مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

ادعاء أن التشريع الإسلامي يدعو إلى الانغلاق على الذات (*)

مضمون الشبهة:

يدعي بعض المشككين أن التشريع الإسلامي يدعو المسلمين إلى الانغلاق على الذات؛ مما يعوق تقدم المسلمين، ويستدلون على ذلك بقوله عز وجل: )يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء( (المائدة: 51)، ويعدون هذا النهي عن الموالاة انغلاقا على الذات، ويتساءلون: كيف يوفق المسلم بين الزواج من كتابية - مثلا - بوصفه أمرا مباحا، والتزامه بهذا النهي في الآية؟! ويهدفون من وراء ذلك إلى الطعن في سماحة الشريعة الإسلامية.

وجوه إبطال الشبهة:

1) دعا الإسلام للانفتاح والتعرف على الآخرين والتسامح معهم، والبر بهم، وليس أدل على ذلك من كثرة الأحكام التي تضبط التعامل مع غير المسلمين، وتوسع الفتوحات الإسلامية التي شملت معظم دول العالم.

2) النهي عن موالاة اليهود والنصارى نهي عن نصرتهم في الباطل، أو التبعية لهم فيما يخالف أحكام الإسلام، أما التعاون والنصرة على الحق فلا يمنع منها الإسلام.

3) زواج المسلم من الكتابية دليل على انفتاح الإسلام على الآخر، والتعايش السلمي معه، ولا يعد من قبيل الموالاة المنهي عنها.

التفصيل:

أولا. دعوة الإسلام للانفتاح والتسامح مع الآخر:

لقد دعا الإسلام أبناءه للتعايش مع الآخر والانفتاح عليه، ونسج خيوط العلاقة معه بما يحفظ للمسلم هويته، ويحول دون انجرافه معه فكرا وسلوكا، ولا نحتاج إلى كبير عناء لنكتشف وفرة الشواهد التاريخية والنصوص الدينية والأحكام الفقهية التي تدعو وتحث على إيجاد مناخ للتعايش مع الآخرين - ولا سيما من أتباع الديانات السماوية الأخرى ـ؛ فالإسلام لم يلغ أهل الكتاب، بل اعترف بهم وبحقوقهم المتنوعة، وبخاصة الدينية منها، كحرية العقيدة، وممارسة الشعائر والعبادات.

وقد أسس القرآن الكريم قواعد هذا التعايش معتبرا أن الذي يحكم العلاقة معهم هو قانون العدل، وأخلاق البر والإحسان، يقول عز وجل: )لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8)( (الممتحنة).

وواقع النبي - صلى الله عليه وسلم - خير شاهد على ذلك، فهو التطبيق العملي لما جاء في الشرع الإسلامي الحنيف، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعامل اليهود ويقترض منهم؛ حتى إنه رهن درعه ليهودي، كما كان مجتمع المسلمين في المدينة في عهد النبوة مجتمعا متنوعا من الناحية الدينية، وقد أعلن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتابه إلى اليهود - الذي يشكل أهم وثيقة دستورية وقانونية صدرت عنه لتنظيم العلاقة بين المسلمين واليهود في المدينة - أنهم أمة تعيش بجوار المسلمين دون أدنى مشكلة، ما دام أن هناك توافقا بين الطرفين، وكان مما جاء في هذا الكتاب: "إن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم فإنه لا يوتغ - يهلك - إلا نفسه وأهل بيته".

وكان مقدرا لهذا القانون أن يحكم العلاقة مع اليهود على الدوام لولا غدر اليهود ونقضهم للعهود والمواثيق[1].

وإن تكريم الإنسان من أول الحقوق التي قدرها له الإسلام؛ لكونه ابنا من أبناء آدم، بغض النظر عن اللون والجنس والدين، يقول عز وجل: )ولقد كرمنا بني آدم( (الإسراء: 70)، فالكرامة لأصل الخلقة، وليس لانتماء معين، كما قرر الإسلام أن الناس سواسية كأسنان المشط، يقول - صلى الله عليه وسلم -: «الناس بنو آدم، وآدم من تراب...». الحديث، [2] وقال صلى الله عليه وسلم: «خير الناس أنفعهم للناس»[3].

كل هذا لتأكيد وحدة الأصل من ناحية، والمساواة التامة بين جميع البشر من ناحية أخرى[4]، ولهذا اعتبر الإسلام التعدد وسيلة للتعارف والتعاون من أجل خير البشرية، وليس للخصام والتنافر والعداء، يقول عز وجل: )وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان( (المائدة: 2).

يقول القرطبي في تفسير هذه الآية: "هو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى، أي: ليعن بعضكم بعضا".

ومن هنا نرى أن الإسلام قد أسس قواعد العدل والتعايش بين جميع البشر على اختلاف الأديان والأجناس.

وكما أن الإسلام أقر مبدأ العدل والتعايش بين جميع البشر نجده كذلك يقر بتنوع خصائص الإنسان, يقول عز وجل: )يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13)( (الحجرات).

فقد أقر الإسلام التعدد والتنوع، ولكن جعله وسيلة للتعارف، باعتبار انجذاب الإنسان إلى الإنسان الآخر في حاجته إليه، من خلال ما يملكه من طاقات فاعلة تؤثر في حياة الإنسان الآخر إيجابا, فيدفعه ذلك إلى إيجاد العلاقة به من أجل الحصول على ما لديه من هذه الحاجات[5].

ولم يجعل الله اختلاف البشرية في ألوانها وأجناسها ولغاتها إلا آية من الآيات الدالة على عظيم قدرة الخالق عز وجل: )ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (22)( (الروم).

وهذا الاختلاف لم يكن سببا في التنافر والعداوة بين المسلمين وغيرهم، بل على العكس من ذلك كان سببا في التعارف والتلاقي على الخير، وانفتاح المسلمين على غيرهم من الأمم، حتى لو رفض هذا الغير الإسلام، فلا بد أن يعامل معاملة طيبة، بناء على مبدأ الاحترام المتبادل، والعلاقات والمصالح المشتركة.

صور من انفتاح المسلمين على غيرهم:

إن أكبر دليل على انفتاح المسلمين على غيرهم، وعدم انغلاقهم على أنفسهم ما ورد بأصح الأسانيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان منفتحا على الثقافات الأخرى، لم يتحرج من الأخذ منها، ومن ذلك ما جاء عن جدامة بنت وهب الأسدية أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لقد هممت أن أنهى عن الغيلة[6] حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم»[7].

وقد روى أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: «كتب النبي كتابا، أو أراد أن يكتب، فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابا إلا مختوما، فاتخذ خاتما من فضة، نقشه محمد رسول الله، كأني أنظر إلى بياضه في يده»[8].

وكذلك لم يكن حفر الخندق للدفاع معروفا عند العرب، لكنه كان من فنون الفرس في الحرب، وكان الذي أشار بحفره سلمان الفارسي - رضي الله عنه - حيث قال: "يا رسول الله إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحفره، وعمل فيه بنفسه"[9].

وأما الناظر في عهد الخلفاء الراشدين فإنه يجد أنماطا عديدة من الانفتاح على غير المسلمين، والأخذ عنهم، مثل نظام الدواوين الذي أخذه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من بلاد فارس، وكذلك فعل الخلفاء في كل عصور الإسلام، مثل إنشاء بيت الحكمة في العصر الأموي والمأخوذ من الروم، وقد مضى المسلمون في هذا الانفتاح الشامل حتى نقلوا كتب اليونان والفرس إلى العربية في عهد العباسيين؛ ومن ثم لا يحق لأحد أن يصف الإسلام بالانغلاق على الذات ورفض الآخر.

ويؤكد هذا المعنى د. حسن عزوزي قائلا: "ولعلنا لا نغالي إذا أكدنا هنا على أن الإسلام - وهو دعوة الله إلى الناس كافة ورسالته - عز وجل - إلى العالمين - هو الدين الذي يدعو إلى التفاعل الحضاري دعوة صريحة قوية ويحث عليه حثا، على اعتبار أن الإسلام دعا إلى الحوار مع الآخر، وأن الإسلام في طبيعته وجوهره ورسالته تفاعل حضاري، كما لا نحتاج إلى أن نقول بأن قاعدة التسامح التي يقوم عليها الإسلام فتحت أمام الأمة الإسلامية السبيل إلى الاحتكاك الواسع بالأمم والشعوب، وشجعت الحضارة الإسلامية على التفاعل مع الثقافات والحضارات جميعا، ونعني بالتسامح الديني - تحديدا - أن تكون لكل طائفة في المجتمع الإسلامي الحرية في تأدية شعائرها".

والإسلام بوصفه دينا وحضارة عندما يدعو إلى التفاعل بين الحضارات, فإنه ينكر المركزية الحضارية التي تريد للعالم حضارة واحدة مهيمنة ومتحكمة في الأنماط والتكتلات الحضارية الأخرى؛ فالصحوة الإسلامية المعاصرة تسعى إلى أن يكون العالم منتدى حضارات متعدد الأطراف، ولكنه مع ذلك لا يريد للحضارات المتعددة أن تستبدل التعصب بالمركزية الحضارية القسرية، إنه يريد لهذه الحضارات المتعددة أن تتفاعل وتتساند في كل ما هو مشترك إنساني عام.

وإذا كان الإسلام دينا عالميا وخاتما للأديان، فإنه في روح دعوته وجوهر رسالته لا يجبر العالم على التمسك بدين واحد، إنه ينكر هذا القسر عندما يرى في تعددية الشرائع الدينية سنة من سنن الله - عز وجل - في الكون, قال عز وجل: )لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات( (المائدة: 48)، وقال عز وجل: )ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118)( (هود).

إن أصحاب نظرية "الصدام الحضاري" وهم يؤكدون على أن الحضارة الإسلامية هي المرشحة للتصادم مع الغرب، يركزون على دعوى عدم قابلية الإسلام للتعايش مع الحضارات الأخرى، بزعم أنها حضارة إقصائية وانعزالية ومتعصبة، وكل هذا فيه تجن واضح على الإسلام وحضارته، والذين يصمونه بتلك الصفات السلبية التي لا تسمح بالتعايش السلمي مع الآخرين لا يعرفون الإسلام في عقيدته وشريعته وأخلاقه, وغير ذلك من الجوانب التي تطبعها السماحة في أجلى وأسمى معانيها.

إن التعايش السلمي سمة مميزة للإسلام، وملمح جامع يطبع كل جوانبه التشريعية والسلوكية، إنها إحدى قيم هذا الدين وصفاته المميزة التي تعني الحرية للبشر كافة والمساواة بينهم من غير تفريق جنسي أو تمييز عنصري.

وليس هناك ما هو أبلغ وأوفى بالقصد في الدلالة على عمق مبدأ التعايش السلمي في الإسلام من قوله عز وجل: )قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون (64)( (آل عمران).

ذلك أن المساحة المشتركة بين المسلمين وأهل الكتاب مساحة واسعة، وإذا كان الإسلام قد جعل في قلوب المسلمين متسعا للتعايش السلمي مع بني الإنسان كافة, ففيه - من باب أولى - متسع للتعايش بين المؤمنين بالله، ويشهد التاريخ أن معاملة المسلمين لغيرهم في البلاد المفتوحة كانت مثالا رائعا من التسامح لا مثيل له في التاريخ، ولعل من أكبر الأدلة وأقوى الحجج على قيام الحضارة الإسلامية عبر العصور على أساس متين من التسامح, هو تعايش المسلمين مع أهل الديانات والملل والعقائد في البلدان التي فتحوها خلال قرون متطاولة وعهود مديدة، ويدل ذلك على أن التعايش السلمي مبدأ من المبادئ التي قامت عليها الحضارة الإسلامية، والذي يرمي إلى القضاء على أسباب التوتر واضطراب حبال الأمن والسلام وعدم الاستقرار.

إن من أبرز معالم التعايش السلمي الذي يقره الإسلام للآخر, هو إقرار الإسلام لغير المسلمين بوجود اندماجي يحافظ فيه على جميع مكونات شخصيتهم، وفي طليعتها المكون الديني وما يرتبط به من ممارسات وعادات، بها يؤكد الآخر ذاته عقديا وثقافيا ونفسيا، ومعها يثبت خصوصيات هويته مما يتحقق به الانتماء إلى ذلك المجتمع[10].

إن دعوة الإسلام إلى تعارف الحضارات تمهيدا لحوارها وتلاقيها تنطلق من الآية القرآنية الكريمة: )يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13)( (الحجرات)، وهذا المفهوم القرآني القاضي بضرورة التعارف بين الشعوب والحضارات يهدف إلى غايات أنبل ومقاصد أوسع، ذلك أنه إن لم يكن هناك تعارف فلن يكون هناك حوار أو تفاهم؛ فالتعارف ينجم عنه دوما حوار هادئ وتعاون دائم.

أما الحوار الذي يباشر بشكل مفاجئ فلا يعني بالضرورة حصول تعارف بين الأطراف، فكم من لقاءات حوارية أجريت على المستويين السياسي والديني، لكنها باءت بالفشل؛ لأن جميع أطرافها الذين أخذوا مكانهم حول مائدة الحوار لم يستطيعوا نسج أواصر التعارف والتواصل من قبل؛ فظل كل طرف جاهلا بالطرف الآخر.

إن القرآن الكريم يؤسس لمبدأ التعارف بين الأمم والشعوب والحضارات ليتعارفوا، فالتنوع بين الناس إلى شعوب وقبائل وامتدادهم وتكاثرهم على ربوع الأرض لا يعني أن يتفرقوا أو تنقطع أواصرهم، ويعيش كل شعب في عزلة عن الشعوب الأخرى، كما لا يعني هذا التنوع أن يتصادموا ويتنازعوا من أجل الثروة والقوة والسيادة، وإنما ليتعارفوا.

والأمة الإسلامية أمة منفتحة على أرباب الحضارات الأخرى، وتقبل التعاون والتعايش معها، وقد حدث ذلك على مر العصور، بل إنها تحترم أبناء الحضارات والديانات الأخرى، فقد صانت مقدسات النصارى واليهود منذ أقدم العصور، وعاش اليهود والنصارى مكرمين في ديار الإسلام حتى يومنا هذا, إلى أن ظهرت آفة الصهيونية في العصر الحديث فأوجدت هذا الشقاق؛ لأنها دعوة عنصرية استعمارية تؤمن بالتعصب والعزلة وطرد الآخر، فالمسلمون خير أمة في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي مجال الإيمان الراسخ والصادق، وهو ما يقر في القلب ويصدقه العمل.

وما الذي يمنع أن تكون لجميع الأمم هذه الرسالة؛ رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟! ليس لدينا نحن معشر المسلمين أي مانع في ذلك؛ ذلك لأن الإسلام دعوة عالمية ونقلة حضارية وإنسانية نبيلة، ولذلك فإنه مهما زاد هجوم الأعداء عليه، نجد الكثيرين يدخلون في دين الله أفواجا، حتى من بني جلدتهم فالهجوم على الإسلام في أعقاب أحداث 11 سبتمبر سنة 2001م في أمريكا، أدى إلى حب الاستطلاع لدى بعض الغربيين؛ فأقبلوا للتعرف على الإسلام ومبادئه وسمات أهله، ودخلوا في الدين الإسلامي، وبعض الأسرى الذين أسرتهم الجماعات الإسلامية في صحراء الجزائر ظلوا يعيشون مع المسلمين الخاطفين شهورا عدة، تعرفوا فيها على الإسلام وتعاليمه وطقوسه وأحبوه، ولذلك فإن الإسلام لم ينتشر في ربوع العالم بحد السيف - كما يقول الحاقدون - إنما انتشر بالإقناع والرضا والإعجاب به وبمبادئه الإنسانية السمحة، وفضائله وحكمته ودعوته للطهارة والنظافة التي تتجسد في الصوم والصلاة وتلاوة القرآن الكريم.

فالإسلام يربي أبناءه على التعاون والأخذ والعطاء، والتماسك في سبيل البر والإحسان وعمل الخيرات والتقوى، أي: الخوف من الله, ولا يكون التعاون في الإثم، أو الجرم، أو العدوان، أو إهدار حقوق الآخرين، أو الاعتداء عليهم، وإنما التعاون في سبيل الخير العام والصالح العام، وصالح الإنسانية جمعاء.

 ومن المعاني السامية لهذه الآية الكريمة: أنه لا ينبغي أن يحملكم بغض أو كراهية، أو عدوان قوم عليكم، كالذين صدوكم عن المسجد الحرام، فلم تصلوا إليه في عام الحديبية، على أن تقتصوا وتثأروا أو تنتقموا منهم ظلما وعدوانا.

لذلك لا نجد عذرا - إلا الحجة الواهية - لمن يدعون أن الإسلام يجعل أبناءه منغلقين على الذات.

ثانيا. النهي عن موالاة اليهود والنصارى, نهي عن نصرتهم في الباطل:

لا بد من تعديل الفهم المغلوط لقوله عز وجل: )يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين (51)( (المائدة)، فهذه الآية بما تحويه من معان وأسباب نزول، هي أبعد ما تكون عما فهمه هؤلاء القوم منها؛ بل إن المسلمين جميعا - منذ نزول الوحي إلى الآن - لم يقل أحد منهم أنه فهم من هذه الآية عدم التعامل مع اليهود والنصارى المسالمين للمسلمين، والحقيقة هي ما فهمه منها المفسرون المسلمون في كل العصور.

ويوضح هذا المعنى القرطبي في تفسير هذه الآية فيقول: )يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض( قيل: المراد بها المنافقون، وكانوا يوالون المشركين ويخبرونهم بأسرار المسلمين، قال السدي: نزلت في قصة يوم أحد حين خاف المسلمون، حتى هم قوم منهم أن يوالوا اليهود والنصارى، وقيل: نزلت في عبادة بن الصامت، وعبد الله بن أبي بن سلول، فتبرأ عبادة - رضي الله عنه - من موالاة اليهود، وتمسك عبد الله بن أبي بن سلول، وقال: إني أخاف أن تدور الدوائر[11]؛ ولهذا قال - عز وجل - في الآية التالية: )فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة( (المائدة:52)، أي أن الآية نزلت بخصوص المنافقين، وفي وقت الحرب، فهي تنهى عن موالاة اليهود والنصارى الذين يناصبون الإسلام العداء، فليس من المقبول أن تكون الحرب دائرة بين المسلمين وأعدائهم، ثم يوالي بعض المسلمين هؤلاء الأعداء؛ لأن في ذلك خيانة للإسلام والمسلمين.

أما في غير الحرب أو مع اليهود والنصارى المسالمين للإسلام، فإن أساس العلاقة قائم على التعارف والمودة لا القطيعة والخصام,يقول عز وجل: )لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8)( (الممتحنة). أما هؤلاء الذين يناصبون الإسلام العداء فيقول - عز وجل - فيهم: )إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون (9)( (الممتحنة).

ثالثا. زواج المسلم بالكتابية دليل على انفتاح المسلمين على الآخر:

إن الإسلام في إباحته زواج المسلم من غير المسلمة من أهل الكتاب - سواء كانت من اليهود أو النصارى - لهو أكبر دليل على أن العلاقة التي تحكم المسلمين بغيرهم هي علاقة التعايش السلمي والتعاون والتحاور، لا علاقة التقاطع والتدابر والتناحر، والانغلاق على الذات والتعصب ضد الآخرين؛ إذ كيف يدعو الإسلام إلى هذه القطيعة بين المسلمين وغيرهم، ثم يسمح للمسلمين بالتزوج من أهل الكتاب؟! إذ يقول عز وجل: )اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب( (المائدة: 5)، قال ابن المنذر: ولا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك.

ولا شك أن علاقة الزواج هي قمة العلاقات الإنسانية القائمة على المودة، والرحمة والتفاهم؛ إذ يقول عز وجل: )خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة( (الروم: 21)، وإنما أباح الإسلام الزواج من أهل الكتاب؛ ليزيل الحواجز بين أهل الكتاب وبين المسلمين؛ فالزواج معاشرة وتفاهم ومودة ورحمة، ليس بين الزوجين فحسب، بل بين الأسر بعضها وبعض؛ فهو فرصة للتلاقي بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب[12],وهو تقريب عملي بين المسلمين وغيرهم، بل هو قمة التقارب والانفتاح على الغير، وهدم جميع الحواجز سواء المادية منها والنفسية بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب.

الخلاصة:

·   لقد انفتح المسلمون على غيرهم منذ عهد النبوة، وأخذوا عنهم ما ينفعهم في دنياهم، مثل أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - فكرة الخندق من الفرس، وقد سار المسلمون في كل العصور على هديه - صلى الله عليه وسلم - في أخذ ما يفيد من غير المسلمين.

·   إن المقصود من قوله عز وجل: )لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء(، ليس عدم معاملة اليهود والنصارى، وإنما هو نهي عن مناصرة اليهود والنصارى، الذين يناصبون الإسلام والمسلمين العداء، أما أهل الكتاب المسالمين للمسلمين فأساس العلاقة معهم يقوم على التعارف والبر والقسط في حدود ما لا معصية لله فيه، ولا الابتداع في أمر الدين.

·   لقد أباح الإسلام الزواج من الكتابية، وفي ذلك دليل على التعايش السلمي والتعاون مع غير المسلمين، فقد هدم الإسلام بذلك كل الحواجز المادية والنفسية بين المسلمين وأهل الكتاب.

 

 



(*) هل القرآن معصوم، عبد الله عبد الفادي، موقع إسلاميات.

[1]. الإسلام والعنف، الشيخ حسين الخشن، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط1، 2006م، ص78 بتصرف يسير.

[2]. حسن: أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، مسند أبي هريرة رضي الله عنه (8721)، وأبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في التفاخر بالأحساب (5118)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1787).

[3]. صحيح: أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (6/ 58) برقم (5787)، والقضاعي في مسند الشهاب (2/ 223) برقم (1234)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (426).

[4]. الإسلام والآخر في العلاقات الدولية، أحمد فراج، ضمن أبحاث ووقائع المؤتمر العام السادس عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 2004م، ص 403، 404 بتصرف.

[5]. التعددية الدينية والعرقية في المجتمع الإسلامي، د. عبد الحميد عثمان، المؤتمر السادس عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 2004م، ص324 بتصرف يسير.

[6]. الغيلة: الاسم من الاغتيال، يقال: قتله غيلة: أي على غفلة منه، والغيلة: وطء المرضع.

[7]. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح، باب جواز الغيلة وهي وطء المرضع وكراهة العزل (3637).

[8]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان (65) وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، باب في اتخاذ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاتما (5602).

[9]. التعددية الدينية والعرقية في المجتمع الإسلامي، د. عبد الحميد عثمان، المؤتمر السادس عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 2004م، ص 325 بتصرف.

[10]. الانغلاق على الذات، د. حسن عزوزي، مقال بكلية الشريعة، جامعة القرويين، فاس، المغرب بتصرف.

[11]. الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1405هـ/ 1985م، ج6، ص216 بتصرف يسير.

[12]. فقه السنة، السيد سابق، الفتح للإعلام العربي، القاهرة، ط2، 1999م، ج2، ص 378: 380 بتصرف.

click website dating site for married people
click read dating site for married people
open read here black women white men
husbands who cheat open my boyfriend cheated on me with a guy
go link how long for viagra to work
generic viagra softabs po box delivery us drugstore pharmacy viagra buy viagra generic
website wifes cheat redirect
dating a married woman unfaithful spouse i cheated on my husband
read all wife cheat click here
read the unfaithful husband click here
My girlfriend cheated on me my wife cheated on me with my father signs of unfaithful husband
مواضيع ذات ارتباط

أضف تعليقا
عنوان التعليق 
نص التعليق 
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها فقط ولا تعبر عن الموقع
 
 
 
  
المتواجدون الآن
  5271
إجمالي عدد الزوار
  8387971

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي


أخى المسلم: يمكنك الأستفادة بمحتويات موقع بيان الإسلام لأغراض غير تجارية بشرط الإشارة لرابط الموقع