المتفق عليه، حتى لو التزم هذا الطرف الثاني تجاه الأول أن يعطيه بديلا عنه من مماثل له أو متقوم به، وألزم ذمته بذلك، كان للطرف الأول أن لا يقبل؛ لأن حقه قد تخصص وتحدد بشيء معين بذاته. وهذا الفرق مما لا نعلم خلافا فيه بين أئمة الشريعة الإسلامية.

فإذا تبين أهم مظاهر الفرق بين القرض والبيع، فلنوضح الربا الناشئ عن كل منهما مع بيان حكمه:

أما الربا الناشئ عن القرض فله صورتان:

الأولى: أن يقول المقترض للمقرض: أنظرني في الأجل، أزدك في المال الذي لك علي، ولا فرق - كما هو واضح - بين أن يتفق الطرفان على هذه الزيادة مقابل الأجل ابتداء، أو يتفقا على ذلك فيما بعد.

فهذه الصورة محرمة بالإجماع، ولا نعلم أن هناك خلافا قد ظهر بين العلماء في أي من القرون الخالية، اللهم ما ظهر في عصرنا هذا من بعض الاجتهادات والآراء الباطلة.

الثانية: ما يعبرون عنه بقولهم: "ضع وتعجل"، وهو هنا جار على العكس من الصورة الأولى؛ وذلك بأن يقول المدين للدائن: ضع من الدين الذي لك علي أعجل لك في الدفع.

وقد اختلف الفقهاء في حكم هذه الصورة، فقد أجازها ابن عباس، وتبعه في ذلك زفر، وحرمها ابن عمر ومالك وأبو حنيفة والثوري، واختلف فيها قول الشافعي، ولسنا هنا بصدد تفصيل الأدلة والأقوال في هذه الصورة التي يكفي أن نقول عن الحكم فيها بأنه: حكم خلافي.

وأما الربا المحرم الناشئ عن المبادلة أو البيع فيتلخص في النوعين التاليين:

الأول: التفاضل في تبادل الأموال الربوية مطلقا إذا كانت من جنس واحد.

الثاني: النسيئة في تبادل الأموال الربوية مطلقا، أي سواء أكانت من جنس واحد أم من جنسين مختلفين.

وعلى هذا، فكل ما حرم التفاضل فيه بين البدلين حرمت فيه النسيئة أيضا، ولكن ليس كل ما حرمت فيه النسيئة حرم فيه التفاضل أيضا؛ إذ إن سبب حرمة النسيئة أعم من سبب حرمة التفاضل.

ولكن ما هي الأموال الربوية التي يجري فيها ربا الفضل أو النسيئة؟

هي قسمان:

الأول: منصوص عليه في الحديث الصحيح الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويندرج تحت هذا القسم ستة أنواع، نص عليها رسول الله في حديث عبادة بن الصامت: «سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والتمر بالتمر، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، إلا سواء بسواء عينا بعين، فمن زاد أو استزاد فقد أربى» [10].

الثاني: ما يمكن أن يقاس على كل من الذهب والفضة، وعلى كل من المطعومات الأربعة التي ذكرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثه هذا.

أما القسم الأول الذي شمل الأعيان الستة التي نص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أجمع المسلمون على تحريم الربا فيه؛ طبقا للبيان الذي ذكرناه.

وأما القسم الثاني وهو ما يمكن أن يقاس على هذه الأعيان الستة، فقد اختلفوا فيه بسبب اختلافهم في فهم علة الربا في هذه الأصناف المنصوص عليها: هل علة الربا في الذهب والفضة مطلق الثمنية أم جوهرية الأثمان، أو ما يعبر عنه برؤوس الأثمان؟

وهل علة الربا في الأصناف الأربعة الأخرى الاقتيات وقابيلة الادخار، أم مجرد الطعم، أم الخضوع لوحدة الكيل أو الوزن؟ [11].

تحريم القرآن والسنة قليل الربا وكثيره:

يفصل د. وهبة الزحيلي القول في ذلك موضحا الأمر وما قد يكتنفه من غموض أو لبس قائلا: حرمت الشريعة الإسلامية بصريح النصوص الشرعية والإجماع قليل الربا وكثيره بعبارة مطلقة عامة لا تحتمل التأويل، فقال الله سبحانه وتعالى: )وحرم الربا( (البقرة:٢٧٥)، وقال سبحانه وتعالى: )وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (279)( (البقرة).

قال الطبري في بيان معني الآية الأولى: "يعني الزيادة التي يزدادها رب المال بسبب زيادته غريمه في الأجل وتأخير دينه عليه. وقال في تفسير الآية الثانية: يعني جل ثناؤه بذلك: إن تبتم فتركتم أكل الربا، وأنبتم إلى الله - عز وجل - فلكم رؤوس أموالكم من الديون التي لكم على الناس دون الزيادة التي أحدثتموها على ذلك ربا منكم، ولا تظلمون بأخذكم رؤوس أموالكم التي كانت قبل الإرباء على غرمائكم منهم، دون أرباحها التي زدتموها ربا على من أخذتم ذلك منه من غرمائكم، فتأخذون منهم ما ليس لكم أخذه، أو لم يكن لكم قبل، ولا تظلمون من الغريم فيمنعكم حقكم؛ لأن ما زاد على رؤوس أموالكم لم يكن حقا لكم عليه، فيكون بمنعه إياكم ذلك ظالما لكم، وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن عباس يقول وغيره من أهل التأويل" [12].

وذكر القرطبي أن عقد الربا مفسوخ، لا يجوز بحال، ودلت الآية الثانية على أن أكل الربا والعمل به من الكبائر لا خلاف في ذلك، وقال عن الآية الأولى: )وحرم الربا( "هذا من عموم القرآن، والألف واللام للجنس، لا للعهد؛ إذ لم يتقدم بيع مذكور يرجع إليه، أي: إن الله - عز وجل - حرم جنس الربا قليله وكثيره، وقال: )يمحق الله الربا( (البقرة: ٢٧٦)، يعني في الدنيا؛ أي: يذهب بركته، وإن كان كثيرا. وقال سبحانه وتعالى: )فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله( (البقرة: ٢٧٩)، هذا وعيد إن لم يذروا الربا، والحرب داعية القتل. وقال الإمام مالك: إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه، فلم أر شيئا أشر من الربا؛ لأن الله أذن فيه بالحرب؛ قال سبحانه وتعالى: )فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم( (البقرة: ٢٧٩)؛ تأكيد لإبطال ما لم يقبض منه، وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه" [13].

وفي السنة النبوية: عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه»[14]. وعن عبد الله بن حنظلة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «درهم ربا يأكله الرجل - وهو يعلم - أشد من ست وثلاثين زنية»[15].

والأحاديث في ذلك كثيرة، وكلها تفيد العموم من غير تقييد بقليل أو كثير.

قال الشوكاني في بيان معنى الحديث الثاني: "يدل على أن معصية الربا من أشد المعاصي التي تعدل معصية الزنا التي هي في غاية الفظاعة والشناعة، بمقدار العدد المذكور، بل أشد منها، لا شك أنها تجاوزت الحد في القبح؛ لأن إثمه عند الله أشد من إثم من زنى ستا وثلاثين زنية، هذا ما لا يصنعه بنفسه عاقل، نسأل الله تعالى السلامة" [16].

إذن فكثير الربا وقليله حرام؛ كما يشير إلى ذلك الفهم الصحيح؛ لقوله سبحانه وتعالى: )يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة( (آل عمران: ١٣٠)، وقد تقدم القول بتحريم أي زيادة على رأس المال صراحة في صريح قول الله سبحانه وتعالى: )وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم( (البقرة: ٢٧٩) [17].

ثالثا. استشكالات ومزاعم حول تحريم الربا:

الاستشكال الأول: إنكار الإجماع على حرمة الربا.

يعترض بعض الذين يتصدون لمسألة الربا على القول بأن الربا مجمع على تحريمه، ويقولون: كيف تتم دعوى الإجماع، وقد خالف في ذلك عدد من الصحابة؟ ويذكرون في هذا أن عمر بن الخطاب كان يشكو من إشكال بعص مسائل الربا عليه، ويتمنى أن يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم - بين لهم حكم هذه المسائل بيانا شافيا، كما يذكرون خلاف ابن عباس وابن عمر في الربا، كما يذكرون اختلاف العلماء في دخول الربا في بعض الأصناف، ولوكان الربا محل إجماع ما اختلف العلماء فيه، فالاختلاف ينافي الإجماع.

وفي هذا الشأن يصرح د. عمر سليمان الأشقر: بأن كل هذا الذي جاءوا به مردود، فالربا الذي حرمه الله في كتابه الذي كان يتعامل به أهل الجاهلية لم يقع فيه اختلاف، ولم يذكر عن أحد من أهل العلم المعتد بهم قول بإباحته.

والذي وقع فيه شيء من الإشكال هو ربا الفضل، وقد خالف فيه بعض الصحابة في أول الأمر لعدم بلوغهم النصوص المحرمة له، فلما بلغتهم ممن سمعوها من الرسول - صلى الله عليه وسلم - سارعوا إلى الالتزام بها، والعمل بمقتضاها، والنقل عن عمر لا يجوز الاستشهاد به في هذا الموضع، فعمر - رضي الله عنه - أشكلت عليه بعض مسائله، ولكنه لم يخالف في حرمته، فالذي كان من عمر - رضي الله عنه - هو ما يسميه علماء الأصول بتحقيق المناط[18]، أي كون الربا متحققا في المسألة الفلانية أم لا.

يدلنا على هذا أمران:

الأول: أن عمر بن الخطاب أحد الصحابة الذين رووا عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حديث حرمة الربا، فعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب، ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء» [19].

الثاني: أن عمر بن الخطاب أنكر على رجلين خالفا مقتضى أحاديث ربا الفضل، فقد حضر عمر - رضي الله عنه - مالك بن أوس بن الحدثان النضري، وقد أعطي طلحة بن عبيد الله مائة دينار على أن يأخذ مكانها فضة، فطلب طلحة من مالك المهلة في الدفع حتى يحضر خادمه، فقال عمر رضي الله عنه: «لا تفارقه حتى تأخذ منه»[20]، وقال - في رواية أخرى: «كلا والله، لتعطينه ورقه [21]، أولتردن إليه ذهبه، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: الورق بالذهب ربا إلا هاء وهاء...» [22].

وإذا كان بعض أبواب الربا قد أشكل على عمر بن الخطاب، فإن الهدف الذي يرمي إليه عمر من إعلانه لهذا الأمر هو دعوة الناس إلي الاحتراس من مواضع الريبة، والبعد عن مظان الربا، وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: «إن آخر ما نزلت آية الربا، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبض، ولم يفسرها لنا، فدعوا الريبة والربا» [23].

إن الذي يريد عمر الوصول إليه مخالف بل مناقض لما يريد المحتجون بقوله الوصول إليه، هو يريد إبعاد الناس عن كل معاملة يظن أن فيها شائبة ربا، وهؤلاء الذين يحتجون بقوله يريدون إباحة التعامل بالربا بحجة أنه مختلف فيه، والأمران مختلفان ومتناقضان.

وأمر آخر نلمحه من كلام الخليفة الراشد، فكلامه يدل على أن مسائل الربا عويصة مشكلة، لا ينبغي أن يخوض فيها من لم يتعمق في العلم، ولم يصلب عوده فيه، كما يفعل بعض الذين يبحثون في مسائله اليوم، فيتجرأ هؤلاء على الفتوى فيه، وليس عندهم من العلم ما يؤهلهم للنظر في عويص المسائل، يقول العلامة المفسر ابن كثير: باب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم، وقد قال أمير المؤمنين: «ثلاث وددت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه: الجد والكلالة، وأبواب من الربا»[24]، يعني بذلك بعض المسائل التي فيها شائبة الربا.

أما دعوى مخالفة ابن عباس، وابن عمر في هذه المسألة، فإن هؤلاء الذين قالوا هذا أتوا من قصور في العلم، وقلة في الاطلاع، ولو كلفوا أنفسهم عناء البحث في كتب السنة لتكشف لهم أن هذين الصحابيين قالا ما قالاه قبل أن يبلغهما عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأحاديث المحرمة لربا الفضل، والمانعة منه، فلما بلغتهما لم يكن منهما أدنى تلكؤ أو تردد في أن يعلنا عودتهما إلى مقتضى النصوص.

وقد أورد الشيخ ناصر الدين الألباني في كتابه "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل" هذه الأحاديث وذكر مخرجيها ودرجتها من الصحة.

ونحن نورد ما أورده؛ حتى ينقطع القول بهذه الشبهة التي يضل بها بعض عباد الله. قال الشيخ: "روي في ربا الفضل عن ابن عباس، ثم رجع عنه". قال الترمذي وغيره، ثم قال: "صحيح، وله عنه طرق":

1. عن أبي نضرة قال: «سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف، فلم يريا به بأسا، فإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري، فسألته عن الصرف؟ فقال: ما زاد فهو ربا، فأنكرت ذلك لقولهما، فقال: لا أحدثك إلا ما سمعت من رسول الله، جاء صاحب نخل بصاع من تمر طيب، وكان تمر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا اللون، "وفي رواية: هو الدون" فقال له النبي: "إني لك هذا؟" قال: انطلقت بصاعين، فاشتريت به هذا الصاع، فإن سعر هذا في السوق كذا، وسعر هذا كذا، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ويلك أربيت، إذا أردت ذلك فبع تمرك بسلعة، ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت.

قال أبو سعيد: فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا، أم الفضة بالفضة؟ قال: فأتيت ابن عمر بعد فنهاني، ولم آت ابن عباس، قال: فحدثني أبو الصهباء، أنه سأل ابن عباس عنه بمكة فكرهه»[25].

وأصرح من رواية مسلم رواية الطحاوي عن أبي الصهباء: «أن ابن عباس نزع عن الصرف» [26].

2. الرواية الثانية صريحة في أن أبا سعيد الخدري حدث ابن عباس بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وروى عطاء بن يسار عن أبي سعيد قال: «قلت لابن عباس: أرأيت الذي تقول: الدينارين بالدينار، والدرهمين بالدرهم، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، فقال ابن عباس: أنت سمعت هذا من رسول الله؟ فقلت: نعم، قال: فإني لم أسمع هذا، إنما أخبرنيه أسامة بن زيد، قال أبو سعيد: ونزع عنها ابن عباس» [27].

3. عن أبي الجوزراء، قال: «سألت ابن عباس عن الصرف يدا بيد، فقال: لا بأس بذلك اثنين بواحد، أكثر من ذلك أو أقل، قال: ثم حججت مرة أخرى، والشيخ حي، فأتيت، فسألته عن الصرف، فقال: وزنا بوزن، قال: فقلت: إنك أفتيتني اثنين بواحد، فلم أزل أفتي به منذ أفتيتني، فقال: إن ذلك كان عن رأيي وهذا أبو سعيد الخدري يحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتركت رأيي إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم» [28].

حديث آخر: روى أبو صالح قال: «سمعت أبا سعيد الخدري يقول: "الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، مثلا بمثل، من زاد أو ازداد فقد أربى، فقلت له: إن ابن عباس يقول غير هذا، فقال: لقد لقيت ابن عباس، فقلت: أرأيت هذا الذي تقول: أشيء سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم وجدته في كتاب الله عز وجل؟ قال: لم أسمعه من رسول الله، ولم أجده في كتاب الله، ولكني حدثني أسامة بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الربا في النسيئة»[29] وفي رواية بلفظ: «لا ربا إلا في النسيئة»[30] وفي أخري: «ألا إنما الربا في النسيئة» [31].

حديث آخر: «عن عبد الله بن حنين أن رجلا من أهل العراق، قال لعبد الله بن عمر، وهو علينا أمير: من أعطى بالدرهم مائة درهم فليأخذها، فقال عبد الله بن عمر: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب وزنا بوزن، فمن زاد فهو ربا"، قال ابن عمر، إن كنت في شك فسل أبا سعيد الخدري عن ذلك، فسأله فأخبره أنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لابن عباس ما قال ابن عمر - رضي الله عنه - فاستغفر ربه، وقال: إنما هو رأي مني» [32].

وقد يقال: فما جوابكم عن حديث أسامة بن زيد "الربا في النسيئة" الجواب أن هذا الحديث كقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة»[33]، وقوله: «ألا إن القوة الرمي»[34]. فمن المعلوم أن في الحج أعمالا كثيرة لا بد للحاج من القيام بها، ومراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن عرفة أعظم هذه الأعمال، ومعلوم أيضا أن استخدام السيف والطعن بالرمح من القوة، ولكن الرمي أعظم هذه الأنواع، ومثل هذا يقال في حديث أسامة، أي: أن الربا العظيم الخطورة في النسيئة.

أما ما أورده من كون العلماء اختلفوا في ربا الفضل، فالجواب أن الاختلاف ليس في أصل تحريم ربا الفضل، بل في نطاق هذا التحريم، فمن العلماء من يدخل فيه أنواعا لا يدخلها غيره فيها؛ بسبب اختلافهم في مناط الحكم وعلته، يدلنا على هذا أن الأصناف الربوية التي نص الرسول - صلى الله عليه وسلم - على حرمتها ليست محل اختلاف بين الفقهاء الأعلام [35].

الاستشكال الثاني: التفريق بين الفائدة والربا.

استخدم طواغيت الفكر في أوربا في مواجهة رجال الدين النصراني الذين كانوا يحرمون الربا لفظ "الفائدة" بدل لفظ "الربا"، وقالوا: المحرم الربا لا الفائدة.

والفائدة عند الاقتصاديين الوضعيين غير الربا، وهما سواء في الحكم الإسلامي.

أما الفائدة عند الاقتصاديين: فهي الزيادة في رأس مال المقرض في مقابل الزمن، وتعني أن يتقاضى المقرض مبلغا زائدا على رأس المال، بغض النظر عن القيمة الإنتاجية لرأس المال، أو القيمة المضافة إلى الثروة، نتيجة استخدام رأس المال في الإنتاج، واختلف الاقتصاديون في تبرير أو تسويغ الفائدة على نظريات، مثل:

·       نظرية المخاطرة: الفائدة لتعويض مخاطر عدم سداد القرض للمقرض.

·       ونظرية التثمير: كون الفائدة ثمرة تشغيل رأس المال، والريع المالي شبيه بالريع العقاري.

·       نظرية الاستعمال: الفائدة هي ثمن استعمال المال.

·       نظرية إنتاجية رأس المال: كون الفائدة مقابل إنتاج رأس المال.

·       نظرية الزمن: كون الفائدة أجر الزمن.

·   نظرية التفضيل الزمني: الفائدة هي: الفرق بين القيمة الحالية والقيمة المؤجلة؛ لأن للمال قيمة آجلة أقل من قيمته الحاضرة.

·       نظرية تفضيل السيولة: كون الفائدة هي: تعويض عن النقود أو السيولة.

·       نظرية العمل: كون الفائدة أجرا لادخار المال، حيث إن للمال أجرا كما أن للعمل أجرا.

·       نظرية العمل المتراكم: المال مجرد متراكم فله مردود.

·       نظرية الندرة: لأن رأس المال عنصر نادر بخلاف الموارد الحرة.

·   نظرية التأمين: كون الفائدة مقابل قسط تأمين، كأن المقترض يقول للمقرض: أؤمنك من الخسارة مقابل معدل أقل.

وكل هذه النظريات منتقدة من وجهة النظر الإسلامية، وهي تصلح لمواجهة المذاهب الاشتراكية التي حرمت على رأس المال الفائدة والربح، ولا تصلح لمواجهة الإسلام الذي حرم فائدة القرض، وأجازها في البيع الآجل عند البيع لا عند الاستحقاق، وأجاز لرأس المال المشاركة بحصة من الربح، على أن حسابها في البيع بضمها إلى الثمن في الجملة، بحيث يصير قدرا مقطوعا لا يزيد مع الزمن، وهذه الزيادة لا تتغير بمرور الزمن، فهي في الحقيقة ليست من قبيل الفائدة.

وأما الربا عند الاقتصاديين: فهو في حال التضخم[36] يرتبط بالمعدلات العالية للتضخم التي تتجاوز 3% سنويا، وأما في حال الانكماش أو الكساد فيكون الإقراض مقابل الفائدة بمثابة الربا الفعلي، وأصبح الربا في المفهوم الغربي مميزا عن الفائدة، فالربا يتمثل بالفوائد الباهظة على القروض الاستهلاكية، أما الفائدة: فهي نتاج تلاقي العرض والطلب الإجمالي على رأس المال عند نقطة زمنية معينة، أي أن الفائدة بمثابة ريع الأرض، وإن كان الريع أشمل من الفائدة من وجهة نظر الاقتصاد الوضعي.

ويمكن تلخيص أوجه الاختلاف بين الربا والفائدة فيما يأتي:

1.  المرابي يحدد المبلغ الذي سيحصل عليه، بينما الفائدة تحددها الدولة - المصرف المركزي مع الأجهزة الحكومية.

2.  الربا يكون أضعافا مضاعفة، بينما الفائدة نسبة مئوية لا تتجاوز (10%) من قيمة القرض.

3. يسدد دين الربا دفعة واحدة عند حلول الأجل، بينما يسدد دين الفائدة، أو دين المصرف على أقساط شهرية، أو سنوية حسب طبيعة كل قرض.

4.  لا يحدد المرابي شكل إنفاق القرض، بينما يحدد المصرف مجال الإنفاق؛ كالزراعة، أو الصناعة، أو التجارة.

وبهذه الفروق يرى رجال الاقتصاد الوضعي أن الفائدة تختلف عن الربا في الجوهر والشروط والزمان والمكان وجهة الاستثمار، وتكون الفائدة أداة مهمة بيد الدولة بحسب حاجة الاقتصاد الوطني، وليست بحسب رغبات الأفراد.

أما في المفهوم الإسلامي: فلا فرق بين الفائدة والربا، وكلاهما حرام وممنوع شرعا، سواء كان ذلك في عقد البيع - ربا الفضل وربا النسيئة - أم في عقد القرض، وقد تكون فوائد البنوك المركبة أسوأ من ربا الجاهلية الذي حرمه الشرع في القرآن والسنة تحريما قاطعا لأسباب أربعة؛ وهي:

1. كان أهل الجاهلية يقرضون نقودا فعلية، وهي الدنانير الذهبية والدراهم الفضية، أما البنوك فهي إما أن تأخذ فوائد على ما لديها من ودائع، وإما على نقود وهمية.

2.  الفائدة في الجاهلية تتحدد بالتراضي، أما المقترض من البنوك فتفرض عليه الشروط فرضا، ولا يملك تغييرها.

3. كان أهل الجاهلية يحسبون الفوائد في نهاية المدة، أو على أقساط شهرية، أما البنوك فإنها تحسب الفائدة وتخصمها من البداية قبل أن يأخذ المقترض القرض، وينتفع به.

4. كانت القروض في الجاهلية تستخدم في الاستثمار الفعلي والتصدير والاستيراد، أما البنوك الربوية فهي مجرد وسيط بين المقرض والمقترض، ولا تستثمر ولا تشارك في تنمية فعلية، بل إن قوانين البنوك الربوية لا تسمح لها بالاستثمار، خلافا لما يتوهم بعض الناس أو المفتين جهلا وبعدا عن الحقائق، وتنظر هذه البنوك في الإقراض للضمانات فقط، ولا يعنيها النفع أو الضرر.

غير أن الربا في الإسلام محصور في بيع النقود والمطعومات أو الأشياء القابلة للادخار، وهو الرأي المتوسط فقها، وهي الذهب والفضة والقمح والشعير والتمر والملح وما في معناها، أي: كل ما يؤخذ أو يباع اقتياتا أو تفكها أو تداويا في رأي فقهاء الشافعية، وليست الفاكهة عند المالكية من الأموال الربوية، وكذلك يجري الربا في القروض، وكل قرض جر نفعا فهو ربا بالإجماع.

وقد نص قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم (10 / 10 - 2) على ما يأتي: "كل زيادة أو فائدة على الدين الذي حل أجله، وعجز المدين عن الوفاء به مقابل تأجيله، وكذلك الزيادة أو الفائدة على القرض منذ بداية العقد، هاتان الصورتان ربا محرم شرعا" [37].

الاستشكال الثالث: القروض الاستهلاكية هي المقصودة وحدها بربا القروض.

يدعي بعض الذين يقولون بوجود غموض في أدلة حرمة ربا الفضل أن الله - عز وجل - إنما حرمه في القرض الذي يحتاجه المقترض ليستهلكه في حاجاته المعيشية الأصلية لنفسه أو لأهله وأولاده، وأما ما يقترضه التجار وأصحاب رؤوس الأموال لتجاراتهم وأعمالهم الإنتاجية، فإن الله لم يحرمها، والآيات والأحاديث الدالة على حرمة ربا الدين بمعزل عنها.

والشبهة التي يتمسكون بها هي أن القرض لما كان عقد إرفاق وتيسير على الناس في أصل مشروعيته، وندب الشارع الناس إليه، ناسب أن يكون بعيدا عن اشتراط الربا؛ إذ من شأنه أن يفسد هذه الحكمة، ويعود إليها بالنقض.

وإنما يكون القرض إرفاقا بالمقترض إذا كان اقتراضه يعود بالتيسير عليه بعد عسر؛ أي بحيث يستفيد المقترض من المال الذي اقترضه لحاجة من حاجاته الاستهلاكية التي يعود بها على نفسه، أو على أهله وأولاده.

فأما التاجر الموسر الذي يقترض؛ ليوسع من تجارته، وليزيد من أرباحه، فإن إقراض الناس له أبعد ما يكون عن معنى الإرفاق؛ إذ إن هذا الإقراض له لا ينجيه من عسر ولا يخلصه من كرب، كيف؟ وهو غير معسر ولا مكروب! وإذا اختفى الإرفاق الذي هو المانع من الربا، فقد جاز للممنوع أن يعود، وذلك طبقا للقاعدة الفقهية القائلة: إذا ذهب المانع عاد الممنوع.

وربما استدل بعض هؤلاء بدليل آخر؛ ألا وهو المصلحة الداعية في هذا العصر إلى تنشيط الأعمال التجارية والصناعية التي لا يمكن لها أن تنشط إلا بالتعامل مع المصارف الربوية، وإذا تحققت المصلحة جاز لها أن تخصص النص الدال على حرمة الربا عموما.

ويوضح د. البوطي هذا الاستشكال المصطنع في نقاط وهي:

1. من أين ثبت لهؤلاء الناس أن علة تحريم الربا هي تعارضها مع مقتضى الإرفاق؟ لو كان الأمر كذلك لكان امتناع المقرض عن الاستجابة للمقترض في إقراضه أشد حرمة من الربا؛ لأن ذلك أشد تناقضا مع الإرفاق، فهل من قائل أن امتناع الإنسان عن أن يقرض صاحبه مالا تورط في محرم؟

إن تحريم الشارع للربا ليس إلا تطبيقا لقاعدة اقتصادية معروفة، هي أن المال لا يولد من المال، وإنما يولد المال من المنفعة يطرحها على الإنسان في المجتمع، ولما كان التعامل بالربا استيلادا للمال من المال؛ أي على النقيض من هذا القانون الاقتصادي، فقد اقتضت المصلحة التي هي محور أحكام الشريعة تحريمه وسد كل ذريعة إليه.

أما الإرفاق فوصية أخلاقية، يدعى الناس إلى أن يتعاملوا على أساسها من وراء هذا القانون الراسخ الذي لا مناص من اتباعه، وجد الإرفاق أم لم يوجد.

2. ألم يكن الفقهاء من السلف، بدءا من عصر الصحابة، أهلا لأن يعلموا هذا الذي يقتضيه الإرفاق في القروض الاستهلاكية، ثم لا يقتضيه في القروض الإنتاجية؛ لينتبهوا هم الآخرون إلى أن الربا محرم في القروض الاستهلاكية وحدها؟

فهل سمع أحد ممن يحمل لواء هذه الشبهة أو من غيرهم أن في الفقهاء السابقين، أيا كانوا، وفي أي عصر وجدوا، من فرق بين القروض الإنتاجية والاستهلاكية فحرم الربا في الثانية وأباحها في الأولى؟

ربما جاء من يقول: إن القروض الربوية في العصر الجاهلي وصدر الإسلام كانت كلها قروضا استهلاكية، ولذلك حرم الشارع الربا فيها.

ولكني أقول: إنها لجهالة بالغة، أو لقحة بالغة ممن يدعي هذا الكلام أن يقول ذلك! كانت القروض العربية تبلغ عشرات الآلاف، وربما تجاوز القرض الواحد مائة ألف درهم، وكان المقرضون يتخذون من مراباتهم بهذه القروض تجارة رابحة كبرى.

أفكانت هذه القروض الضخمة كلها معونة استهلاكية ضرورية لمعسرين؟! ومتى كان الرجل البدوي الذي لا تكلفه معيشته - مهما ارتفعت - أكثر من بضعة دراهم، يحتاج في معيشته الاستهلاكية هذه إلى عشرات الآلاف من الدراهم، ومتى كان العربي البدوي في ذلك العصر يعيش هذه الحياة المترفة الباذخة؟

كانت الأعمال التجارية ناشطة في الجاهلية وصدر الإسلام، وكانت القوافل التجارية غادية رائحة ما بين الشمال والجنوب، ولعل رأس المال التجاري كان الأساس الاقتصادي الوحيد أو الأول آنذاك. وما أكثر ما كانت هذه القوافل تقترض وتقرض! بل محال أن تقوم تجارة مستمرة ناشطة دون اعتماد على قروض. وهل كان أصحاب رؤوس الأموال من بني عبد المطلب وأغنياء ثقيف وبني عمرو بن عوف، وغيرهم إلا ممولين لهذه القروض؟

فكيف يصح بعد هذا لمثقف أن يأتي فيزعم أن القروض الربوية المعروفة في صدر الإسلام كانت كلها قروضا استهلاكية؟ ومن هذا القارئ الساذج الذي يصدق هذا الكلام ليتصور أن الرجل العربي في العصر الجاهلي كان يسكن في قصر باذخ منيف، وكانت قيعان قصره هذا مملوءة بأدوات اللهو والترف التي تعج بها حضارة القرن العشرين، مما يضطره أن يقترض بين الحين والآخر عشرات الآلاف من الدراهم ليسد بها عوزه وفاقته؟!

3.  من المبادئ الفقهية المفروغ منها هذا المبدأ الذي نلخصه فيما يلي:

المصلحة التي تتراءى للباحث الفقهي لا تعدو واحدة من ثلاثة أقسام:

·   مصلحة نص الشارع على مشروعية الأخذ بها، فهذه داخلة ضمن سلطان النصوص؛ كمصالح البيوع والرهن[38] والشركات.

·   مصلحة نص الشارع على حكم جار على وفقها، فهذه داخلة في الأحكام القياسية الموصولة بالنصوص عن طريق العلة القياسية؛ كمصلحة قتل سائر الحيوانات الضارة في الحرم، قياسا على الفواسق الخمسة التي أفتى رسول الله بقتلها في الحل والحرم.

·   مصلحة داخلة في عموم المقاصد الخمسة[39] التي ثبت أنها محور أحكام الشريعة الإسلامية، ولكن لم يرد نص عليها بخصوصها، ولم يأت أي حكم من الشارع على وفقها، فهذه تسمى - مصلحة مرسلة -، ومعنى مرسلة: أي أنها طليقة عن أي نص يؤيدها أو يعارضها، كل ما في الأمر أنها مندرجة في عموم المقاصد الخمسة.

فهذه الأقسام الثلاثة من المصالح مرعية ومعتبرة من الشارع، أولها تستوعبه النصوص وهو أقواها، ثانيها يندرج في القياس، وهو يأتي في الرتبة الثانية، ثالثها، يندرج في المصالح المرسلة، وهو يأتي في الدرجة الثالثة والأخيرة.

فأما ما وراء ذلك، فلا يعدو أن يكون مصلحة موهومة باطلة، وهي المصلحة التي جاء نص من الكتاب أو السنة بنقيضها، وتسمى: مصلحة ملغاة.

مثال ذلك: تصور وجود مصلحة في خروج المرأة سافرة غير ملتزمة بالحجاب الذي أمرها الله به، أو تصور وجود مصلحة في ترويج الميسر أو تيسير أسباب الفواحش، أو تصور أي مصلحة في الأعمال الربوية المنصوص على تحريمها.

فهذه أمثلة لمصالح وهمية، ومن ثم فهي ملغاة في ميزان الشريعة الإسلامية؛ وذلك لمعارضة النصوص الشرعية لها، فكيف يمكن القول باعتبارها وهي ملغية، ثم كيف يمكن القول مع ذلك بنهوضها إلى تخصيص النصوص، أي إلى الهيمنة عليها والتحكم بها؟

أما من يرى أن المصالح المرسلة تقوى على تخصيص النصوص التي تعارضها، سواء كانت نصوصا من القرآن أو السنة، فهذا كلام لا يعقل؛ إذ كيف تسمى مصالح مرسلة، إذا كانت معارضة بنصوص في القرآن أو السنة؟ وما الفرق المتبقي عندئذ بين المرسلة التي لا يعارضها ولا يؤيدها أي نص، والملغاة التي سميت ملغاة؛ لأن نصا ما قد عارضها؟!

الواقع أنه لا يوجد في فقه أي إمام ما يسمى بتخصيص المصلحة المرسلة للقرآن والسنة، بل لا يمكن أن يتصور كيف تأتي المصلحة المرسلة مخالفة للكتاب أو السنة وهي مرسلة؟! إن من الوضوح بمكان أن هذه المخالفة يكون عندئذ إخلالا بإرسالها.

وبقطع النظر عن هذا كله فإننا نقول: أين هي المصلحة التي تدعو إلى التعامل بالربا في القروض الإنتاجية؟

إن الله - عز وجل - لم يلغ مفسدة ظهرت للناس في صورة مصلحة، إلا أقام في مكانها مصلحة حقيقية خالية عن الشوائب، وعندما ألغى الله - عز وجل - الربا من القروض أقام في مكانه عقد القراض أو ما يسمونه بـ "المضاربة"[40]، إن للمقرض بموجب هذا العقد أن يشترط على المقترض الذي يتاجر بالقرض الذي أخذ منه، أن يعطيه نسبة يتم الاتفاق عليها من الربح الذي يحققه المال الذي أقرضه إياه.

فهذه هي المصلحة الحقيقية، لا تلك، وبوسعك أن تعلم ذلك من خلال القواعد الاقتصادية والموازين الأخلاقية دونما حاجة إلى أي شرح أو تطويل.

الاستشكال الرابع: الفائدة الربوية بديل شرعي عن تضخم النقد.

يرى الذين يسوغون ربا القروض أن من مؤيدات مشروعيته ما يتعرض له النقد من هبوط قيمته في أسواق التداول، فألف ليرة سورية تهبط قيمتها خلال عام مثلا إلى تسعمائة أو أقل، فإذا أخذ المقرض بعد عام من إقراضه هذا المبلغ مائة ليرة إضافية، فهي في الحقيقة ليست إلا تعويضا عن خسارة النقد، وإن بدت في الظاهر فائدة زائدة.

والجواب عن هذا الاستشكال - كما يراه د. البوطي - يأتي من عدة جوانب:

الأول: أن القرض من حيث هو تعاون أخلاقي في ميزان الشريعة الإسلامية، ولا يكون التعاون كذلك إلا إذا قام على نوع من الإيثار؛ ولذلك كانت مثوبة الإقراض أجزل من مثوبة الصدقة؛ كما ورد ذلك في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تلك هي نظرة الشريعة الإسلامية إلى الإقراض، وهي مختلفة بحكم البداهة عن نظرة المجتمعات الغربية وغيرها، فاتخاذ النظرة الغربية المادية أساسا تقاس به أحكام الشريعة الإسلامية خطأ كبير في فهم الأسس والمنطلقات.

الثاني: أن الخسارة التي يتعرض لها المقرض بإقراضه ليست محصورة في هبوط قيمة النقد وحده، بل ثمة خسارة أخرى هي أكثر احتمالا ما دام الأمر يوزن بهذا الميزان المادي الأناني وحده؛ وهي أن المقرض عندما حجز نفسه عن المال الذي أقرضه لغيره طوال المدة التي أقرضه خلالها، فإنه خسر الأرباح التي كانت بوسعه أن يجنيها من ذلك المال لو أبقاه في حوزته، وأدخله ضمن مشاريعه وأعماله التجارية، وتلك هي بالضبط حجة المرابين، بدءا من اليهود الذين هم أول من روجوا الربا في أسواق العالم إلى الذين جاءوا فتبعوهم في ذلك من بعد.

فإذا جاز - في ميزان الشرع - أخذ الفائدة الربوية بدلا من هبوط قيمة النقد، فلماذا لا يجوز أخذ هذه الفائدة ذاتها في ميزان الشرع - أيضا -، بدلا من فوات فرصة الاستفادة من المبلغ الذي تم إقراضه خلال مدة الإقراض؟

الثالث: إننا لو سلمنا بأن المقرض يتضرر من جراء إقراضه المال لمدة هبطت قيمته خلالها، وبأنه ضرر مسلم به شرعا، وبأن المسألة تخضع للقاعدة القائلة: لا ضرر ولا ضرار، والقاعدة القائلة: الضرورات تبيح المحظورات، والقائلة: الضرر يزال - لو سلمنا بذلك كله، فإن علاج ذلك لا يتم عن طريق الربا؛ ذلك لأن القاعدة الفقهية تقول أيضا: الضرر لا يزال بمثله، وإذا كان رجوع المال إلى صاحبه المقرض صادف هبوطا في قيمته عن يوم الإقراض، فعاد من جراء ذلك ضرر على المقرض، فإن معالجة هذا الضرر بفرض فائدة ربوية فيه على المقترض، يعود بضرر أبلغ على المجتمع ونظامه الاقتصادي، وسيرتد هذا الضرر أخيرا على الأفراد، ومنهم الشخص المقرض ذاته؛ ذلك لأن هبوط قيمة النقد لا يعالج باستحصال كمية نقدية زائدة، وإنما يعالج بإعادة المواءمة بينه وبين المنفعة التي تطرح في المجتمع.

إننا لو طرحنا في السوق مزيدا من العملة الورقية، كلما ازدادت قيمته هبوطا، لخلقنا بأيدينا تضخما نقديا يعود بأبلغ الضرر على المجتمع كله، ونتيجة ذلك، إن عاجلا أو آجلا، أن يعود ذلك بالخسارة والضرر على الأفراد كلهم، وفي مقدمتهم هذا الذي عالج التضخم بتضخم أشد منه وأخطر.

الاستشكال الخامس: تحصيل الربا من المصارف الأجنبية.

وهذه شبهة أخرى من الشبه العجيبة التي يصطنعها هؤلاء الناس؛ لإباحة الربا، وهي تعتمد على رأي للأحناف في باب الربا.

ويوضح د. البوطي أولا الرأي الذي قال به الحنفية في هذا الموضوع، ثم يذكر النتيجة التي توصل إليها هؤلاء الناس؛ ليتبين بعد ذلك مدى الصلة بين ذلك الرأي الفقهي وهذه النتيجة.

الربا في دار الحرب عند الحنفية:

يرى الإمام أبو حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن أنه لو دخل مسلم دار حرب، فبايع حربيا درهما بدرهمين مثلا جاز ذلك على أن تكون الزيادة للمسلم، ومثل ذلك أن يقامر المسلم الحربي، وقد أيقن المسلم أن الغلبة ستكون له.

قال في "تنوير الأبصار" ما شرحه: "ولا ربا بين حربي ومسلم مستأمن، ولو بعقد فاسد أو قمار ثمة - أي في دار الحرب ـ؛ لأن ماله ثمة مباح، فيحل برضاه مطلقا بلا غدر".

وقال في "بدائع الصنائع": "إذا دخل مسلم أو ذمي دار الحرب بأمان فعاقد حربيا عقد الربا أو غيره من العقود الفاسدة في حكم الإسلام جاز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.. "، ثم قال مبينا وجهة نظرهما في ذلك: "وجه قولهما أن أخذ الربا في معنى إتلاف المال، وإتلاف مال الحربي مباح؛ وهذا لأنه لا عصمة لمال الحربي ".

إذن فالمسألة تتعلق:

1.  بدار الحرب لا بدار الاستئمان أو الأمان.

2.  هي تتعلق بربا المبادلة والبيوع لا ربا القرض؛ كما نصوا على ذلك في أكثر من موضع.

3.  المسألة مشروطة بأن تكون الزيادة آيلة للمسلم لا للحربي.

النتيجة المستخلصة عند المروجين لإباحة الربا:

النتيجة التي يستخلصها هؤلاء الناس من رأي الإمام أبي حنيفة وصاحبه، أن المسلمين يحل لهم اليوم أن يتعاملوا مع المصارف الأجنبية بالربا، فيودعوا فيها أموالهم، ثم يأخذوا الفوائد الربوية عليها!!

فانظر إلى بعد ما بين البرهان والنتيجة، هل تجد إلا ما يثير الاشمئزاز المضحك، والتلاعب المفضوح الخائب؟

الحنفية يتكلمون عن دار الحرب والحربيين، وهؤلاء يتحدثون عن البلاد التي يقوم بيننا وبينها أمان دبلوماسي كامل!

الحنفية يتكلمون عن ربا النقود المتبادلة التي لا مجال فيها لاستيداع ثروات مالية في صناديق أجنبية، وهؤلاء يتحدثون عن ربا القروض، إذ تذهب من عندنا الملايين والمليارات إلى الصناديق الأجنبية، وتعود دريهمات لا تذكر باسم الفوائد إلى جيوب عربية!

والحنفية يتكلمون عن معاملة يعود كامل الكسب فيها - أصلا وفرعا - إلى خزينة المسلمين، وهؤلاء يتكلمون عن معاملة تستجر فيها الثروات الإسلامية كلها، أو جلها؛ لتوضع تحت تصرف الدولة الأجنبية، تفعل بها ما تشاء، وتستغلها في كل ما يؤذي هذه الأمة ويدعم عدوان المعتدين عليها، ويزيدها ضعفا وخبالا.

إذن ليس ثمة أي علاقة بين مسألة ربا التبادل والبيوع في دار الحرب من وجهة نظر الحنيفة، ومسألة ربا القروض التي تتمثل في توظيف المسلمين أموالهم الطائلة في مصارف أجنبية مقابل فوائد ربوية من وجهة نظر أصحاب هذه الشبهات.

أما مناقشة مذهب الحنفية في هذه المسألة وعرض أدلة أصحابه، وأدلة جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، وترجيح المذهب المختار، فهو شيء لا يعنينا في هذا المقام، ولسنا بصدده قط.

وليكن واضحا أننا لا نعني بتفنيد هذا الاستخلاص العابث العجيب، أن الفوائد التي تسجلها المصارف الأجنبية لأصحاب الأموال المودعة فيها يجب أن تترك لتلك المصارف، فالقول بذلك استجرار لبلاء فوق بلاء، ولكن الذي نعنيه أن ترك المسلمين أموالهم الطائلة في مصارف البلاد الأجنبية جناية مركبة من معصيتين اثنتين.

أولاهما: وضع المسلمين أموالهم التي أنعم الله بها عليهم بين أيدي أعدائهم؛ ليتقووا بها عليهم، ولتعود أخيرا دعما للقوى الصهيونية وغيرها من أعدائهم وأعداء هذا الدين.

ثانيهما: توظيف هذه الأموال في فوائد ربوية محرمة.

اختلاق المبررات الوهمية الباطلة لكلتا المعصيتين:

وأحب أن أقول بهذه المناسبة كلمة عن مصير الفوائد الربوية بالنسبة لمن تورط، فوضع أمواله في مصارف ربوية:

ليكن معلوما أنه ليس في قواعد الشريعة وأحكامها ما يصلح أن يكون فتوى بشرعية استحصال هذه الفوائد وأخذها امتلاكا؛ ذلك لأن ما بني على باطل فهو باطل، وقد بنيت هذه الفوائد على باطل متفق على بطلانه، وهو ترك أصل هذه الفوائد في مصارف ربوية توظفها في مشاريع ربوية، دون ضرورة ملجئة.

إلا أن السؤال الذي يظل مطروحا هو: فما الذي يجب أن يفعله صاحب الأموال المودعة في هذا المصرف بهذه الفوائد المتجمعة؟

والجواب أننا نعلم يقينا أنه ممنوع شرعا من أن يأخذها ويتملكها، كما أنه ممنوع شرعا من أن يتركها لذلك المصرف؛ ليكون مادة جديدة للمشاريع الربوية.. فإذا تجنب هذين السبيلين، فإن عليه بعد ذلك أن يجتهد - على مسئوليته، لا استنادا إلى فتوى شرعية جاهزة - في توجيه هذه الفوائد إلى الجهة التي يراها مناسبة؛ كأن يصرفها إلى حيث ينبغي أن تصرف الأموال الضائعة.

وعليه بعد هذا أن يكثر التضرع والالتجاء إلى الله أن يغفر ذنبه، ويقبل هذا الحل الذي لم يهتد إلى سبيل أمثل منه؛ فإن سلوك هذا السبيل أحرى أن يكون شفيعا له عند الله من أن يعتمد على فتوى شرعية مبتكرة تفتح له وللناس آفاق تصرفات محظورة من الشرع، ثم يركن منها إلى طمأنينة تامة بأنه لم يخالف الشرع، ولم يأت بأي مغامرة قد تعرضه لعقاب الله عز وجل.

الاستشكال السادس: الربا المحرم هو الزيادة الطارئة مقابل الأجل الطارئ.

يرى الشيخ رشيد رضا والإمام محمد عبده - رحمهما الله - أن الربا المحرم بنص القرآن والذي أكدته السنة: هو ذاك الذي يتوالد بعد العقد الأول للقرض، كأن يعجز المدين عن الوفاء عند حلول الأجل، فيطلب من المقرض أن يمد في الأجل على أن يزيد له في الفائدة، وهكذا.

أما ما اتفقنا عليه من الربا في العقد الأول، فليس في نظره مشمولا بالنص القرآني، ومن ثم فليس محرما.

وهو يستدل على هذا بقوله عز وجل: )يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة( (آل عمران: ١٣٠).

فتقييد الربا بكونه أضعافا مضاعفة، يكشف أولا عن الجانب المحرم من عمل العرب في الجاهلية، وهو فرض المقرض على المقترض زيادة إضافية طارئة من الربا بعد حلول الأجل؛ وذلك بسبب رغبة المقترض في مزيد من الإمهال، ثم هو ينبه ثانيا إلى المفهوم المخالف المبني عن عدم حرمة الربا المتفق عليه عند أول التعاقد بين الطرفين.

ويفند د. البوطي هذه الأقاويل وذلك من خلال النقاط الآتية:

1. كيف خفيت دلالة المفهوم المخالف لقيد )أضعافا مضاعفة( على المفسرين كلهم بدءا من الصحابة فالتابعين فمن بعدهم، حتى جاء الشيخ رشد رضا فعلم ما لم يعلمه العلماء والمفسرون كلهم من قبله، من أن الربا المحرم، إنما هو تلك الزيادات الإضافية التي تفرض مقابل مزيد من الإمهال، فأما ما قد اشترطه المقرض من أول يوم فهو ليس محرما بالغا من الكثرة ما بلغ؟!

والسؤال الأهم هو: كيف يتاح لي أو لأي قارئ مثلي يقف على هذا التفسير للشيخ رشيد رضا أن يقنع عقله ووعيه بأن كل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة والعلماء غفلوا عن معنى الآية، من حيث لم يتنبه إليه إلا هذا الشيخ الجليل؟

2. إذا كان من شأن القيد كلما وجد في الجملة أن يسوق معه دلالة على المفهوم المخالف؛ كما هو مقتضى فهم الشيخ رشيد رضا - رحمه الله - إذن فعليه أن يكتشف لنا المفهوم المخالف للقيد الوارد في قوله سبحانه وتعالى: )ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا( (النور: ٣٣)، وفي قوله سبحانه وتعالى: )ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم( (الإسراء:٣١)، وفي قوله سبحانه وتعالى: )وربائبكم اللاتي في حجوركم( (النساء: ٢٣)، فإن هذه المفاهيم قد خفيت هي الأخرى على سائر العلماء والصحابة السابقين.

ولا شك أن هذه المفاهيم المخالفة التي لا بد أن يسوقها الشيخ لنا، اقتداء بالمفهوم المخالف لـ: )أضعافا مضاعفة(، ستقضي بأن يترك الرجل فتاته تمارس البغاء إن لم ترد تحصنا، وبأن يباح قتل الرجل طفله إن لم يكن ذلك خشية إملاق، وبأن الربيبة التي هي بنت الزوجة لن تكون محرمة على الزوج إن لم تنشأ في حجره!

وليس من حق أي باحث أو مفكر أن يستعظم القول بهذه المفاهيم بعد أن استساغ الشيخ - رحمه الله - ما لا يقل عن هذه المفاهيم بشاعة، فقرر بأن للمقرض أن يفرض على المقترض من الفائدة الربوية ما يشاء، بالغا من الكثرة ما بلغ، بشرط أن يكون يقظا فيفرضها من أول يوم، ولا يجزئها مقسمة على المدد الآتية!

أما ما عرفناه نحن من أصول اللغة العربية ودلالاتها، فهو أن القيد الذي يكون في الجملة لا يجوز أن يحمل أي دلالة على مفهوم مخالف، حتى نستقرئ الاحتمالات والأدلة كلها، فنجزم بأن ليس ثمة أي فائدة أو معنى لهذا القيد إن أغضينا الطرف عما يشير إليه من المفهوم المخالف.

فأما إن بحثنا فرأينا أن القيد سيق مساق التعليل، أو لبيان الواقع، أو إبرازا لشناعة الفعل وقبحه، فلا مجال عندئذ لربط أي مفهوم مخالف بالقيد.

وقد أجمع المفسرون أن قيد الحال في قوله تعالى: )يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة( سيق لبيان شناعة ما كان عليه العرب من عدم الاكتفاء بقدر محدد من الربا الذي يفرضونه، واستغلال حاجة المقترض إلى مزيد من الإنظار، لمضاعفة الربا عليه، وهو الأمر الذي يعبر عنه شعارهم الشائع: أتقضي أم تربي؟ ولذا فلم يخطر ببال أي من أولئك العلماء المفسرين أن يحملوا الآية أي مفهوم مخالف.

على أن الذي يقطع دابر أي لجج أو جدل في هذه المسألة، قوله سبحانه وتعالى: )يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (279)( (البقرة)، فلم يبق هذا النص القرآني الجازم المبين أي مجال لتحميل القرآن هذا اللغو الباطل في العقل، والثقيل على النفس.

غير أننا نضيف إلى هذا، فنذكر بأن تحريم الربا لم يكن له - يوما ما - مقياس ناظر إلى الكمية التي تصل إليها الفائدة الربوية، ولا يقول هذا بصير بمعنى التشريع أو القانون قط، فحرمة الربا منوطة بحكمة تشريعية تعود إلى جوهر الربا من حيث ذاته، بقطع النظر عن الكمية، وما قد تتصف به من زيادة أو نقص.

إن الشارع الذي خلق لعباده المنافع، ثم قوم المنافع بما يضبطها في نطاق التبادل والتداول، وجعل من النقدين - أو ما يقوم مقامهما - ضابطا لذلك علم عباده من خلال تحذيرهم من الربا وتحريمه والتشديد في ذلك أن المال لا يلد المال، وإنما المنفعة المتقومة وحدها هي التي تلد المال، فمن حاول أن يستولد المال من مال مثله بعيدا عن المنفعة التي يجب أن تقابله، فقد جر المجتمع بذلك إلى مهلكه.

إذن فالأمر يتعلق بمبدأ علمي وحقيقة ذاتية، دون أي نظر إلى الكم، مهما تفاوت صعودا أو هبوطا [41].

الاستشكال السابع: الربا ضرروة لا مناص منها.

يرد الشيخ أبو زهرة على ذلك قائلا: لا مساغ لأحد يؤمن بالله ورسوله، ويجعل لحكمهما المقام الأعلى أن يقول إن شيئا من فائدة المصارف حلال، ولقد وجدنا بعض العلماء يفتح لهم نافذة أخرى، وهي نافذة الضرورة، فقد زعموا أن الاقتصاد في البلاد الإسلامية يقوم على المصارف. والمصارف تقوم على الربا، وفوق ذلك، فإن هذه الفائدة فيها مصلحة اقتصادية؛ إذ تنمي الادخار وتجعل المجتمع ينتفع بكل الأموال بدل أن تكون الأموال في الخزائن لا تنتج كالماء الآسن الذي لا ينتفع به أحد.

وفي الحق إن نظرية الضرورة قد لاقت رواجا، وخصوصا أنها جاءت علي لسان رجل تقي غير متحلل من الأوامر الدينية، ولا ممن يخضعون المقررات في الإسلام لأعراف الناس.

ومع إجلالنا لصاحب هذا القول نقرر أن الضرورة لا يتصور أن تتقرر في نظام ربوي، بل تكون في أعمال الآحاد؛ إذ إن معناها أن النظام كان يحتاج الربا كحاجة الجائع الذي يكون في مخمصة إلى أكل الميتة، أو لحم الخنزير، أو شرب الخمر، وأن مثل هذه الضرورة لا تتصور في نظام كهذا النظام، ولقد قيد العلماء الضرورة التي تبيح الحرام فيما إذا لم يأكل الحرام هلكت نفسه.

فهل الحاجة إلى التعامل بالربا من هذا الصنف حتى نستحل ما حرم الله تعالى، هل يكون الدائن فيه كمن لا يجد الأكل في الصباح، ولا في المساء؟ قد يكون المقترض في حال قريبة من هذا، ولكن المقرض لا يمكن أن يكون في مثل هذه الحال، قد يحتاج إنسان إلى الاقتراض؛ لأجل قوته الضروري، ولكن لا يمكن أن يكون المقرض في مثل هذه الحال.

إن من المقررات أن الضرورات تبيح المحظورات، ولقد قال الفقهاء إن الإسلام منع الحرج في الدين؛ ولذلك قسموا المحرمات قسمين: محرم لذاته لا يباح إلا للضرورة، ومحرم لغيره كرؤية جسم المرأة؛ فإنه يحرم لأنه ذريعة إلى الزنى. والمحرم لغيره يباح للحاجة كعلاج أو نحوه، والحاجة ما يمكن أن يعيش الإنسان من غيره، ولكن يكون في حرج وضيق.

أما الضرورة فهي ما يترتب علي تركه تلف النفس أو عضو من أعضاء الجسم، ومن أي نوع حاجة الاقتصاد الإسلامي إلى الربا؟ مع العلم بأن ربا النسيئة هو الربا الجلي وهو محرم لذاته، لا لغيره، فهو لا يباح إنما يباح فقط للضرورة.

أحاجة الاقتصاد الإسلامي إلى الربا من الضرورة التي تتلف النفس إن لم يؤخذ به، أم من قبيل الحاجة؟

قد عرفنا معنى الضرورة من الحديث النبوي الشريف الذي أوردناه، فهل الحاجة إلى الربا من هذا الصنف، وهل غلقت كل أبواب الإنتاج الحلال، أو سلكناها كلها ولا نجد مع ذلك ما يسد رمقنا إلا الربا، وهل حيل بيننا وبين الحلال، فلا نجد إلا الربا سبيلا لسد الجوع؟ اللهم: لا.

إن الفقهاء قد قرروا أنه لا يؤخذ من المحرمات التي تباح للضرورة إلا ما يسد الرمق، وقد توسع مالك فأجاز الشبع والتزود عند الضرورة، ومع ذلك فإن ذلك الإمام الجليل يقرر أنه لو طبق الحرام الأرض، أو ناحية منها بعسر الانتقال، وانسدت طرق المكاسب الطيبة، ومست الحاجة الزيادة عن سد الرمق، يسوغ لآحاد الناس - إذا لم يستطيعوا تغيير الحال وتعذر الانتقال إلى أرض تقام فيها الشريعة ويسهل الكسب الحلال - أن ينالوا كارهين بعض هذه المكاسب الخبيثة.

فهل نحن الآن قد انسدت أمامنا كل طرق الكسب الحلال، ولا يمكننا التغيير حتى نستبيح الربا باسم الضرورة؟ اللهم: لا.

إن الحلال بين والحرام بين، وإننا قبل أن نستحل الربا علينا أن نعمل على تغيير هذه الأوضاع الاقتصادية التي قامت عليه، وأن نفتح باب الكسب الحلال على مصراعيه، والله الهادي إلى سواء السبيل.

لقد تحدثنا في الضرورات التي تبيح المحظورات، ولم نتصور أن ثمة ضرورة اقتصادية، أو اجتماعية تجعل المسلمين في حال اضطرار إلى التعامل بالربا، وجعله نظاما قائما ولو كان على سبيل التوقيت، وقلنا إن أساس الضرورة ألا تكون منجاة إلا بارتكاب المحرم، وقد تأيد نظرنا بالبحث القيم الذي نشرته مجلة "المسلمون" للأستاذ محمود أبو السعود مستشار بنك الدولة بباكستان، ففيه رسم منهاج قويم لتنظيم اقتصاد الأمة الإسلامية الذي يحل محل النظام الاقتصادي الربوي، وأحسب أنه لو اتبع لكان أطيب ثمرة، وأبرك رزقا، وأكثر خيرا، وفيه رضا الله، والبعد عن مآثم الربا، فإن الربا من السحت؛ كما وردت بذلك الآثار، وكما هو الحق الذي تدركه العقول.

 لقد وجهت الأسئلة الآتية في إحدى الندوات العلمية المباركة:

الأول: إذا ألغى الربا فما مآل العقود والالتزمات التي بنيت عليه، فهل تذهب ديون البنك العقاري على الأراضي سددا بددا. ويتحلل كل عاقد مما أوجبه عليه العقد. والعقد شريعة المتعاقدين؟

والثاني: إذا اضطرت الدولة إلى شراء أسلحة، هي مضطرة إليها؛ لأن عدوا يساورها ويهجم عليها، وهي لا محالة مأكولة إذا لم تشتر أسلحة، وليس في خزانتها نقد تؤديه، ولا بضائع تزجيها، ولا سبيل إلا بالشراء نسيئة على فائدة تدفع، فهلا تكون هذه حالة ضرورة توجب قبول ذلك العقد الربوي؟

والثالث: إذا كان شخص في حال اضطرار إلى القرض، ولم يجد إلا من يقرضه بربا؛ كأن يحتاج إلى جراحة تجرى في جسمه؛ ليقطع جزءا تالفا منه، ولا مال معه، والطبيب لا يعمل إلا بأجرة، والموت يترصده وهو واقع لا محالة إن لم تجر الجراحة، فهلا يكون في حال اضطرار تسوغ له أن يقترض بالربا؟

هذه هي الأسئلة، وقبل أن نخوض في الأجوبة عنها، أو تسجيل ما كان جوابا لها نقرر أن الآراء قد اتفقت على أنه لا توجد ضرورة اقتصادية تسوغ أن يكون الربا نظاما للتعامل الإسلامي، ولو على سبيل التأقيت، وأن إقرار النظم الربوية القائمة بدعوى أن الضرورة تلجئ إليها ليست من الشرع في شيء، وإنما هو تحلل العزائم وتقاعد الهمم، وضعف الوجدان الديني.

وبعد تقرير هذه الحقيقة التي تم الاتفاق عليها نبتدئ في الإجابة عن الأسئلة الثلاثة، ونتبدئ بالثالث حتى نعود إلى الأول.

إن هذا السؤال يومئ إلى أن الشخص يكون في اضطرار لأن يقترض بالربا، وتلك حال لا تحتاج إلى بحث ولا تنقيب، وهي من البدهيات المقررة؛ فإنه إن لم يقترض بالربا فسيتلف جسمه لا محالة، فهي ضرورة فردية لا شك في ذلك، وهي تسوغ له أن يقترض بالربا، وهذا لا يسمى تعاملا بالربا في حال الاختيار، وهي مرتبة عفو بالنسبة للمقترض، أما المقرض فإنه يبوء بإثمه وإثم المقترض معا، والكسب لا يحل له بحال من الأحوال، فهو كسب خبيث لا شك في ذلك، وإذا كان قد أكله فقد اقتطع لنفسه قطعة من النار.

وأما السؤال الثاني: وهو اضطرار الأمة إلى شراء أدوات حرب بالربا، وإلا أبيدت خضراؤها واجتثت من أرضها، أو ضربت عليها الذلة، فإنا نجيب عنه، ولا نقول إنه سؤال فرضي يشبه أسئلة الفقهاء الذين يفرضون بعض المستحيلات؛ ليحلوا مشاكل يحسبونها متوقعة، وهي لا يمكن أن تكون واقعة، ولا أنه يشبه أسئلة بعض الفقهاء الذين وصفهم "الشعبي" بأنهم الأرأيتيون الذين يتبعون كل مسألة بقوله: أرأيت لو كان كذا وكذا: يفرضون ويقدرون ما ليس واقعا.

وتكون في هذه الحال غير آكلة للربا، ولكنها تؤكله، ولكن هل تخلو الأمة في مجموعها من إثم الربا في هذه الحال؟، لا لأنها إنما أهملت أمرها، فلم تعد المصانع، ولم تأخذ بقوله عز وجل: )وأعدوا لهم ما استطعتم( (الأنفال: ٦٠)، وفرطت حتى صار أمرها فرطا، فلم تنم مواردها، ولم تنم موارد الآحاد ولا موارد المجموع، ولم تستخرج ما في الأرض من ينابيع الخير، ثم مع ذلك فقد التعاون فيها حتى صارت مطمع الفاتحين. إن هذه كلها آثام تضافرت حتى تأدت بها إلى هذه الحال.

على أنا على أي حال لا نعتبر ذلك من قبيل تنظيم التعامل بالربا أوجدته الضرورة، إنما هي حال تشبه حال المكره الملجأ، وإنا بعد هذا نقول: إن هذه صورة تفرض ولا تقع.

على أنه يجب أن نقرر هنا أن أكل الربا حرام لذاته لا يحل إلا لضرورة تكون على الحد الذي بيناه نقلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما الاقتراض بالربا فهو حرام لغيره، فهو حرام سدا لذريعة الربا، وما يحرم سدا للذريعة يباح للحاجة لا للضرورة، ويبوء بالآثمين من لا يقرض إلا بالربا ومؤكله وشاهده وكاتبه، ولكن اللعنة متفاوتة، فهي على الأول بالأصالة، وعلى الآخرين بالتبع.

ننتهي من هذه إلى أنه لا ضرورة تبيح الاقتراض بالربا مطلقا، بل لا ضرورة تبيح الاقتراض إلا في أحوال فردية، وليست جماعية حتى لا يكون ثمة ضرورة لنظام اقتصادي قائم على الربا.

وأما السؤال الأول: وهو خاص بالعقود الربوية التي أبرمت تحت ظل النظام الربوي، أتبقى نافذة الأثر؛ لأن القانون الجديد المحرم لا يطبق عليها، إذ المقرر أن القانون لا يطبق على الماضي، فإنا نتلو في الجواب عنه قول الله تعالى: )يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (279)( (البقرة).

هذا هو حكم الله الصريح فيما بقي من الربا، فالعقود الربوية التي عقدت لا ينفذ منها إلا رأس المال، كما هو نص القرآن الكريم، وهو قضاء الله ورسوله: )وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم( (الأحزاب: ٣٦).

هذا جواب صريح نقرره معتمدين على الله، ولا عبرة بما يقال من أن ذلك تطبيق للقانون على الماضي، فمحمد - صلى الله عليه وسلم - قد طبق قاعدة تحريم الربا على الماضي، فنادى في حجة الوداع: «وإن ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب»[42] فقد أزال كل عقود ربا الجاهلية، ولم يوجب على المدين إلا رأس المال.

وقد يقول قائل: إن في ذلك هدما لعقود أبرمت بالتراضي، فنقول: إنها عقود أبرمت في إثم، وفي مفسدة للجماعة، ولا ضرر ولا استحالة في إنهاء الربا فيها.

إن الأمر لا يحتاج إلا إلى إيمان قوى، وإخلاص ديني، وعزمة صادقة، ونية مخلصة لله ولرسوله [43].

الاستشكال الثامن: الربا فيه مصلحة للفرد.

ويفند الشيخ أبو زهرة دعوى أن المصلحة في الربا، فقد رددها الأكثرون، وقالوا إن نظام الفائدة نظام اقتصادي، يجعل الأموال كلها مدخرة، وقبل أن نخوض في الإجابة عن هذه الشبهة التي يثيرها أكلة الربا، ويتداعون عليه باسمها، ويحاول أن يطوع الشرع الإسلامي لتفكيرهم بعض الذين يتصدون للفتيا، فقد بين الشيخ أن تحريم الربا في الإسلام هو لبناء اقتصادي سليم، تتحقق فيه أوجه المصلحة الفاضلة التي ليس فيها أكل لمال الناس بالباطل، وليس فيه كسب مطلق من غير تعرض لتحمل الخسارة، فليس تحريم الربا للمروءة أو الأخلاق، كما توهم بعض الكتاب، وقد أزلنا ذلك الوهم في بحثنا هذا.

وإذا كان تحريم الربا للمصلحة، أو بعبارة أدق للتخفيف من طغيان رأس المال طغيانا مطلقا؛ حتى يكون ربح المال كسبا مضمونا مستمرا، فإن الإسلام - بهذا - يراعي مصلحة المجتمع كلية.

والآن نناقش أي النظامين أصلح للاقتصاد؟ النظام الذي يبيح الفائدة أم النظام الذي يمنعها؟ يقولون: إن وجه المصلحة في نظام الفائدة؛ لأنه يجعل كل رؤوس الأموال تعمل، فبدل أن يترك المال في الخزائن يتنقل في الأيدي، ندخله في الصناعات وفي المتاجر وفي الزراعات، وفي كل أبواب الإنتاج المختلفة فينميها، وفوق عمله في الإنتاج، يحمل الأفراد على الادخار، فإذا علم كل عامل أو ذي مورد محدود أنه يستطيع أن يستغل القدر القليل الذي يدخره من غير أن يتعرض للخسارة أدخل أكبر قدر يمكنه، فتكون ثمة فائدتان:

إحداهما: فائدة المدخر الشخصية.

والثانية: الفائدة الاقتصادية العامة بزيادة الإنتاج.

ونظرية الفائدة - فوق ذلك - عادلة؛ لأنه إذا كان المقترض يستفيد، فمن حق المقرض أن يشركه في هذه الاستفادة، ولكل منهما حظ معلوم؛ ولأنه إذا كانت الأسهم في الشركات الصناعية والعقارية والزراعية والتجارية تسوغ المشاركة في الربح، فإن الاستدانة توجب المشاركة أيضا في الربح، ولا فرق بينهما إلا أن هذا ربح معلوم محدود، بينما ربح الأسهم ربح شائع غير محدود المقدار.

تلك هي المصلحة التي يقررها الربويون للفائدة! ونحن إذا قلبنا القرطاس، ودرسنا من ناحية ثانية، وهي ناحية الإسلام وسائر الأديان، نجد أن هذه المصلحة تتضاءل إزاء المصلحة في منع الفائدة؛ ذلك أن الفائدة قد تعوق المصلحة، وقد تعوق الإنتاج، ذلك أن المصلحة في الفائدة لا تتجه رأسا إلى الإنتاج عن طريق تحمل صاحبه التبعة، بل تتجه إلى الإنتاج عن طريق المنتج، فلو أن صاحب رأس المال أسهم في شركات صناعية أو زراعية أو نحوها ابتداء، لكان في ذلك تقوية للإنتاج مباشرة بالاشتراك فيه، بدل أن يقرضه بفائدة يسيرة ثم يقرضه الآخر بفائدة أكبر وهكذا.

وإن الإسلام إذ منع الربا فقد حث على الإنتاج المباشر، فأمر بالاتجار في الأموال وإعمالها في كل الوسائل المنتجة، وحرم إهدار المال أو إفساده؛ فقد روى المغيرة بن شعبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» [44].

وقد اعتبر الإسلام النقود أموالا نامية بالقوة لتؤخذ منها الزكاة، وليحمل صاحبها على الإنتاج بها؛ لكيلا تأكلها الزكاة المنتظمة كل عام، وفي ذلك حث لصاحب رأس المال على العمل المباشر بالإسهام في المصانع والمتاجر والمزارع، تنمية للإنتاج بطرق أكثر تنظيما وأعدل وأقوم.

وإن الربا بجوار مصلحته التي تتضاءل إذا قورنت بمنفعة الاستغلال المباشر فيه ضرر؛ لأن الربح من غير تحمل للخسارة قد يؤدي إلى ألا يأتي المقترض بكسب يعادل الفائدة، فتكون الأزمات، بينما لا يتصور هذا إذا أسهم صاحب رأس المال في الكسب والخسارة، ولقد قرر الاقتصاديون في العصر الحاضر أن الفائدة لا تؤدي إلى التوظيف الكامل للأموال؛ لأنه سيوجد من يتخذون الفائدة كسبا لذاتها من غير نظر إلى ما يشتمل عليه من إنتاج، ويحبسون أموالهم لهذا الغرض.

والادخار لا تبعث عليه الفائدة، بل تبعث عليه الرغبة في أن يكون للشخص رأس مال يدخر، أو ينتج به، ولقد قرر هذه النظرية اللورد "كينز" وخلاصتها: أن الأفراد لا يدخرون بقصد الدخول، ولكن بقصد تكوين رؤوس الأموال، وفي سبيل هذه الغاية تنشط المضاربات، بغض النظر عن مقدار سعر الفائدة؛ وسبب ذلك هو أن المغنم الذي يحصل عليه الأفراد من جراء ذلك أكبر من الاستثمار المضمون الذي قد يعود عليهم إذا استغلوا مدخراتهم، وعلى هذا يكون سعر الفائدة لا يثبته إلا مجرد التعارف عليه، وسيظل الادخار مستمرا ولو نزلت الفائدة إلى الصفر.

وإن اللورد "كينز" لا يكتفى ببيان أن الفائدة ليست هي الباعث النفسي على الادخار، بل يبين أن الفائدة إذا قررت تكون سريعة التغير، بينما النظام الاقتصادي متغير مستقل، وفي هذه الحال تكون الفائدة أكبر من الإنتاج، فتكون سببا لكساده لا لتشجيعه، وهذه عبارته كما ترجمت: "إن أي مستوى للفائدة يرتضيه الناس يمكن أن يظل في مجتمع متغير يخضع لمختلف التغيرات والعوامل... ".

ثم يقرر - كما ذكرنا - أنه إذا تعامل المجتمع بالأرباح التي لا تتكافأ مع سعر الفائدة يؤدي ذلك إلى كساد الإنتاج، فيقول: "السعر المرتفع يعمل على كساد السوق أو النشاط الصناعي، وبالتالي يؤثر سلبا على الدخول التي هي مصدر الإنتاج".

وبهذا يتبين أنه لا توجد مصلحة عامة في الفائدة، وليس من شأنها أن تنمى الاقتصاد، بل إنها تضعفه، وإذا كانت هناك مصلحة فهي مصلحة المقرض في كل الأحوال، ومصلحة المقترض في بعض الأحوال.

ومن المقررات الاجتماعية الشرعية أن المصلحة الخاصة لا يلتفت إليها بجوار المصلحة العامة، وأن العبرة هي في أكبر قدر من المنفعة لأكبر عدد، كما أنه من المقررات الشرعية، أن الضرر القليل يحتمل بجوار دفع الضرر الأكبر.

وقد يقول قائل: إن بعض دور الإنتاج قد تحتاج إلى قروض لتقوية إنتاجها، فتصدر سندات محدودة الربح وهي فائدة، وأن هذه بلا شك تقوي إنتاج هذه الشركات.

ونحن نقول: لماذا لا تصدر أسهما بدل أن تصدر سندات؟ إن ذلك ليس إلا احتكارا لرأس مال الشركات لمؤسسيها، وأن الاحتكار[45] بكل أنواعه ضار لا يجوز، فمنع المشاركة مع الاحتياج إلى تنمية رأس المال ليس إلا ضربا من الأثرة التي تضر ولا تنفع.

إذا كانت الحكومات في العصر الحاضر تحارب الإقطاع بكل أنواعه، فإن العدول عن زيادة الأسهم إلى إصدار سندات، ليس إلا من قبيل الإقطاع لرأس المال في الشركة، ومنع الغير من الاشتراك تجب محاربته.

على أن التجارب أثبتت - بالوقائع المادية - أن ذلك أدى إلى تعرض هذه الشركات للإفلاس إذا كان الكساد؛ إذ هي حينئذ تعجز عن سداد أرباح السندات، وإذا حل استيفاؤها عجزت عن سدادها، كما حدث هذا في أمريكا سنة 1933م، ولم يكن من سبيل منع هذه الفوائد بطريق تضخيم النقد، كما أشرنا من قبل.

وفي الحق أن العالم الاقتصادي الحديث يتضجر من الفائدة، ويعتبرها عبئا على الاقتصاد لا يتفق مع العصر وتطوراته، ولذلك بين اللورد "بويد أور" أن الفائدة سبب أصيل من أسباب الاضطراب الاقتصادي الراهن، سواء أخذ هذا شكل أزمات دورية، أم أخذ شكل التفاوت الظالم في توزيع الدخول الأهلية، أم أخذ شكل عقبات في سبيل السير نحو التوظيف الكامل، وأن الذي يشجع نظام الفائدة هو عدم الوصول إلى حل عملي للتغلب على هذه المشكلة التي تمس الاقتصاد في الصميم.

ومهما يكن فالاتجاه الحديث هو البحث عن نظام اقتصادي خال من الفائدة، ومن الدول من اتجه إلى تأميم[46] وسائل الإنتاج، ومنها من يحاول إخضاع الإنتاج إلى رقابة الدولة من غير تأميم، ومنهم من يحاول جعل الإنتاج بطريق الائتمان التعاوني، وكل هذه الصور فيها تخلص من نظام الفائدة المقيت.

وبهذا الكلام اتجه الاقتصاديون إلى الأديان التي حرمت الفائدة، ما قل منها وما كثر، وقررت أنه ليس للدائن إلا رأس المال، وأن على المستغل أن يكتفي بما يقدر عليه، وإن أراد أن يضيف إلى رأس ماله من غيره، أشركه في الكسب والخسارة لتكون تجارة أو كسبا حلالا.

ونحن لم نسق هذا الكلام لكي نثبت صدق ما جاءت به الأديان السماوية وخصوصا الإسلام؛ لأنها لا تحتاج إلى أدلة على صدقها، وهي حاكمة على الأزمان، وليست بمحكومة لأحوالهم الحاضرة بزخرفها، وظنوها خيرا لا شر فيه، إنها تجارب إنسانية منها ما يثبت صلاحه، ومنها ما لا يثبت صلاحه، ومنها ما يؤدي إلى أوخم العواقب، ومنها ما هو سليم النتائج، وإن الأديان خير كلها وصلاح كلها.

وسقنا هذا الكلام - أيضا - ليتنبه أولئك الذين يتجهون إلى تأويل النصوص الدينية إلى غير ما تدل عليه، لا في ظاهرها ولا في سياقها، إنهم يخطئون كل الخطأ في هذا الاتجاه؛ إذ يؤولون النصوص؛ لتتفق مع نظم ربوية مضطربة غير صالحة للبقاء، فإذا قرر الاقتصاد تحريم الفائدة، فماذا يصنعون؟ أيؤولونها مرة أخرى، وهكذا يجعلون النصوص هزوا ولعبا [47].

رابعا. تحريم فوائد البنوك إجماعا: [48]

أعمال البنوك الربوية قسمان: خدمات واستثمار، وأعمال الاستثمار مقصورة بحسب أنظمة البنوك وقوانين إنشائها على التعامل في القروض، وليس الاستثمار المشروع أو غير المشروع، وهذه هي الوظيفة الرئيسة للبنوك، وتبلغ نسبة القروض 81. 78% ونسبة الاستثمار 9. 37% من جملة الاستخدامات، ومعظم الاستثمار في الحرام؛ لأن السندات قروض ربوية، والأسهم في الشركات تتعامل باستمرار بالربا أخذا وعطاء.

هذه البنوك مجرد وسيط بين المقرض بفائدة، فتعطي المقرض مثلا فائدة بنسبة 4%، وتأخذ من المقترض فائدة بنسبة 7%، والفرق يكون حقا لها، فعملها واضح بأنها تأخذ أو تضم فائدة على القروض، وهو من ربا النسيئة المحرم شرعا، وإذا لم يسدد المقترض الفائدة المستحقة، يلجأ البنك إلى فرض فوائد مركبة[49] مع مرور الزمن، وهو مطابق تماما لربا أهل الجاهلية الذي حرمه القرآن الكريم، بل هو أسوأ منه؛ لأنه ضم فائدة أخرى تتم آليا دون رضا المقترض قرضا ربويا، وفوائد القروض حرام شرعا، وفوائد البنوك من الربا المحرم بالكتاب والسنة والإجماع.

وأما شبهة القائلين بحل الفائدة المصرفية وفتواهم الشاذة بأن ذلك من كون الإيداع في المصارف الربوية، والذي يعتمد على أساس شركة المضاربة - تقديم المال من جانب والعمل من جانب آخر - فهو خطأ محض؛ لأن مال المضاربة مجرد أمانة بيد المضارب، والبنك في الواقع لا يستثمر، ولا يحق له الاستثمار في مشروعات زراعية أو صناعية أو تجارية أو غيرها، وإذا استثمر فنسبة الاستثمار ضئيلة جدا، فلا توجد شركة مضاربة، وإنما هذا العقد يعد قرضا محضا بفائدة، والفائدة حرام شرعا أخذا وعطاء، وهو عين ما كان العرب يفعلونه في الجاهلية من إقراض المال وضم زيادة معينة عليه؛ بسبب الأجل، ولو فرض أن العقد مضاربة فيحرم شرعا تحديد نسبة معينة ثابتة سلفا؛ حيث نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فيما يشبه شركة المضاربة، وهو عقد المزارعة[50] والمساقاة [51].

وقد نص المحدثون والفقهاء على فساد عقد المزارعة إذا شرط أحد العاقدين لنفسه التبن أو بقعة معينة ونحوه. قال رافع بن خديج قال: «حدثني عماي أنهم كانوا يكرون[52] الأرض على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما ينبت على الأربعاء [53]، أو شيء يستثنيه صاحب الأرض، فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك» [54].

 قال الشوكاني: نهى عنه؛ وذلك لما فيه من الغرر[55] المؤدي إلى التشاجر وأكل أموال الناس بالباطل. وهذا الحديث يدل على تحريم المزارعة على ما يفضي إلى الغرر والجهالة، ويوجب المشاجرة [56]. وكذلك الحكم في المضاربة التي هي شركة أيضا إذا التزم العامل المضارب مبلغا معينا أو ربحا معينا، فسد العقد ولم يصح، وإنما الصحيح اشتراط جزء مشاع من الربح، نسبة عشرية أو سهم من الربح، إن حدث الربح، وأما الخسارة فهي كلها على رب المال وحده، ويكفي المضارب أنه خسر جهده وعمله. واتفاق الفقهاء على هذا ليس من عند أنفسهم، وإنما مستنده الشرع والنص، وكل من المزارعة والمضاربة شركة، فالحكم فيهما واحد [57].

ربا الاستهلاك وربا الإنتاج أو الاستثمار:

أول من ميز بين ربا الاستهلاك وربا الإنتاج أو الاسثمار: هم اليهود، فحرموا الأول وأباحوا الثاني، وجاء بعض المسلمين فأخذ في بعض المؤتمرات الغربية في فرنسا وغيرها بهذه التفرقة، وظن أنه مجدد، وأراد الترويج لهذه الفكرة في الإسلام، سواء كان ذلك بحسن نية واجتهاد، أو بسوء نية وإفساد، وتبنى بعض الواعظين هذه التفرقة، زاعما: "أن الربا الذي حرمه الله ورسوله: هو ما يعرف بربا الاستهلاك، وهو خاص بالإنسان الذي يستدين لحاجته الشخصية؛ ليأكل ويشرب ويلبس؛ وذلك لما في هذا الربا من استغلال حاجة المحتاج، وفقر الفقير الذي دفعته الحاجة إلى الاقتراض، فرفض من يسمى بالمرابي الجشع أن يقرضه إلا بالربا؛ بأن يرد له المئة مئة وعشرين مثلا".

وهذا محض الافتراء والخطأ، فإن النصوص الشرعية عامة تشمل كل أنواع الربا الإنتاجي والاستهلاكي، ولم يكن ربا الاستهلاك هو السائد في الجاهلية، وإنما كان الشائع هو "ربا التجارة" [58]، ولو افترضنا العكس، لما كان في ذلك حجة؛ لأن الإسلام نقض كل قواعد الربا، ولعن آكل الربا، وموكله على الإطلاق، ويكون الموجود في الجاهلية إنما هو شيء واقع لا يتقيد النص الشرعي العام بمدلوله، ولا يقتصر تحريم الربا على القروض الاستهلاكية؛ لأن الربا كما تقدم هو كل زيادة مشروطة أو متعارف عليها على رأس المال، سواء كان استهلاكيا أم إنتاجيا.

ثم إن هذه التفرقة تجافي المنطق السليم والعدل، فكيف يلعن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقط مرابي الاستهلاك لمجرد إشباع نفسه وأهله، ولا يلعن مرابي الإنتاج وتحسين التجارة والصناعة والزراعة وتنميتها وتوسيع نشاطها؟ إن ذلك محض الظلم والجور الذي لا يتقبله تشريع عادل، ولا عقل منصف؛ لأنه قتل للضعيف وعمل على استمرار ضعفه، وتقوية للقوي وعمل على تمجيد قوته وبغيه وتعزيز سلطانه.

إن محاولة تمييع الأحكام الشرعية بحجة تيسيرها للناس ومسايرة مزاعم التنمية - بسذاجة وغباء - مرفوضة قولا وعملا؛ لأن مجال التيسير إنما هو فيما يسرته الشريعة وحددته، لا في تخطي الحرام القطعي، أو الصريح المنصوص عليه في القرآن والسنة، فذلك هدم للشريعة، وتجاوز للنصوص تحت ستار أو غرور القول بالتجديد، ومسايرة الشريعة لأهواء الناس وش