مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

الزعم أن إيمان المسلمين بالقضاء والقدر يجعلهم مسلوبي الإرادة (*)

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المغرضين أن إيمان المسلم بالقضاء والقدر يفقده القدرة على الاختيار، ويجعله مسلوب الإرادة، ويدفعه إلى السلبية والكسل والتواكل وترك العمل، ويدعون أن هذه العقيدة أدت إلى تأخر المسلمين، ويتساءلون: إذا كان الإنسان يصيب ويخطئ بقدر الله ومشيئته، فكيف يحاسبه الله على فعل هو مسير فيه؟ ألا يتعارض هذا مع العدل الإلهي؟!

وجوه إبطال الشبهة:

1) الإيمان بالقضاء والقدر لا يرفع مسئولية الاختيار عن العبد إذ الإيمان به شيء، ومسئولية العبد عن عمله شيء آخر لا يناقضه.

2) لقد وقع التاركون للعمل اتكالا على القدر في ضلالات عدة؛ فقد تركوا العمل واحتجوا بالقدر على ما يقع من أعمال مخالفة للشرع، وبذلك لم يفرقوا بين الكفر والإيمان والهدى والضلال، ولا يستقيم أن نلصق جريرة سوء الفهم لهذا الأصل الإيماني بالإسلام.

3) الفهم الصحيح للإيمان بالقضاء والقدر وتطبيقه هو ما دفع المسلمين إلى العمل والاجتهاد وعدم التواكل حتى حققوا الريادة المنشودة في قيادة الأمم، ومن أراد أن يحكم فليحكم على حال المسلمين الأوائل من الصحابة ليعرف الفرق، والفتوحات الإسلامية خير شاهد على ذلك.

4)  إن لعقيدة الإيمان بالقدر مفهومها وحدودها في الإسلام.

5)  ليس ثمة أدنى تعارض بين الإيمان بالقضاء والقدر والعدل الإلهي.

التفصيل:

أولا. الإيمان بالقضاء والقدر لا يرفع مسئولية الاختيار عن العبد:

الإيمان بالقضاء- والقدر هو الركن الخامس من أركان الإيمان، كما دل على ذلك حديث جبريل - عليه السلام - عندما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»[1].

إن الله خلق الخلق وجعل فيهم القدرة على الإيمان والكفر، قال سبحانه وتعالى: )إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3)( (الإنسان)، فالإنسان وإن كان مكلفا شرعا إلا أن له حرية الاختيار كونا وقدرا، وهذا الأمر واقع مشاهد، فما من إنسان إلا وهو يشعر بهذه الحرية في الاختيار، وبناء على هذه الحرية جاء التكليف الشرعي بوجوب الإيمان وحرمة الكفر، فعندما لا يؤمن الإنسان يكون هو الذي لا يريد الإيمان، وعندما يكفر يكون هو من أراد الكفر ونضرب مثالا لهذا:

الإنسان مختار في عمله وكسبه، غير مجبر، وهو مفطور على حركة الاختيار، يمثل هذه الحركة ويطبقها في حياته اليومية ويقرر بعمله وسلوكه الاختيار وينكر الجبر، فمثلا لا يعاقب الجماد، ولا يغضب على الحجر، والخشب، والماء، والنار، والريح، مهما لحقه الأذى والضرر والعنت من هذه الأشياء؛ لأنه يعلم أنها غير مخيرة، أما إذا تعرض إنسان لإهانتك أو هتك عرضك أو ثرت عليه ثورانا عجيبا وعاقبته عقابا شديدا، أفلا يدل ذلك على أن الإنسان يميز بين المجبر والمختار، وأنه صاحب اختيار وإرادة؟!

ولو كان الاحتجاج بالجبر والقدر صحيحا لاحتج به أهل النار عندما سئلوا: )ما سلككم في سقر (42)( (المدثر)، فأجابوا: )قالوا لم نك من المصلين (43) ولم نك نطعم المسكين (44)( (المدثر)، فلو كان الاحتجاج بالقدر صحيحا لقال أهل النار: أجبرنا على فعل الكفر، ثم عوقبنا عليه. وفي رسالة الحسن البصري في رده على مثل هؤلاء الطاعنين إلى هؤلاء فقال: "لو أجبر الله الخلق على الطاعة، لأسقط عنهم الثواب، ولو أجبرهم على المعاصي لأسقط عنهم العقاب، ولو أهملهم لكان عجزا في القدرة"[2].

وقال ابن القيم: فالله سبحانه وتعالى إذا أراد فعل العبد خلق القدرة، والداعي إلى فعله، ويضاف الفعل إلى قدرة العبد إضافة المسبب إلى سببه، ويضاف إلى قدرة الرب إضافة المخلوق إلى الخالق. ولو قام العبد بالأكل والشرب والزنا، والسرقة عادت أحكام هذه الأفعال إليه وامتنع عود أحكامها إلى الرب، ولكن من أين يمنع أن تكون معلومة للرب سبحانه: )ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (14)( (الملك).

وإن العقلاء ليتفقون - بداهة - على أن أفعال الإنسان تنقسم إلى أفعال اضطرارية، وأخرى اختيارية، وهذا ما يحسه ويشعر به كل إنسان في أنه في أفعاله الاختيارية يستطيع أن يفعل الشيء، أو يتركه، فالقدرة على الفعل والترك دليل الاختيار، وحرية الإرادة.

والقرآن والسنة يقرران حرية الإنسان في كل أفعاله وخصوصا التي تمس الدين، ويكون عليها الجزاء مثوبة، أو عقوبة فقال سبحانه وتعالى: )لا تكلف نفس إلا وسعها( (البقرة: 286). وقال سبحانه وتعالى: )وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر( (الكهف: 29). وقال: )من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد (46)( (فصلت)، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى...»[3] [4].

ثانيا. ضلالات التاركين للعمل اتكالا على القدر:

سلك الناس في باب القدر كل واد وأخذوا في كل طريق وتكلمت فيه الأمم قديما وحديثا وقد ضل فريق البحث، وعن هذا الضلال يتحدث د. عمر الأشقر فيقول: ضل فريق في باب القدر، فقالوا: إذا كان الله عالما بكل شيء نفعله، وعالما بمصيرنا إلى الجنة أو النار، وكان هو الخالق لأفعالنا، فلماذا نعمل وننصب؟ ولماذا لا نترك الأقدار تجري في أعنتها، وسيأتينا ما قدر لنا شئنا أم أبينا.

وقد تعمقت هذه الضلالة عند بعض طوائف المسلمين، وكان ولا يزال هذا القول على ألسنة كثير من جهال المسلمين وأهل الزيغ والزندقة، وهذا الفريق يؤمن بالقدر، وأن الله عالم بكل شيء، وخالق لكل شيء، ومريد لجميع الكائنات، ولكنهم زعموا أن كل ما خلقه الله وشاءه فقد رضيه وأحبه، وقد قال سبحانه وتعالى: )فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر( (الزمر)، وزعموا أنه لا حاجة بالعباد إلى العمل، والأخذ بالأسباب، فما قدر لهم سيأتيهم، وزعموا أن العباد مجبورون على أفعالهم، فالإنسان عندهم ليس له قدرة تؤثر في الفعل، بل هو مع القدر كالريشة في مهب الريح، وكالساقط من قمة جبل شامخ إلى واد بعيد غوره، سحيق قعره، لا يملك وهو يتردى فيه من أمره شيئا.

لقد ترك هؤلاء العمل احتجاجا بالقدر قبل وقوعه، واحتجوا بالقدر على ما يقع منهم من أعمال مخالفة للشرع، ووصل بهم الحال إلى عدم التفريق بين الكفر والإيمان، وأهل الهدى والضلال؛ لأن جميع ذلك خلق الله.

إن هذه العقيدة المنحرفة أضلت عقولا كثيرة، وانحرف مسارها عن جادة الحق والصواب، فاضطربت عندها موازين العدل والحق، وعطلت هذه العقيدة المنحرفة طاقات هائلة في العالم الإسلامي، وأقعدتها عن العمل.

لقد كان من آثار هذه العقيدة الزعم أن الله أحب الكفر، والشرك، والقتل، والزنا، والسرقة، وعقوق الوالدين، وغير ذلك من الذنوب والمعاصي؛ لأنهم يزعمون أن كل شيء خلقه الله، وأوجده فهو يحبه ويرضاه، ومن آثارها أن أصحابها تركوا الأعمال الصالحة الخيرة التي توصلهم إلى الجنة وتنجيهم من النار، وارتكبوا كثيرا من الموبقات بدعوى أن القدر آت آت، وكل ما قدر للعبد سيصيبه، فلماذا العمل والتعب والنصب؟ لقد ترك هؤلاء الأخذ بالأسباب؛ فتركوا الصلاة والصيام، كما تركوا الدعاء والاستعانة بالله والتوكل عليه؛ لأنه لا فائدة منها، فالذي يريده الله ماض قادم لا ينفع معه دعاء ولا عمل.

ورضى كثير من هؤلاء بظلم الظالمين، وإفساد المفسدين؛ لأن ما يفعلونه قدر الله وإرادته، وتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يهتموا بإقامة الحدود والقصاص؛ لأن ما وقع من المفاسد والجرائم قدر لا بد منه.

ويمكن الرد على هؤلاء من وجوه:

1.  خطؤهم في إطلاق اسم الجبر على ما يؤديه الإنسان من أفعال:

استعمل هؤلاء لفظا لم يرد به الكتاب والسنة، والواجب على العباد أن يستخدموا الألفاظ التي جاءت بها النصوص، روى اللالكائي بإسناده: سألت الأوزاعي والزبيدي عن الجبر، فقال الزبيدي: أمر الله أعظم وقدرته أعظم من أن يجبر ويقهر، ولكن يقضي ويقدر ويخلق ويجبل عبده على ما أحب.

وإطلاق هذا على الله - عز وجل - خطأ بين؛ فإن الله أعلى وأجل من أن يجبر أحدا، وإنما يجبر غيره العاجز عن أن يجعله للفعل مختارا له محبا، راضيا به، والله سبحانه قادر على ذلك، فهو الذي جعل المريد للفعل المحب له الراضي به مريدا له محبا إياه راضيا به، فكيف يقال أجبره وأكرهه، كما يجبر المخلوق المخلوق.

2.  إنكار الاختيار في أفعال العباد نقص في العقل:

الذين يزعمون أن الإنسان ليس له إرادة ألغوا عقولهم، فضلوا وأضلوا، وإلا فإننا نعلم من أنفسنا أن حركتنا ليست كحركة الجماد، الذي لا يملك شيئا لذاته في تحركه وسكونه، بل إننا نفرق بين الحركات غير الإرادية التي تجري في أجسادنا وبين الحركات الإرادية، فحركة القلب، وحركة الرئتين، وجريان الدم في دورته في عروق الإنسان، وآلاف العمليات المعقدة التي تجري في أجسادنا - من غير أن نعرفها ونعلم بها - ليس لنا فيها خيار، بل هي حركات اضطرارية ليس للإنسان إرادة في إيجادها وتحقيقها، ومثل ذلك حركة المرعوش الذي لا يملك إيقاف اهتزاز يده.

أما أكل الإنسان وشربه وركوبه، وبيعه وشراؤه، وقعوده وقيامه، وزواجه وطلاقه، ونحو ذلك، فهو يتم بإرادة وقدرة ومشيئة، والذين يسلبون الإنسان هذه القدرة ضلت عقولهم، واختلت عندهم الموازين، والقرآن الكريم مليء بإسناد الأفعال إلى من قاموا بها كقوله سبحانه وتعالى: )وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى( (يس: 20)، )فلما أسلما وتله للجبين (103)( (الصافات)، )فوكزه موسى فقضى عليه( (القصص: 15)، )فخرج على قومه في زينته( (القصص: 79)، والنصوص في هذا كثيرة يصعب إحصاؤها، وهي تسند الأفعال إلى من قاموا بها.

3.  زعمهم أن كل شيء قدره الله وخلقه فقد رضيه وأحبه:

وهذا زعم باطل، فالله شاء وجود الكفر، والشرك، والذنوب، والمعاصي من الزنا، والسرقة، وعقوق الوالدين، والكذب، وقول الزور، وأكل مال الناس بالباطل، ولكن كرهها وأبغضها ونهى عباده عنها. قال ابن القيم: "أخبرني شيخ الإسلام - قدس الله روحه - أنه لام بعض هذه الطائفة على محبة ما يبغض الله ورسوله. فقال له الملوم: المحبة نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب، وجميع ما في الكون مراده، فأي شيء أبغض منه؟ فقال له الشيخ: إذا كان الله قد سخط على أقوام ولعنهم وغضب عليهم وذمهم، فواليتهم أنت وأحببت أفعالهم ورضيتها، تكون مواليا له أو معاديا له؟ قال: "فبهت الجبري ولم ينطق بكلمة، قال سبحانه وتعالى: )إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر( (الزمر: 7).

4.  زعمهم أن الإيمان بالقدر يقضي بترك الأعمال وإهمال الأسباب:

لقد أخطأ هذا الفريق في دعواه أن الإيمان بالقدر لا يحتاج العبد معه إلى العمل، وذهل هؤلاء عن حقيقة القدر؛ فالله قدر النتائج وأسبابها، ولم يقدر المسببات من غير أسباب، فمن زعم أن الله قدر النتائج والمسببات من غير مقدماتها وأسبابها فقد أعظم الفرية؛ فالله إذا قدر أن يرزق فلانا رزقا، فقد جعل لذلك الرزق أسبابا ينال بها، فمن ادعى أنه لا حاجة به إلى السعي في طلب الرزق، وأن ما قدر له من رزق سوف يأتيه سعى أو لم يسع لم يفقه قدر الله في عباده.

 ونصوص الكتاب والسنة حافلة بالأمر باتخاذ الأسباب المشروعة في مختلف شئون الحياة، فقد أمرت بالعمل، والسعي في طلب الرزق، واتخاذ العدة لمواجهة الأعداء، والتزود للأسفار.

قال سبحانه وتعالى: )فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله( (الجمعة:10)، وقال: )فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور (15)( (الملك)، وقال: )وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم( (الأنفال:60)، وأمر المسافرين للحج بالتزود: )وتزودوا فإن خير الزاد التقوى( (البقرة: 197)، وأمر بالدعاء والاستعانة: )وقال ربكم ادعوني أستجب لكم( (غافر:60)، )قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا( (الأعراف: 128).

5.  احتجاجهم بالقدر على مقارفة الذنوب باطل:

الحق أن الإيمان بالقدر لا يستلزم الرضا بالمعاصي، ولقد ضل أقوام وسلموا للمفاسد التي وقعت بحجة فاسدة، وهي قولهم: هذه إرادة الله ومشيئته وليس لنا حيلة في ذلك، وقد أدى هذا بهم إلى ترك الباطل يستشري في ديار الإسلام، وترى هذا الصنف من البشر خاضعين للظلمة، بل إن بعضا منهم يصبح أعوانا للظلمة، وتراهم يخاطبون الناس قائلين: ليس لكم إلا أن تصبروا على مشيئة الله وقدره فيكم.

وترى بعض هؤلاء يفعلون الموبقات، ويرتكبون المنكرات من الزنا، والفسوق، والعصيان، ويحتجون لأفعالهم بالقدر. وهؤلاء إن اعتقدوا أن كل شيء واقع فهي حجة أضحكوا العقلاء منها، وأوقعوا أنفسهم في مأزق لا يجدون منه خلاصا، ولقد ذكر ابن القيم وقائع من هؤلاء تزري بأصحاب العقول، وتجعل أصحابها في مرتبة أقل من البهائم، يذكر عن واحد من هؤلاء أنه رأى غلامه يفجر بجاريته، فلما أراد معاقبتهما، وكان غلامه يعرف مذهبه في القدر، فقال له: إن القضاء والقدر لم يدعانا حتى فعلنا ذلك. فقال ذلك الجاهل: لعلمك بالقضاء والقدر أحب إلي من كل شيء، أنت حر لوجه الله. ورأى آخر يفجر بزوجته، فأقبل يضربها وهي تقول: القضاء والقدر فقال: يا عدوة الله أتزنين وتعتذرين بمثل هذا؟ فقالت: أوه تركت السنة، وأخذت بمذهب ابن عباس، فتنبه ورمى بالسوط من يده واعتذر إليها، وقال: لولا أنت لضللت. ورأى آخر رجلا يفجر بامرأته، فقال: ما هذا؟ فقالت: هذا قضاء وقدر، فقال: الخيرة فيما قضى الله، فلقب بالخيرة فيما قضى الله. ولو كان الاحتجاج بالقدر صحيحا، لأمكن لكل واحد أن يقتل ويفسد، ويأخذ الأموال، ويظلم العباد، فإذا سئل عن أفعاله احتج بالقدر، وكل العقلاء يعلمون أن هذه الحجة مرفوضة غير مرضية، وإلا فإن الحياة تفسد.

وكثير من الذين يحتجون بالقدر لظلمهم وفسقهم وضلالهم يثورون إذا ما وقع عليهم الظلم، ولا يرضون من غيرهم أن يحتج على ظلمه لهم بالقدر.

إن المنهج الذي فقهه علماؤنا عن ربنا ونبينا أنه يجب علينا أن نؤمن بالقدر، ولكن لا يجوز لنا أن نحتج به على ارتكاب منكر العمل وفاسده، كما لا يجوز لنا أن نحتج به على مخالفتنا للشرع، وإنما يحتج بالقدر على المصائب، دون المعايب، يقول شيخ الإسلام: "العبد له في المقدور حالان: حال قبل القدر، وحال بعده، فعليه قبل المقدور أن يستعين بالله، ويتوكل عليه، ويدعوه، فإذا قدر المقدرو بغير فعله، فعليه أن يصبر عليه أو يرضى به، وإن كان بفعله وهو نعمة حمد الله على ذلك، وإن كان ذنبا استغفر إليه من ذلك، وله في الأمور حالان:

·       حال قبل الفعل: وهو العزم على الامتثال والاستعانة بالله على ذلك.

حال بعد الفعل: وهو الاستغفار من التقصير وشكر الله على ما أنعم به من الخير. قال سبحانه وتعالى: )فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك( (غافر: 55)، أمره أن يصبر على المصائب المقدورة، ويستغفر من الذنب، وقال سبحانه وتعالى: )وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (186)( (آل عمران)، وقال سبحانه وتعالى:)إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (90)( (يوسف)، فذكر الصبر على المصائب، والتقوى بترك المعائب، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان»[5].

إن الإيمان بالقدر والاحتجاج به يأتي لمعالجة المشكل النفسي الذي يذهب الطاقة الإنسانية ويبددها في حال الفشل والإخفاق، ولا يكون مانعا من العمل والإبداع، في مقبل الزمان[6].

6.  يلزم من قولهم التسوية بين المختلفين:

لقد أدى هذا المذهب بأصحابه إلى التسوية بين الأخيار والفجار، والأبرار والأشرار، وأهل الجنة وأهل النار، وقد فرق بينهم الله عز وجل فقال: )أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (28)( (ص)، )أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم( (الجاثية: 21). وقال: أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) ما لكم كيف تحكمون (36)( (القلم).

أسباب الضلال في القدر:

الحكم على الشيء فرع عن تصوره، هذا التصور لا يكون صحيحا إلا إذا اتسم بالشمولية، ومن تحدثوا في القدر وضلوا من النفاة والجبرية رأوا جزءا من الحقيقة وتركوا الباقي،ومن ثم جاء حكمهم باطلا، وعن أسباب هذا البطلان يتحدث د. عمر الأشقر فيقول: إن السبب في ضلال كل من القدرية النفاة والقدرية المجبرة في هذا الباب أن كل واحد من الفريقين رأى جزءا من الحقيقة وعمي عن جزء منها، فكان مثله مثل الأعور الذي يرى أحد جانب الشيء، ولا يرى الجانب الآخر، فالقدرية النفاة الذين نفوا القدر قالوا: إن الله لا يريد الكفر، والذنوب والمعاصي، ولا يحبها ولا يرضاها، فكيف نقول إنه خلق أفعال العباد وفيها الكفر والذنوب والمعاصي، والقدرية المجبرة آمنوا بأن الله خالق كل شيء، وزعموا أن كل شيء خلقه وأوجده فقد أحبه ورضيه.

وأهل السنة والجماعة أبصروا الحقيقة كلها، فآمنوا بالحق الذي عند كل واحد من الفريقين، ونفوا الباطل الذي تلبس به كل واحد منها، فهم يقولون: "إن الله وإن كان يريد المعاصي قدرا، فهو لا يحبها، ولا يرضاها ولا يأمر بها، بل يبغضها وينهى عنها". وهذا قول السلف قاطبة، فيقولون: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولهذا اتفق الفقهاء على أن الحالف لو قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله لم يحنث إذا لم يفعله، وإن كان واجبا أو مستحبا.

ولو قال: إن أحب الله، حنث إن كان واجبا أو مستحبا.

 والمحققون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة قدرية خلقية، وإرادة دينية شرعية.

فالإرادة الشرعية هي المتضمنة المحبة والرضا، والكونية القدرية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات، فالإرادة الشرعية كقوله سبحانه وتعالى: )يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر( (البقرة: 185)، وقوله: )ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم( (المائدة: 6)، )يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم (26) والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (27) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28)( (النساء)، )إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (33)( (الأحزاب).

فهذا النوع من الإرادة لا تستلزم وقوع المراد، إلا إذا تعلق به النوع الثاني من الإرادة، وهذه الإرادة تدل دلالة واضحة على أنه لا يحب الذنوب، والمعاصي، والضلال، والكفر، ولا يأمر بها ولا يرضاها، وإن كان شاءها خلقا وإيجادا، وأنه يحب ما يتعلق بالأمور الدينية، ويرضاها ويثيب عليها أصحابها، ويدخلهم الجنة، وينصرهم في الحياة الدنيا، وفي الآخرة، وينصر بها العباد من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وعباده الصالحين.

وهذه الإرادة تتناول جميع الطاعات حدثت أو لم تحدث.

والإرادة الكونية القدرية هي الإرادة الشاملة لجميع الموجودات، التي يقال فيها: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وهذه الإرادة مثل قوله سبحانه وتعالى: )فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا( (الأنعام: 125)، وقوله: )ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم( (هود: 34)، وقوله: )ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (253)( (البقرة)، وقوله: )ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله( (الكهف: 39).

وهذه الإرادة إرادة شاملة لا يخرج عنها أحد من الكائنات، فكل الحوادث الكونية داخلة في مراد الله ومشيئته هذه، وهذه يشترك فيها المؤمن والكافر، والبار والفاجر، وأهل الجنة، وأهل النار، وأولياء الله وأعداؤه، وأهل طاعته الذين يحبهم ويحبونه، ويصلي عليهم هو وملائكته، وأهل معصيته الذين يبغضهم ويمقتهم ويلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون وهذه الإرادة تتناول ما حدث من الطاعات والمعاصي، دون ما لم يحدث منها.

والمخلوقات مع كل من الإرادتين أربعة أقسام:

الأول: ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع، فأمر به وأحبه ورضيه، وأراده إرادة كون فوقع، ولولا ذلك ما كان.

والثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الكفار والفجار، فتلك كلها إرادة دين، وهو يحبها ويرضاها وقعت أو لم تقع.

والثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، وهو ما قدره الله وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها كالمعاصي، فإنه لم يأمر بها، ولم يرضها، ولم يحبها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت، ولما وجدت، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

والرابع: ما لم تتعلق به هذه الإرادة، ولا هذه فهذا ما لم يقع ولم يوجد من أنواع المباحات والمعاصي. والسعيد من عباد الله من أراد الله منه تقديرا ما أراد به تشريعا، والعبد الشقي من أراد به تقديرا ما لم يرد به تشريعا، وأهل السنة والجماعة الذين فقهوا دين الله حق الفقه، ولم يضربوا كتاب الله بعضه ببعض، علموا أن أحكام الله في خلقه تجري على وفق هاتين الإرادتين، فمن نظر إلى الأعمال الصادرة عن العباد بهاتين العينين كان بصيرا، ومن نظر إلى الشرع دون القدر، أو نظر إلى القدر دون الشرع كان أعور، مثل قريش الذين قالوا: )لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء( (الأنعام:148)، قال الله سبحانه وتعالى: )كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148)( (الأنعام)[7].

ثالثا. الفهم الصحيح للإيمان بالقضاء والقدر دفع المسلمين إلى العمل والاجتهاد وعدم التواكل:

لو أن المسلمين في خير القرون ساروا على هذا الفهم الخاطئ للإيمان بالقدر، ما انتصر لهم دين، ولا قامت لهم دولة ولا تأسست لهم حضارة، ولا مكن لهم في الأرض، ولا قادوا العالم إلى الحضارة والتقدم والرقي، فإن هذا التوجه السلبي غريب على العقل الإسلامي، والروح الإسلامية، والنهج الإسلامي الذي يعمل على تكوين الفرد الصالح، والأسرة الصالحة، والمجتمع الصالح والأمة الصالحة، والدولة الصالحة، لذا أنكره فقهاء الأمة المتبعون وأئمتها المعتبرون، فهذا الإمام سفيان بن سعيد الثوري وهو إمام في الفقه والحديث يقول: "العالم إذا لم تكن له معيشة صار وكيلا للظلمة، والعابد إذا لم تكن له معيشة أكل بدينه، والجاهل إذا لم تكن له معيشة، صار وكيلا للفساق".

ويقول الطبري: لقد ظاهر - صلى الله عليه وسلم - في الحرب بين درعين، ولبس على رأسه المغفر[8]، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة، وإلى المدينة، وهاجر هو، وقال للذي سأله: أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: «اعقلها وتوكل»[9]، فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل، وقال سبحانه وتعالى: )وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم( (الأنفال: 60).

ولقد طبق الأنبياء جميعهم مبدأ التوكل على الله عز وجل، وأخذوا بالأسباب؛ فقد كان آدم حراثا، ونوح وزكريا نجارين، وإدريس خياطا، وإبراهيم ولوط مزارعين، وصالح تاجرا، وسليمان يعمل الخوص، وداود يصنع الدروع، وكان موسى وشعيب ومحمد - صلى الله عليهم جميعا - رعاة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما بعث الله نبيا إلا رعي الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة»[10]. ولقد طبق هذا المبدأ كذلك الصحابة الكرام رضي الله عنه، إذن فالإسلام يدعو إلى العمل والاجتهاد، وعدم الكسل والتواكل، وهذه النماذج خير شاهد على ذلك[11].

الفتوحات الإسلامية دليل واضح على أخذ المسلمين بالأسباب:

يزعم أعداء الإسلام أن الإيمان بالقدر هو سر تخلف المسلمين وقعودهم عن اللحاق بركب الحضارة المادية، مستدلين على ذلك بواقع المسلمين اليوم؛ إذ انتشر فيهم التخلف والفقر والجهل، زاعمين أن الإيمان بالقدر يدعو إلى الكسل، وترك العمل تحت دعوى أن هذا مقدر فسيكون.

وجوابا على هذا الزعم نقول: إن الأسباب وراء تخلف المسلمين في هذه الأيام كثيرة منها أسباب داخلية، وخارجية، وإن جعل الإيمان بالقدر من بين تلك الأسباب، مرده إلى الفهم الخاطئ لهذا الركن العظيم من أركان الدين، ونقول لهم أيضا: إنه من غير الممكن أن يكون حال المسلمين حاكما على الإسلام نفسه، وإذا أراد هؤلاء أن يحاكموا الإسلام بالنظر إلى حال معتنقيه فليحاكموه بحال معتنقيه الأوائل من الصحابة الكرام، وكيف أنهم في فترة وجيزة فتحوا جزيرة العرب، وخضعت لهم مملكتا فارس والروم، وشمال إفريقيا، فلو كان الإيمان بالقدر سر تخلف المسلمين لما وصلوا في العهد الأول - وكانوا مؤمنين بالقدر - إلى ما وصلوا إليه من تقدم وازدهار؛ فبعدما كانوا رعاة للغنم صاروا قادة للأمم، ولو قعد بهم عن العمل ما وجدنا هذه الثمار العظيمة لعقيدة الإيمان بالقدر، ومن هذه الثمار على سبيل المثال لا الحصر:

·       جعل قلب المؤمن معلقا بالله الذي يدفع عنه كل سوء ويوفقه لكل خير.

·       معالجة أمراض المجتمع الناشئة عن عدم الرضا بقضاء الله وقدره، كالحسد، والحقد، فإذا علم العبد بأن الله هو المعطي وهو المانع، وهو الرازق فسيقنع بما رزقه، ولو علم أن ما كتب له سيأتيه شعر بالاطمئنان والسكينة والرضا.

·       بعث الشجاعة والإقدام والثبات في النفوس في ساحات القتال.

·       تحرر العبد من الخوف إلا من الله - عز وجل - فلا يرهبه ظلم ظالم ولا تجبر جبار.

·       كان هذا الاعتقاد إذن مبعث حضارة وتقدم وازدهار وقيادة للعالم في كل الميادين.

رابعا. عقيدة الإيمان بالقدر لها مفهومها وحدودها في الإسلام:

الإيمان بالقدر: هو الإيمان بتقدم علم الله - سبحانه وتعالى - بما يكون وبما كان، وبما سيكون من أعمال المخلوقات، وصدور جميعها عن تقدير منه وخلق لها خيرها وشرها فقال سبحانه وتعالى: )ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير (70)( (الحج)، وقال سبحانه وتعالى: )وخلق كل شيء فقدره تقديرا (2)( (الفرقان).

والقدر هو تقدير الله - عز وجل - للأشياء، وقد كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فعن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»[12]. فالقدر علم علمه الله - عز وجل - وكتابة كتبها، ثم شاء ذلك، ولا بد أن تقع مشيئته تلك فينا، فيجب أن نتسابق ونحرص على طاعة الله، ونجتهد في الطريق إلى مرضاته، وإلى جنته سبحانه وتعالى؛ لكي نكون من أهل السعادة الميسرون لها.

إن مشكلة القدر هي مشكلة الإنسان أينما حل، ومتى حل، وليست مشكلة فرد بعينه، أو أمة بعينها، لذلك وجدناها في كل الأمم والثقافات والديانات، ووجدنا الجبرية الخالصة في جميع الديانات والثقافات، حتى في بعض الفلسفات الحديثة، كالماركسية باسم "الحتمية"، أكثر مما في الإسلام، ولم تجد مشكلة القدر حلا أمثل وأعدل مما وجدته في الإسلام.

مفهوم القضاء والقدر:

الإيمان بالقضاء والقدر من أصول الإيمان التي لا يتم إيمان العبد إلا بها، فعن مفهوم القضاء والقدر وموقف المسلمين من هذا الركن يحدثنا المفكر الأستاذ محمد قطب فيقول: الإيمان بالقضاء والقدر جزء رئيسي من عقيدة المسلم، كما بينها حديث جبريل عليه السلام عندما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإيمان فقال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره»[13]. وهو من مميزات هذه الأمة في تاريخها الطويل، ولكنه كان في حس الأجيال الأولى من هذه الأمة قوة دافعة بناءة محركة، بقدر ما صار في حس الأجيال المتأخرة منها قوة سلبية هدامة مخذلة، حين انحرف مفهوم القضاء والقدر في حسها عن صورته الصحيحة التي عاشت بها الأجيال الأولى، وبنت وعمرت وتحركت. والصورة الظاهرة واحدة في الحالين، ولكن شتان ما بين هذه وتلك في حقيقة الأمر.

إن ألفاظ الشهادة التي كانت تنطقها الأجيال الأولى من المسلمين هي ذات الألفاظ التي جرت على لسان الأجيال المتأخرة: "أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله"، ولكن الأجيال الأولى كانت تهز بها الأرض كلها وتحركها؛ لأنها كانت تعمل في واقع الأرض برصيدها الكامل وشحنتها الكاملة، والأجيال الأخيرة لم تعد تصنع شيئا في الأرض، بل لم تعد تستطيع حتى أن تحافظ على الوجود الإسلامي أمام الغزو العسكري، والسياسي، والاقتصادي، وأمام الغزو الفكري، الذي هو أخطر غزو؛ لأنها صارت كلمة بغير شحنة ولا رصيد!

 وكذلك عقيدة القضاء والقدر.. صورتها الظاهرة هي الإيمان بأن كل ما يحدث في هذا الكون وفي حياة الإنسان يتم بقضاء من الله وقدر، وأنه لا يحدث في هذا الكون العريض كله، ولا في حياة الإنسان إلا ما قدره الله: )إنا كل شيء خلقناه بقدر (49)( (القمر)، )ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير (22)( (الحديد)، )قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون (51)( (التوبة). وقوله سبحانه وتعالى: )ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم (11)( (التغابن)، ولكن الفارق الضخم في حقيقة هذه العقيدة بين الأجيال الأولى، والأجيال المتأخرة هو الفارق بين التوكل على الله، كما مارسته الأجيال الأولى، والتواكل الذي حدث في عصر الانحسار، ثم عصر الانحدار، وهو فارق لا يقل ضخامة عن فارق لا إله إلا الله، وفارق الصلاة، وسائر العبادات، ما بين هذه الأجيال وتلك الأجيال!

كان المسلم الأول يؤمن بأن كل ما يحدث له أو يحدث في الكون هو بقضاء الله وقدره، وأن شيئا لن يغير ما قدره الله منذ الأزل في اللوح المحفوظ، ثم كانت نتيجة إيمانه بذلك أن يقول لنفسه: أإذا ذهبت إلى ميدان القتال، أقتل بسبب ذهابي إلى هناك، أم أنه يجري علي ما قدره الله لي؟ فإن كان كتب لي الشهادة فسأقتل بقضاء الله وقدره، وإن كان كتب لي العودة فسأعود! ثم إنني إن كان الله قد كتب علي الموت فسأموت، ولو كنت في مكاني هذا، ولم أذهب إلى القتال؛ فيمضي إلى القتال بنفس شجاعة، فيستبسل، فيمضي الله قدره في الأرض، وينصر به هذا الدين، ويمكن له، ثم يكون من أمره ما قدره الله له، إما الشهادة وإما النصر )قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين( (التوبة: 52).

ولما اضطربت نفوس المنافقين وضعاف الإيمان بعد هزيمة أحد نزلت بينات تقرر هذه الحقيقة وتؤكدها، وترسخها في نفوس المؤمنين: )ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور (154)( (آل عمران).

لذلك كان المسلم الأول يفعل وهو يكشف مجاهيل الأرض؛ لنشر الدعوة ولطلب العلم وللسعي وراء الرزق، ويمشي في مناكب الأرض ويتعرض للأخطار والمشقات، كانت القاعدة في حسه أن أقدم وأتوكل على الله. كيف تحول هذا الإقدام إلى تقاعس وقعود في انتظار ما قدره الله؟! كذلك كان في حس المسلم الأول أن إيمانه بالقضاء والقدر لا ينفي مسئوليته عن عمله حين يرتكب خطأ يعرضه للجزاء. وفي غزوة أحد كان الدرس هائلا عميقا في نفوس المؤمنين، وذلك حين خالف الرماة أمر قائدهم ورسولهم، فنزل القرآن بعتاب شديد لهم على ما فعلوا: )أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير (165) وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) وليعلم الذين نافقوا( (آل عمران).

إنه من عند أنفسكم، وفي ذات الوقت هو بإذن الله:

المسئولية عن الخطأ قائمة، والإيمان بأنه من قضاء الله وقدره قائم، لا يتعارضان، ولقد كان هذا من أعظم ما تعلمته هذه الأمة، ومن أعظم ما تميزت به، إزالة التعارض بين إيمان الإنسان بمسئوليته عن عمله، وإيمانه بقضاء الله وقدره، وإقراره الأمرين معا في القلب البشري ليتوازن بينهما بقدر الله والتطلع إليه في الكبيرة والصغيرة، كذلك مراقبته لأعمال نفسه ووزنها بميزان الخطأ والصواب. كيف تحول هذا التوازن البديع إلى تنصل من كل مسئولية بدعوى الإيمان بقضاء الله وقدره؟

لقد استقر في حس الأمة الأولى، أن إيمانها بالقضاء والقدر لا يتعارض مع اتخاذ الأسباب، لقد كانوا يدركون من جانب أن لله سننا في هذا الكون، وفي حياة البشر غير قابلة للتغيير، ومع أن لله - عز وجل - سنة خارقة تملك أن تصنع كل شيء ولا يعجزها ولا يقيدها شيء؛ لأن مشيئته طليقة من كل قيد، إلا أنه جلت قدرته قد قضى بأن تكون سننه الجارية ثابتة في الحياة الدنيا، وأن تكون سننه الخارقة استثناء لها، وكلتاهما معلقة بمشيئة الله.

لذلك استقر في حسهم أنه لا بد من مجاراة السنن الجارية، إذا رغبوا في الوصول إلى نتيجة معينة في واقع حياتهم، أي أنه لا بد من اتخاذ الأسباب المؤدية إلى النتائج بحسب تلك السنن الجارية، وبين الله لهم ذلك بيانا صريحا في كتابه المنزل، فلقد قدر الله لدينه أن ينتصر، ويمكن له في الأرض، وقدر لكيد الكفار أن يحبط: )هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (33)( (الصف)، ومع ذلك فلا بد من اتخاذ الأسباب:)وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم( (الأنفال: 60)، )إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7)( (محمد). فلا بد من اتخاذ الأسباب للنصر، وإن كان النصر قدرا مقدورا من عند الله، ولأجل ألا تترك هذه الأمة لتفتن بالأسباب وتظنها مؤدية إلى النتائج بمعزل عن قدر الله، كما تصنع الجاهلية المعاصرة.

لقد كان درس حنين لتثبيت هذا المعنى في نفوس المؤمنين:)ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين (26)( (التوبة)، وكان هذا كذلك من أبدع ما تعلمته هذه الأمة وتربت عليه لتتوازن في مسيرتها الأرضية بين التواكل بغير اتخاذ الأسباب وبين الاتكال على الأسباب، كيف تحول هذا التوازن الرائع إلى سلبية كاملة، وقعود عن اتخاذ الأسباب بدعوى الاتكال على الله؟!

ثم إنه لم يكن في حس الأمة الأولى أي تعارض بين التسليم لقدر الله والعمل على تغيير الواقع السيئ حين يكون، وذلك حين يوجد واقع سيئ في حياة الناس، فهو واقع بقضاء الله وقدره، سواء بسبب من عند الناس كما حدث للمؤمنين في أحد بسبب مخالفتهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم لأمر لا مسئولية لهم فيه، كما كان الحال في طاعون عمواس أيام الخليفة عمر بن الخطاب، ولم تكن أسباب الطاعون معروفة يومئذ ولا وسائل علاجه، فلا مسئولية على أحد في ذلك الحين أم كان ابتلاء من عند الله؛ ليمحصهم، كما يحدث في فترات الابتلاء التي تجري بسنة من سنن الله! )أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (3)( (العنكبوت).

هذا وغيره مما يصيب الناس في الأرض يحدث كله بقضاء الله وقدره، ولكن الله لم يأمر الناس أن يستسلموا لقدره، بمعنى عدم العمل على تغيير الواقع السيئ الذي هم فيه، إنما أمرهم بالتسليم (أو الاستسلام) لقدره بمعنى الرضا بما وقع بالفعل على أنه قدر محتوم لم يكن يمكن تلافيه. أما القعود عنده، وعدم تغييره، أو محاولة تغييره فأمر آخر، لم يأمر الله به ولا حث عليه ولا علاقة له بالرضا بما وقع على أنه قدر محتوم من عند الله.

ولنأخذ النماذج التي أشرنا إليها على سبيل المثال: فحين وقعت هزيمة أحد، بسبب من عند المؤمنين، وبقدر من عند الله في الوقت ذاته يقول سبحانه وتعالى:)قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير (165) وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله( (آل عمران(، طلب الله من المؤمنين أن يسلموا لهذا القدر المقدور: )فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون (153) ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم( (آل عمران)، ولكن هل طلب منهم أن يستسلموا للهزيمة ويقعدوا. ولا يحاولوا تغيير الموقف السيئ الذي وجدوا أنفسهم فيه، بحجة أنه قدر مقدور لم يكونوا ليفلتوا منه مهما حاولوا؟! كلا، إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - القائد والصاحب والمربي، تصرف في ذلك الموقف تصرفا يدل على اتجاه مغاير تماما لهذا الظن؛ فقد جمع المسلمين بجراحاتهم للقاء العدو مرة أخرى والهزيمة لما تنته آثارها من الأجساد ولا من النفوس! وامتدح الله موقف المؤمنين الذين استجابوا لله والرسول - صلى الله عليه وسلم - من بعد ما أصابهم القرح: )الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم (172) الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (173) فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم (174)( (آل عمران).

فهؤلاء هم الذين هزموا بقدر من الله وإن كان بسبب من عند أنفسهم في الوقت ذاته يقولون: حسبنا الله ونعم الوكيل، فهم يتوكلون على الله ليخرجوا من الواقع السيئ إلى واقع جديد! ولا يمنعهم قدر الله السابق من التطلع إلى قدر جديد! وإذا كان قدر الله الأول قد أصابهم بخطأ ارتكبوه؛ فهم يتطلعون إلى قدر الله الآخر بعمل يقدمونه بين يدي ذلك التطلع، وهو الاستجابة لله والرسول، أي بسلوك صحيح بعد السلوك الذي وقعت فيه الأخطاء. وهو اتخاذ الأسباب مع التوكل على الله، وهكذا لم يتعارض في حسهم التسليم بقدر الله الواقع مع العمل على التغيير.

وفي طاعون عمواس علم الخليفة عمر - رضي الله عنه - بخبر الطاعون، فأمر الجند بالانصراف، فقال له أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: «أفرارا من قدر الله؟! قال: نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله»[14]! وهي عبارة بليغة تدل على عمق فهم الخليفة رضي الله عنه لقضية القضاء والقدر؛ إن الطاعون قدر واقع على الناس بالفعل، ولكنه لم يقع بعد على عمر وجيشه. فالعمل على تحاشيه أمر واجب، وهو يتم - حين يتم - بقدر من الله كذلك. فقدر الله بالطاعون لا يمنع قدر الله بالنجاة من الطاعون! ولقد اتخذ عمر الأسباب التي ظنها مؤدية إلى النجاة. فتمت النجاة بقدر من الله.

كان الابتلاء الذي أصاب المؤمنين على يد قريش - وهو سنة من سنن الله لم تتخلف مع أية جماعة من المؤمنين تواجه الجاهلية في بدء الدعوة قبل التمكين - واقعا بقدر من الله، ولحكمة كذلك يعلمها - عز وجل - ويريدها: )فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (3)( (العنكبوت(.

فهل منع ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين من محاولة التغيير؟ بطلب الجوار من بعض المشركين حينا، وبالهجرة إلى الحبشة حينا، حتى جاء الإذن بالهجرة إلى المدينة آخر الأمر؟ كلا! إن وقوع الابتلاء بقدر من الله، وبمقتضى سنة من سننه الحتمية، لا يمنع الاجتهاد في تحاشي الابتلاء أو التخلص منه، وحين يتم شيء من ذلك فإنه يتم بقدر من الله، وحين يحقق الجهد فسيكون ذلك أيضا بقدر من الله!

لذلك لم يتعارض في حس الأمة الأولى واجب التسليم لقدر الله مع محاولة التغيير تطلعا إلى قدر جديد من عند الله، وكان هذا من روائع ما تربت عليه الأمة لتتوازن به بين سلبية الاستسلام التي تحطم الإرادة، وبين الرغبة التي لا تعرف التسليم.

إن عقيدة القضاء والقدر في صورتها الصحيحة تمثل نقط توازن هائلة ورائعة في حس الإنسان المسلم الذي يسير حياته بمقتضى هذه العقيدة، ففضلا عن كونها حقيقة متعلقة بذات الله عز وجل وبأسمائه وصفاته وأفعاله، فهي على ذلك من أصل العقيدة، ومن جوهر لا إله إلا الله؛ لأن أي تصور بأنه يمكن أن يقع في ملك الله شيء لم يقدره هو شرك لا شك فيه.

فضلا عن ذلك فإنها عقيدة ذات مقتضى ضخم جدا في حياة الإنسان المؤمن، إنها نقطة توازن بين اتجاهات شتى يتعرض لها الإنسان حين لا ينضبط سلوكه وفكره، وتصوره بالمنهج الرباني الصحيح، فشعور الإنسان بعظمة الله التي لا تحدها حدود، وهيمنته - سبحانه وتعالى - على كل شيء، وجريان الأمر كله بمشيئته، عرضة أن ينتهي به إلى سلبية منحسرة لا تعمل شيئا ولا تتطلع إلى إنجاز أي شيء! وشعور الإنسان بذاتيته، ومقدرته علي العمل والتصرف، ورؤيته لإنتاجه الذي ينتجه بفكره وجسمه عرضة أن ينتهي بالإنسان إلى التأله والجحود والطغيان؛ إعجابا منه بإيجابيته وفاعليته!

ومن ناحية أخرى، فإن شعور الإنسان بعظمة الله وهيمنته، وجريان الأمر كله بمشيئته، عرضة أن ينتهي به إلى نسيان الأسباب جملة، ونسيان السنن الربانية الجارية التي أودعها الله في بنية الكون وفي حياة الإنسان. تطلعا إلى تلك المشيئة التي لا يحدها حد ولا يقيدها قيد!

كما أن شعور الإنسان بانتظام السنن التي يجري بها الكون وتجري بها حياة الناس، عرضة أن ينتهي به إلى نسيان قدر الله جملة، أو إغفاله، والتعلق بالأسباب على أنها قوانين حتمية لا بد أن يؤدي السبب فيها حتما إلى النتيجة.

ومن ناحية ثالثة، فإن شعور الإنسان بجريان الأمر كله بمشيئة الله، عمل هو أم لم يعمل، وأراد أم لم يرد، عرضة أن ينتهي به إلى ترك العمل جملة؛ يأسا من أن يؤثر عمله في مجرى الأحداث أو ضنا بجهد لا يوصل - بذاته - إلى نتيجة!

كما أن شعور الإنسان بتأثير عمله في مجرى الأحداث، وبأن الأحداث مترتبة على مقدار ما يعمل ونوع ما يعمل. عرضة أن ينتهي به إلى الفتنة بعمله، والظن أنه هو الذي يصنع قدره بنفسه، ويتحكم فيه كما يشاء! وإذا كانت الهندوكية[15] والرهبانية[16]، نموذجا للنوع الأول من الانحراف: السلبية، ونسيان الأسباب جملة، والزهد في العمل والإنتاج. فإن الجاهلية المعاصرة عنوان حاد على النوع الثاني من الانحراف، شعور الإنسان المضتخم بذاتيته، وفتنته بالأسباب. وفتنته بعمله، وتوهمه أنه يصنع قدره بنفسه.

لقد بدأت أوربا نهضتها على عداء مع الكنيسة والدين، أي أنها في الحقيقة خرجت من جاهلية المسيحية الكنسية المحرفة إلى الجاهلية المعاصرة التي بلغت ذروتها في القرن الأخير، كان الإنسان مسحوقا في جاهلية القرون الوسطى المظلمة عندهم، تحت ضغوط كثيرة متنوعة، منها ضغط الكنيسة بطغيانها الروحي، والفكري، والمالي، والسياسي. ومنها ضغط الإقطاع بطغيانه السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي. ومنها الجهالة المتفشية، وضحالة التصورات، وضيق الآفاق، وتفاهة الاهتمامات.

ثم انفتحت أوربا على علوم المسلمين من ناحية، واحتكت بهم في حروبها الصليبية معهم من جهة أخرى، فتغير الحال، وبدأ الإنسان هناك يحس بوجوده، ولكن على غير استقامة الإسلام وانضباطه، فقد أخذوا من المسلمين علومهم وأسس حضارتهم المادية، ولكنهم رفضوا أن يأخذوا الإسلام، ومن ثم انقلبوا من النقيض إلى النقيض دون التوقف عند نقطة الوسط الموزون، فعلى قدر انسحاق الوجود الإنساني في جاهلية العصور الوسطى كان شعور الإنسان بذاتيته في الجاهلية المعاصرة، وعلى قدر الجهل بالأسباب عامة، وجدت فتنة بالأسباب وعلى قدر تفاهة العمل، وتفاهة آثاره في الحياة الواقعة، وجدت فتنة بالعمل، وفتنة بآثاره في حياة الناس.

وجاء التقدم العلمي والمادي الذي ولد مع النهضة والذي استمدت أوربا أصوله من المسلمين، فنفخ في هذه الفتنة الطامة، وخيل للناس في جاهليتهم المعاصرة أن العلم هو الإله، وهو القدر وهو الذي ينشئ كل شيء ويحكم كل شيء، والأوربي الجاهلي المعاصر قد نبذ الدين بكل مضمونه وإيحاءاته، ولم يعد لله صلة في حسه بحياته الواقعة على الأرض، إنما صار في حسه أنه الإنسان هو الذي يصوغ حياته كما يحلو له، وهو الذي يكتب قدره بنفسه، وهو الذي يصنع التاريخ ويصنع الأحداث[17].

وإلى جانب فتنته بنفسه إلى هذا الحد كانت فتنته في الوقت ذاته بالأسباب الظاهرة، فلقد قال له العلم إن هناك قوانين حتمية سموها في أوربا "قوانين الطبيعة"؛ لأنهم وقد نبذوا إله الكنيسة رفضوا أن ينسبوا السنن الكونية إلى الله، ونسبوها إلى إله جديد لا كنيسة له ولا تكاليف، سموه "الطبيعة" ونسبوا إليه الخلق والتدبير.

وما دامت القوانين في حسهم حتمية؛ فلا مجال للقدر إذن في تصورهم! فماذا يصنع القدر إذا كان لا يملك أن يغير ما هو حتمي الوقوع؟! ونسوا - في غفلتهم - أن ثبات السنن الجارية في الكون هو ذاته قدر مقدر من عند الله الخالق يوم خلق سبحانه السماوات والأرض! ونفوا من حسهم - في غفلتهم كذلك - إمكان تغيير هذه السنن بإرادة الله من حين يشاء؛ فنفوا المعجزات والخوارق من جهة، ونفوا إمكان تغير نظام الكون كله حين يشاء الله!

ثم بدا لهم حين اتسع علمهم - أو اتسعت غفلتهم - أن الحياة البشرية - بل والنفس البشرية - تحكمها قوانين حتمية كتلك التي تحكم الكون المادي، وسرت هذه الحتمية في التفسير المادي للتاريخ عند الماركسيين، والتفسير الجثماني للمشاعر عند التجريبيين[18]، والتفسير الجنسي للسلوك البشري عند فرويد، وفي كثير من النظريات الاجتماعية والاقتصادية، وكلها تضع الإنسان تحت رحمة هذه الحتميات.. بل تحت طغيانها الجائر.

ثم أغفلوا - في عناد جاهلي - كل فترات الهدى في حياة البشرية، التي كانت كلها بقدر من الله، ولم تكن حتمية بأي تفسير من تلك التفسيرات الجاهلية التي تحاول أن تفسر الحياة، والتاريخ بمعزل عن قدر الله، كما أغفلوا - عن عمد - كل أثر لفترات الهداية تلك في حياة البشرية، وخاصة فترة الهداية الكبرى على يد الإسلام!

ومن الجانب الآخر وجدت - كما أشرنا من قبل - جاهليات كثيرة في التاريخ تمثل الانحراف الآخر: انحراف السلبية والانكماش والتقوقع، انتظارا لما تصنعه الآلهة، وما تحدثه في حياة الأفراد والجماعات من أقدار، كان ذلك في البوذية، والهندوكية، والرهبانية، ألوان من تلك السلبية والقعود وعدم إيمان الإنسان بنفسه على أنه قوة فاعلة في الأرض، أو أن لعمله أثرا في الحياة كلها، تطلعت إلى "فناء الإنسان" سواء كان الفناء في "الكائن الأعظم" الذي يمثل الإله في حسهم، أو في تناسخ الأرواح المؤدي في النهاية إلى الفناء الأكبر في ذلك الكائن الأعظم، أو فناء الجسد بكبته وقمعه لتنطلق الروح من إساره، أو فناء السلبية في داخل الدير، أو أي نوع من أنواع الفناء! وليس بعيدا عن ذلك مسعى الصوفية[19] إلى الفناء في الذات الإلهية ليحدث من ذلك الوجود!

والطابع الغالب على هذه الانحرافات كلها هو الأسى والكآبة والانحسار إلى داخل النفس، بقدر ما كان الطابع الغالب على الانحراف الآخر هو المرح المجنون، والبحث عن لذائذ الحس، والبعد عن إصلاح النفس من الداخل، والانطلاق إلى خارج الذات.

بين هذين الطرفين المتناقضين تجيء عقيدة القضاء والقدر في صورتها الصحيحة في الإسلام، تقرر هيمنة الله الشاملة على كل ما يجري في الكون، وفي حياة الإنسان. ولا تلغي في الوقت ذاته فاعلية الإنسان، ولا تلغي العمل، ولا تلغي اتخاذ الأسباب، في توازن كامل ينتهي بالمسلم إلى أن يؤمن بأن كل ما يحدث في الكون وفي حياته هو قدر مقدور عند الله من قبل أن يحدث ذلك بالفعل في الواقع البشري: )ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير (22)( (الحديد(.

وفي الوقت ذاته يؤمن بأن عليه أن يعمل، وأن يتخذ الأسباب، ويؤمن كذلك بأن ما يجري من المقادير في الأرض مرتبط بالأسباب التي يتخذها "أو يدع الأخذ بها" وبنوع العمل الذي يقوم به: )ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس( (الروم: 41)، )ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض( (الأعراف: 96)، )وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا (16)( (الإسراء)، ومن ثم يحس بوجوده الذاتي، ويعمل، ويتخذ الأسباب، دون أن يفتن بنفسه ولا بعمله ودون أن يفتن بالأسباب، وفي الوقت ذاته يؤمن بأن كل ما يحدث له مقدر من عند الله، دون أن يقعده ذلك عن الإيجابية والعمل واتخاذ الأسباب.

وحين يبدو هذا في حس الناس تناقضا، فإنه يحدث في حس المؤمن توازنا جميلا يعينه على القيام بدور الخلافة الراشدة في الأرض، ويجعله يعمل في الأرض وقلبه متطلع إلى الله في السماء، إنه يتخذ الأسباب عبادة لله، وانطلاقا مع سنة الله الجارية، ويحس في الوقت ذاته أن النتيجة التي وصل إليها هي قدر قدره الله، وليست حصيلة أسبابه التي اتخذها، وأن الأسباب لا تؤدي بذاتها أداء حتميا إلى النتيجة، إنما تؤدي إلى النتيجة بقدر من الله، ولو شاء الله ألا يوصل السبب إلى النتيجة فإن الذي ينفذ بالفعل هو إرادة الله وليس حتمية الأسباب!

وهذا هو الفارق الأصيل بين المسلم وبين نظيره من الجاهليين من هنا ومن هناك، أحدهما يقعد عن العمل ولا يحس بقيمة وجوده الإنساني. والثاني يعمل مفتونا بالأسباب كأنها في حسه أرباب! إن المسلم الحق لا يغفل عن عظم دوره في الأرض؛ لأن قدر الله قد شاء أن يجعل الإنسان خليفة في الأرض. وأن يسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه، وأن يكرمه ويفضله على كثير ممن خلق، وأن يجعله ستارا لقدره في الأرض، وهو لا يقل اتخاذا للأسباب، ولا إدراكا لقانون السبب والنتيجة عن أشد البشر اتخاذا للأسباب، ولكنها في حسه ليست حتمية، وليست نهائية ما لم يقررها قدر من عند الله.

والأوربي المعاصر ينظر بسذاجة إلى العقلية الإسلامية، فيقول: إنها عقلية غيبية لا تؤمن بقانون السببية. وهو في قولته هذه يكشف عن جهله بأمر لا يستطيع حسه الضيق أن يلم به، فالعقلية الإسلامية - الصحيحة - غيبية؛ لأنها تؤمن بالغيب، وتؤمن بقدر الله، ولكنها في الوقت ذاتة عقلية علمية أصيلة، بدليل أنها هي التي اهتدت إلى المنهج التجريبي في البحث العلمي، وأهدته إلى أوربا، وهو منهج قائم كله على الملاحظة والتجربة وعلاقة السبب بالنتيجة! ولكنها - وهي تتعامل مع سنة الله الجارية - لا تغلق قلبها عن مشيئة الله الطليقة التي لا يحدها قيد على الإطلاق[20].

ومزية هذه العقلية العلمية الغيبية في آن واحد، أنها لا تفاجأ حين تجد نتيجة لا تفسرها الأسباب العقلية؛ لأنها تعلم أنها تمت بقدر من الله. ولا يصيبها ما أصاب هتلر، حين اتخذ كل الأسباب التي كان في طوق بشر أن يتخذها، فلما خاب مسعاه انتحر، ولم يطق النتيجة التي قدرها الله من وراء كل الأسباب! هذه العقيدة الرائعة التي أنشأت في حياة الأجيال الأولى من هذه الأمة ما أنشأت من منجزات تشبه المعجزات. ماذا أصابها خلال القرون، فانحدرت إلى مثل ما انحدرت إليه البوذية والهندوكية والرهبانية؟ كيف صارت إلى تقاعس وقعود وتنصل من المسئولية وانصراف عن التغيير، أدى كله في النهاية إلى هذا الضعف الفكري والعلمي والمادي، وهذا التخلف الحضاري الذي اجتذب قوى الشر من كل صوب تحاول اقتلاع جذور الإسلام من الأرض، وتندد بواقع المسلمين السيئ؛ لتنفر من الإسلام ذاته، بزعم أن هذا الواقع هو الإسلام؟!

إن شكل العقيدة كما قلنا لم يتغير، ولكن جوهرها تغير تغيرا هائلا بكل تأكيد؛ لقد أصابه ما أصاب "لا إله إلا الله"، وبقية العبادات. أفرغ من محتواه الحقيقي، وأصبح صورة بلا رصيد.

وفي أثناء ذلك كانت عقيدة القضاء والقدر قد تحولت إلى مباحث كلامية تختلف الفرق من حولها، ولم تعد منهجا للتربية الإسلامية، بل قضايا فلسفية يجهد الذهن في إيجاد حلول لها، والأمة لا تربى، ولا يلتفت أحد إلى القيمة التربوية الهائلة لعقيدة القضاء والقدر في صورتها الإسلامية الصحيحة! على نفس النحو الذي تحولت به عقيدة التوحيد إلى مباحث كلامية ذهنية تجريدية باردة، لا تحرك الوجدان الديني، ولا تؤدي إلى سلوك عملي، وتزرع في القلب الشبهات أكثر مما ترسخ الإيمان! ويتناولها الدارسون على أنها العقيدة، فينعزل الدارسون عن واقع الناس الحي، وعن مقتضيات الدعوة ومقتضيات التربية، ويدورون مع الكلام حيث دار!

ثم يجيء طور على "المسلمين المعاصرين" ينسلخون فيه من عقيدة القضاء والقدر، كما انسلخ سادتهم الأوربيون من قبل، ويقولون: نريد أن نترك العقلية الغيبية التي كانت سبب تأخرنا، وتكون لنا عقلية علمية تقدمية! إن القضاء والقدر لا وجود له إلا حيث توجد الفوضى والجهل والانحطاط والتأخر، أما حيث يوجد النظام والعلم والتقدم والتخطيط العلمي والعقول الإلكترونية، فأنى للقدر أن يتدخل، وكل شيء محسوب له ألف حساب؟!

ويغفل هؤلاء عن معنى قوله سبحانه وتعالى: )فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44)( (الأنعام)، بل يغفلون عما هو أقرب إلى المشاهدة الحسية من ذلك الغيب الذي يوشك أن يتحقق، يغفلون عن الأمراض التي تفاجئ أولئك الحاسبين المخططين الذين يحسبون أنهم أغلقوا بحساباتهم كل فرصة لقدر الله أن ينفذ إلى واقع الأمور! أمراض من كل نوع: نفسية، وعصبية، وعقلية، وجثمانية، وأخلاقية، واجتماعية، وفكرية، وسياسية، واقتصادية... إلخ، كلها لم تكن في الحسبان!

هل كانت أمراض الحساسية[21] في الحسبان؟

هل كان مرض نقص المناعة[22] - الإيدز - في الحسبان؟

·       هل كان جنوح الأحداث الإجرامي في الحسبان؟

هل كان انتشار الشذوذ[23] والمخدرات في غرب أوربا وأمريكا في الحسبان؟

وكل هذه - وغيرها - بوادر لغيب يوشك أن يتحقق بقدر من الله: )فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين (45)( (الأنعام).

والمسلمون اليوم في حاجة إلى تصحيح مفهوم القضاء والقدر الذي اختل في حسهم خلال القرون، فلا هو بالسلبية التي غشت القرون الأخيرة، ولا هو الفتنة بالأسباب التي توشك أن تعم العالم الإسلامي اليوم مع الغزو الفكري القادم من جاهلية الغرب، يحتاج المسلمون إلى إعادة ذلك التوازن البديع الذي تمثله تلك العقيدة في صورتها الصحيحة في حياة الإنسان، ويحتاجون أن يكفوا عن دراستها في صورة مذاهب كلامية يحشون بها رؤوس طلاب الشريعة والدراسات الإسلامية؛ لتصبح جزءا من منهج التربية الإسلامية، الذي يهدف إلى إخراج "الإنسان الصالح" الذي يحقق المنهج الرباني في واقع الأرض، والذي ينفذ الله به قدره: )هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا (28)( (الفتح) [24].

خامسا. الإيمان بالقدر والعمل به يتفق مع العدل الإلهي:

قول مثيري هذه الشبهة: إن العدل الإلهي يتنافى مع محاسبة العباد على أفعالهم؛ لأنهم مجبرون. - خطأ بين، فإن الله أعلى وأجل من أن يجبر أحدا، وقالوا: إن العبد في أفعاله غير مختار، فعدوا العقاب على ذلك ظلما؛ إذ لا معنى لأمر الشخص بأمر هو مضطر إلى مخالفته، ونهيه عن أمر هو مضطر إلى فعله.

نقول لهم: إن الله - سبحانه وتعالى - قال: )وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر( (الكهف: 29)، وقال سبحانه وتعالى: )من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد (46)( (فصلت)، ونقول: إن كل إنسان يعلم الفرق بين أفعاله الاختيارية التي يفعلها بإرادته، كالأكل والشرب والبيع والشراء، وبين ما يقع عليه بغير إرادته، كالحمى والارتعاش، والسقوط من السطح، فهو مختار في الأولى ومن عدل الله أنه سيحاسبه عليها، وفي الثانية غير مختار لذلك إذا وقعت يثيبه عليها متى صبر، قال صلى الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له»[25]. كما قال سبحانه وتعالى: )ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى (31)( (النجم)، وقال سبحانه وتعالى: )وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39) وأن سعيه سوف يرى (40)( (النجم)، فعدل الله أن يحاسب الإنسان على عمله، والقرآن الكريم قد فرق بين الحسنات والسيئات، فقال سبحانه وتعالى: )ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون (41)( (الروم)، وقال: )وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم( (هود: 101).

إن عدل الله وحكمته لا يحدها عقل الإنسان، فقد حكوا: أن رجلا وابنه تحت نخلة في بستان، فقال الولد لأبيه: يا أبت انظر هذا التفاوت الذي نراه، أين عدل الله وحكمته في هذه النباتات، انظر إلى النبتة الصغيرة نبتة البطيخ، تثمر ثمرة كبيرة جدا، بينما النخلة على طولها وعظمها تنبت وتثمر هذه البلحة الصغيرة، ولا نسبة بينها وبين البطيخة، فكان من المعقول أن تثمر النخلة ثمرة عظيمة، كالبطيخة؛ لتناسب حجم النخلة، فقال الأب: يا بني، لعل لله حكمة لا نعرفها، ثم استلقى الفتي على ظهره ليستريح، وما أن غفلت عيناه حتى سقطت من أعلى النخلة تمرة، فأصابت وجهه وآلمته وصاح يصرخ، فقال له أبوه: احمد الله أنها لم تكن بطيخة[26]!

الخلاصة:

·       إن الإيمان بالقدر لا ينفي كون الإنسان مختارا قادرا على العمل، بل يدفعه إلى الاختيار بين الخير والشر، وإلى العلم أنه سوف يحاسب على هذا الاختيار.

·       ضل فريق في الكلام في باب القدر قائلين: إذا كان الله عالما بكل شيء نفعله، وعالما بمصيرنا إلى الجنة والنار وهو الخالق لأفعالنا،فلماذا يعذبنا؟. وهذه العقيدة المنحرفة أضلت عقولا كثيرة فاضطربت أحوالهم،ولو علموا أن الله خلق الفعل للعبد حسب إرادته ووفق هواه؛ لعلموا أن الله بعلمه الغيب يعلم أن العبد سوف يفعل ذلك فكتبه عليه.

·       الفهم الصحيح للإيمان بالقضاء والقدر يدفع المسلم إلى العمل والاجتهاد، والكد وبذل ما في وسعه؛ لينال خيري الدنيا والآخرة مع حسن التوكل على الله، والأخذ بالأسباب والبعد عن التواكل والسلبية.

·       الإيمان بعقيدة القضاء والقدر دفعت المسلمين الأوائل إلى العمل الدءوب والاجتهاد، فكان الأنبياء والصحابة خير مثال على التمسك بالأسباب والأخذ بها، والعمل والاجتهاد وعلى نهجهم سار الصحابة والتابعون، فقادوا الأمم بهذه العقيدة الصحيحة،كما أن الإيمان بالقدر لا يستلزم الرضا بالمعاصي.

·       عقيدة القدر واحدة في وحي الله إلى جميع الأنبياء؛ لأن الله أرسل الرسل مبشرين ومنذرين يدعون الناس إلى عبادة الله الواحد الأحد، وترك المعاصي، ويبشرونهم بأن أهل الطاعة سوف يدخلون الجنة، وأهل المعاصي سوف يدخلون النار.

·       من العدل ألا نقول إن تخلف المسلمين يعود إلى عقيدة القدر، وإنما يعود إلى الفهم الخاطئ لهذه العقيدة، وهذا يدل على أن المسلمين الأوائل لما فطنوا إلى مفهوم القدر الحقيقي قادوا العالم، ولما غفلنا نحن عن هذا المفهوم صرنا في مؤخرة الأمم تأخرا وانحطاطا.

·       إن عقيدة القضاء والقدر في صورتها الصحيحة تمثل نقط توازن هائلة ورائعة في حس الإنسان المسلم الذي يسير حياته بمقتضى هذه العقيدة، ففضلا عن كونها حقيقة متعلقة بذات الله عز وجل وبأسمائه وصفاته وأفعاله، فهي على ذلك من أصل العقيدة، ومن جوهر لا إله إلا الله؛ لأن أي تصور بأنه يمكن أن يقع في ملك الله شيء لم يقدره هو شرك لا شك فيه، علاوة عن أن عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر تضبط سلوك وفكر المؤمن وتصدر له المنهج الرباني تصويرا سليما.

·       ليس ثمة أدنى تعارض أو تناقض بين الإيمان بالقضاء والقدر، والعدل الإلهي.

 

 



(*) قضايا إسلامية: مناقشات وردود، محمد رجب البيومي، الوفاء للطباعة والنشر، مصر، 1984م.

[1]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب سورة ) الم (1) غلبت الروم (2) ( (الروم) (4499)، وفي موضع آخر، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان والإسلام والقدر وعلامة الساعة (102)، وفي مواضع أخرى، واللفظ له.

[2]. تاريخ المذاهب الإسلامية، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، القاهرة، 1996م، ص103.

[3]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)، وفي مواضع أخرى، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمـارة، بــاب قولــه صلى الله عليــه وسلــم: "إنمـا الأعمـال بالنيـة" (5036).

[4]. تاريخ الفرق الإسلامية، د. محمود محمد مزروعة، دار المنار، القاهرة، ط1، 1421هـ/1991م، ص76، 77.

[5]. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب في الأمر بالقدر وترك العجز والاستعانة بالله (6945).

[6]. القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة، د. عمر سليمان عبد الله الأشقر، دار السلام، القاهرة، 2005م، ص72 وما بعدها.

[7]. القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة، د. عمر سليمان عبد الله الأشقر، دار السلام، القاهرة، 2005م، ص105: 108.

[8]. المغفر: ما يلبسه المقاتل على رأسه في الحرب لحمايتها من الطعنات، وهو مصنوع من حديد وما شابهه.

[9]. حسن: أخرجه الترمذي في سننه، كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب منه (2517)، وابن حبان في صحيحه، كتاب الرقائق، باب الورع والتوكل (731)، وحسنه الألباني في تخريج مشكلة الفقر (22).

[10]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط (2143).

[11]. التوكل، د. يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1416هـ/ 1995م، ص46 وما بعدها.

[12]. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام (6919).

[13]. أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب سورة ) الم (1) غلبت الروم (2) ( (الروم) (4499)، وفي موضع آخر، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان والإسلام والقدر وعلامة الساعة (102)، وفي مواضع أخرى، واللفظ له.

[14]. أخرجـه البخــاري في صحيحــه، كتــاب الطــب، بـاب مــا يذكــر في الطاعــون (5397)، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها (5915).

[15]. الهندوكية أو الهندوسية: مذهب ديني في الهند.

[16]. الرهبانية: تقشف وتخل عن أشغال الدنيا وترك ملاذها والزهد فيها والعزلة عن أهلها، والاستغراق في العبادة.

[17]. صدر ذات يوم كتاب أوربي باللغة الإنجليزية عنوانه "الإنسان يصنع نفسه" Man makes Humself، وكتاب آخر بعنوان "الإنسان يقوم وحده" Man Stands alone أي بدون إله!

[18]. التجريبيين: أتباع المذهب التجريبي، مذهب من يقيم المعرفة على ما تدركه الحواس وحدها، وينكر وجود مبادئ فطرية في النفس وقوانين صادرة عن العقل، ويقابل المذهب العقلي.

[19]. الصوفية: جماعة من المتزهدين السالكين طريقة تعتمد على الزهد والتقشف والتحلي بالفضائل؛ لتزكو النفس وتتمكن من الاتصال بالله تعالى.

[20]. من عجائب الجاهلية المعاصرة التي تعجز أو تزعم أنها تعجز عن فهم عقيدة القضاء والقدر في وضعها الصحيح عند المسلمين ـ أنها هي ذاتها واقعة في تناقض بين إيمانها بفاعلية الإنسان وإيجابيته، وإيمانها بالحتميات التي لا تجعل للإنسان وجودا حقيقيا ولا إرادة. وهي إما أن تكون غير فاطنة إلى وجود هذا التناقض، وإما أنها لا ترى مانعا من وجوده! بينما تشير هذه الجاهلية إلى وجود التناقض في عقيدة المسلم! والأمر في حقيقته في حس المسلم توازن مريح، يجعله يبدع ما يبدع في الأرض وهو مطمئن إلى قدر الله.

[21]. الحساسية: شدة تأثر جسم الإنسان بمواد معينة؛ مثل الغبار، أو بعض الأطعمة، وعادة ما تسبب العطس والحكة والطفح الجلدي.

[22]. نقص المناعة أو الإيدز: فيروس معد ينتقل بالتواصل الجنسي أو بواسطة خلايا وإفرازات عضوية؛ كالدم واللعاب، فيسبب خللا في نظام المناعة في الجسد، ويتعرض المصاب لالتهابات حادة وغريبة تؤدي إلى موته.

[23]. الشذوذ: الانحراف عن السلوك الجنسي الطبيعي.

[24]. مفاهيم ينبغي أن تصحح، محمد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط9، 1418هـ/1997م، ص255 وما بعدها.

[25]. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير (7692).

[26]. مقال منشور بموقع د. يوسف القرضاوي.

wives that cheat women who want to cheat read here
wives that cheat women who want to cheat read here
open online black women white men
signs of a cheater why women cheat website
signs of a cheater reasons people cheat website
my husband cheated married looking to cheat open
my husband cheated my husband almost cheated on me open
reasons wives cheat on their husbands what is infidelity why do men have affairs
reasons wives cheat on their husbands why husbands cheat why do men have affairs
online redirect read here
why do wife cheat on husband wife cheaters reasons why married men cheat
website why are women unfaithful redirect
read here my husband cheated on me why women cheat on men
My girlfriend cheated on me find an affair signs of unfaithful husband
مواضيع ذات ارتباط

أضف تعليقا
عنوان التعليق 
نص التعليق 
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها فقط ولا تعبر عن الموقع
 
 
 
  
المتواجدون الآن
  5154
إجمالي عدد الزوار
  8387855

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي


أخى المسلم: يمكنك الأستفادة بمحتويات موقع بيان الإسلام لأغراض غير تجارية بشرط الإشارة لرابط الموقع