مرحبًا بكم فى موقع بيان الإسلام الرد على الافتراءات والشبهات
 بحث متقدم ...   البحث عن

الصفحة الرئيسية

ميثاق الموقع

أخبار الموقع

قضايا الساعة

اسأل خبيراً

خريطة الموقع

من نحن

الزعم أن إيمان المسلم مرض نفسي وسلوك يدفع للعنف والتعصب(*)

مضمون الشبهة:

يزعم بعض المشككين أن امتثال المسلم لتعاليم دينه المتمثلة في أدائه الفرائض، وإقامته الشعائر، وتردده على المساجد، كلها أعراض لمرض نفسي هو لوثة[1] الإيمان، وأن المسلم كلما ازداد إيمانه، ازداد تعصبه، وازدادت رغبته في العنف والتدمير والإرهاب.

وجوه إبطال الشبهة:

1) الإنسان مفطور على الإيمان والإسلام، وطبيعته النفسية والروحية تجعل الإيمان أمرا ضروريا، دفعت إليه الفطرة البشرية دفعا، ولا مجال لاعتباره مرضا نفسيا ولا اضطرابا سلوكيا.

2) الإيمان الذي نعنيه هو عقيدة الإسلام التي تحل لغز الوجود وتزيل الحيرة والاضطراب؛ برد العقائد المنحرفة والأفكار المتخلفة.

3) إن الإيمان يحقق السكينة في النفس والسعادة في الحياة؛ لأن المسلم يستحضر معية الله التي تعصمه من المرض النفسي.

4)  الإيمان يرفع من شأن الإنسان ويكرمه، بينما الكفر والإلحاد يحطان من قدره إلى منزلة أقل من البهائم.

5) إن إيمان المؤمن قائم على أدلة مركوزة في فطرته، وفي الكون من حوله، فهو أمر يقيني لا شك فيه، وسلوك قويم متزن، وليس مرضا نفسيا.

6) الإسلام دين التسامح والرحمة والتعايش السلمي، أما التعصب والعنف فهما نتاج الإلحاد ومحاربة الدين، ورد فعل لهما في غالب الأحيان.

التفصيل:

أولا. الإيمان ضرورة تحتمها الحياة النفسية لبني البشر؛ لأن الإنسان مفطور عليه:

إن قضية الإيمان ليست أمرا على هامش الوجود، يجوز لنا أن نغفله أو نستخف به، أو ندعه في زوايا النسيان، كيف وهو أمر يتعلق بوجود الإنسان ومصيره؟ بل إن قضية الإيمان هي أعظم قضية مصيرية بالنظر إلى الإنسان، إنها سعادة الأبد أو شقوته، إنها لجنة أبدا أو لنار أبدا، فكان لزاما على كل ذي عقل أن يفكر فيها ويطمئن إلى حقيقتها، وقد فكر فيها الكثيرون من أولي الألباب، وانتهى كل منهم إلى إثباتها بطريقته الخاصة.

فمنهم من استند إلى صوت الفطرة في أعماقه: )فطرت الله التي فطر الناس عليها( (الروم: 30)، ومنهم من ناقش المسألة مناقشة حسابية رياضية، فانتهى إلى أن الأضمن لحياته، وما بعد حياته أن يؤمن بالله وبالآخرة والجزاء، وفي مثل هذا يقول الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعري:

قال المنجم والطبيب كلاهما

لا تبعث الأموات، قلت: إليكما

إن صح قولكما فلست بخاسر

أو صح قولي فالـخسار عليكما

وقال الفيلسوف الرياضي باسكال: "إما أن تعتقد أن الله موجود أو لا تعتقد ذلك، فماذا تختار؟ إن عقلك لعاجز كل العجز أن يختار، وإنها للعبة جارية بينك وبين الطبيعة، رمى فيها كل منكما بسهمه، ولا بد أن يربح أحد السهمين.. فوازن بين كل ما يمكن أن تربح، وما يمكن أن تخسر، إذا راهنت بكل ما تملك على ظهور السهم الأول على وجود الله - فإذا كسبت الرهان، فقد حصلت على سعادة أبدية، فإذا أخفقت فسوف لا تفقد شيئا مهما؛ فلست تخاطر بشيء، فإن كل غرم فان ولو كان محقق الوقوع محتمل ومعقول".

ونحن نزيد على هذا فنقول: إن الذي يؤمن بالله والدار الآخرة لا يخاطر بدنياه الفانية ليربح آخرته الباقية، كلا، إنه بإيمانه يربح الحياتين معا، ويفوز بالحسنيين في الدنيا والآخرة جميعا. وصدق الله العظيم: )من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة( (النساء: 134)، وقال سبحانه تعالى: )للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين(30)( (النحل).

إن العبادات التي فرضها الدين إنما هي وسائل لتزكية نفس المؤمن وترقية روحه، وما أقل ما يبذل فيها من جهد، إلى جنب ما يكسب وراءها من خير، وإن المحرمات التي حظرها عليه الدين، إنما صان بتحريمها عقله، وخلقه، ونفسه، وماله، وعرضه، ونسله، فهو إنما: )يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم (157)( (الأعراف: 157).

والدين إذا حرم على الناس شيئا عوضهم ما هو خير منه، مما لا يشتمل على مفسدة الشيء المحرم، إن المؤمن لم يخسر شيئا بعبادة الله تعالى واجتنابه ما حرمه عليه، وإنما ربح الهدى والاستقامة على الحق، والثبات على الخير، والاستعلاء على الشهوات، وربح بعد ذلك هدوء النفس وطمأنينة الحياة.

والفرد بغير دين ولا إيمان ريشة في مهب الريح لا تستقر على حال، ولا تعرف لها وجهة، ولا تسكن إلى قرار مكين. وإنسان ليس له قيمة ولا جذور، إنسان قلق متبرم حائر، لا يعرف حقيقة نفسه ولا سر وجوده ولا يدري من ألبسه ثوب الحياة؟ ولماذا ألبسه إياه؟ ولماذا ينزعه عنه بعد حين؟! وهو بغير دين ولا إيمان، حيوان شره أو سبع فاتك، لا تستطيع الثقافة ولا القانون - وحدهما - أن يحدا من شراهته، أو يقلما أظفاره.

والمجتمع بغير دين ولا إيمان مجتمع غابة، وإن لمعت فيه بوارق الحضارة؛ إذ تكون الحياة والبقاء فيه للأشد والأقوى، لا للأفضل ولا للأتقى، مجتمع تعاسة وشقاء، وإن زخر بأدوات الرفاهية وأسباب النعيم، مجتمع تافه رخيص؛ لأن غايات أهله لا تتجاوز شهوات البطون والفروج، فهم: )يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام( (محمد:12).

والعلم المادي - وإن اتسعت ميادينه - ليس بمستطيع أن يحقق الطمأنينة والسعادة للناس؛ لأن العلم يرقى بالجانب المادي للحياة، فيختصر الشقة البعيدة، والزمن الطويل، إلى مدة أقصر، ولهذا سموا عصرنا هذا "عصر السرعة" أو عصر "التغلب على المسافات".

ولكن هل يستطيع أحد أن يسميه "عصر الفضيلة" أو "عصر الطمأنينة" أو "عصر السعادة للبشر"؟!

إن عقيدة الإسلام عقيدة تتسع للروح والمادة، والحق والقوة، والدين والعلم، والدنيا والآخرة، إنها عقيدة التوحيد التي تغرس في النفس الكرامة والحرية، وتجعل الخضوع لغير الله - عز وجل ـ كفرا وفسقا وظلما، وتأبى على الناس أن يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله.

ثانيا. الإيمان الذي نعنيه هو عقيدة الإسلام التي تحل لغز الوجود وتزيل الحيرة والاضطراب:

إن الإيمان الذي تحدثنا عنه منذ قليل، وذكرنا أن الإنسان مفطور عليه - هو الإيمان الذي يتجسد في خاتمة الرسالات السماوية - رسالة الإسلام - كما بينها القرآن الكريم، وهدي الرسول العظيم - صلى الله عليه وسلم - متمثلة في الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والنبيين.

هذه العقيدة هي التي تحل لغز الوجود، وتفسر للإنسان سر الحياة والموت، وتجيب عن أسئلته الخالدة: من أين؟ وإلى أين؟ ولـم؟ هذه العقيدة ليست من مستحدثات الإسلام، ولا مما ابتكره محمد - صلى الله عليه وسلم - إنها العقيدة المصفاة التي بعث بها أنبياء الله جميعا، ونزلت بها كتب السماء قاطبة، قبل أن ينال منها التحريف والتبديل. إنها الحقائق الثابتة التي لا تتطور ولا تتغير عن الله وعن صلته بهذا العالم، ما نبصره منه وما لا نبصره، وعن حقيقة هذه الحياة، ودور الإنسان فيها وعاقبته بعدها. إنها الحقائق التي علمها آدم - عليه السلام - لبنيه، وأعلنها نوح - عليه السلام - في قومه، ودعا إليها هود وصالح - عليهما السلام - عادا وثمود، ونادى بها إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وغيرهم من رسل الله، وأكدها موسى وداود وعيسى.

كل ما فعله الإسلام هو أنه نقى هذه العقيدة من الشوائب الدخيلة، وصفاها من الأجسام الغريبة التي أدخلتها العصور عليها؛ فكدرت صفاءها وأفسدت توحيدها بالتثليث[2] والشفاعات، واتخاذ الأرباب من دون الله، وأفسدت تنزيهها بالتشبيه والتجسيم[3] ونسبة ما في البشر من قصور ونقص إلى الله - عز وجل - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وشوهت نظرتها إلى الكون والحياة والإنسان، وعلاقته بالله ووحيه، وما جاء به من تعاليم. كما عرض الإسلام هذه العقيدة عرضا جديدا يليق بالرسالة التي اقتضت حكمة الله أن تكون خاتمة الرسالات الإلهية، وأن تكون غاية لكل البشر إلى قيام الساعة.

جاءت عقيدة الإسلام فنقت فكرة التوحيد، وكمال الألوهية مما شابها على مر العصور، ونقت فكرة النبوة والرسالة مما عراها من سوء التصور.

ثالثا. الإيمان يحقق السكينة في النفس والسعادة في الحياة:

1.  الإيمان والسعادة:

السعادة جنة الأحلام التي ينشدها كل البشر، ولكن السؤال الذي حير الجميع منذ القديم هو: أين السعادة؟ وهل هي في النعيم المادي؟

 لقد ظن قوم ذلك، ولكن نظرة فاحصة إلى من ارتفع مستواهم المعيشي وتيسرت أمورهم؛ فصاروا في أعلى درجات النعيم المادي والرفاهية - توضح لنا أنهم لا يزالون يشكون من تعاسة الحياة، بل يحسون بالضيق والانقباض رغم ذلك، ومن هنا نراهم يبحثون عن مصدر آخر للسعادة، كما في الدول التي ارتفع مستوى دخل الفرد المعيشي فيها، مثل: السويد وأمريكا وغيرهما من دول أوربا وإستراليا. يؤكد هذا الأستاذ كلون ولسون في وصفه لعمران نيويورك وازدهارها المادي بأنه "غطاء جميل لحلة من التعاسة والشقاء".

هل السعادة في الأولاد؟! إن الأولاد زهرة الحياة الدنيا وزينتها، ولكن كم من أولاد جروا على آبائهم الويل، وجزوهم بالعقوق والكفران، لا بالبر والإحسان، وكم من آباء لاقوا حتفهم على يد أولادهم طمعا في ثرواتهم، أو لأنهم وقفوا في سبيل شهواتهم.

هل السعادة في العلم التجريبي؟ إن العلم المادي قد كشف لنا عن كثير مما في الحياة، وأتاح لنا الاستمتاع بنعيمها إلى حد لم يكن يخطر بخيال أحد من قبل، ولكنه لم يحقق السعادة المنشودة للإنسان، فهذا د. هنري لنك - طبيب النفس الأمريكي الشهير - يعارض الذين ينكرون الإيمان بالغيب باسم العلم، واحترام الفكر مبينا أن العلم وحده لا يستطيع أن يحقق للإنسان أسباب السعادة الحقة.

·       السعادة إذن ليست في وفرة المال، ولا سطوة الجاه، ولا كثرة الولد، ولا نيل المنفعة ولا في العلم المادي.

·       السعادة شيء معنوي لا يرى بالعين، ولا يعكس بالكم، ولا تحتويه الخزائن، ولا يشترى بالمال.

·       السعادة شيء يشعر به الإنسان بين جوانحه، فهي صفاء نفس، وطمأنينة قلب، وانشراح صدر، وراحة ضمير.

·       السعادة شيء ينبع من داخل الإنسان ولا يستورد من خارجه.

هذه هي السعادة الحقة التي لا يملك بشر أن يعطيها، ولا يملك أن ينتزعها ممن أوتيها، السعادة التي شعر بنشوتها أحد المؤمنين الصالحين؛ فقال: إننا نعيش في سعادة لو علمها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف.

إذا كانت السعادة شجرة منبتها النفس البشرية والقلب الإنساني، فإن الإيمان بالله والدار الآخرة هو ماؤها وغذاؤها وهواؤها وضياؤها. لقد فجر الإيمان في قلب الإنسان ينابيع للسعادة لا يمكن أن تغيض، ولا أن تتحقق السعادة بغيرها، تلك هي ينابيع السكينة والأمن والأمل والرضاء والحب[4].

2.  سكينة النفس:

قال سبحانه وتعالى: )هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم (4)( (الفتح:4)، فلا سعادة بلا سكينة نفس وطمأنينة قلب، ولا سكينة بلا إيمان بالله وباليوم الآخر، الإيمان الصادق العميق الذي لا يكدره شك ولا يفسده نفاق. إن أكثر الناس قلقا وضيقا واضطرابا وشعورا بالتفاهة والضياع هم المحرومون من نعمة الإيمان وبرد اليقين.

إن مثيري هذه الشبهة قد خالفوا الصواب، وزيفوا الحقائق، بزعمهم أن إيمان المسلم يدفعه للعنف والتعصب، وذلك أن إيمانه يوفر له أسباب السكينة والطمأنينة، وهاك تفصيل الحديث عن هذه الحقيقة التي أغفلها - أو - تغافل عنها - هؤلاء:

أسباب السكينة والاطمئنان لدى المؤمن:

·       إن إيمان المؤمن استجابة لنداء الفطرة: فهو قد هدي إلى فطرته التي فطره الله عليها، وهي فطرة متسقة كل الاتساق مع فطرة الوجود الكبير كله، فعاش المؤمن مع فطرته في سلام ووئام، لا في حرب وخصام.

إن في فطرة الإنسان فراغا لا يملؤه علم ولا ثقافة ولا فلسفة، وإنما يملؤه الإيمان بالله - عز وجل - وستظل الفطرة الإنسانية تحس بالتوتر والجوع والظمأ حتى تجد الله عز وجل وتتوجه إليه، هنا تستريح من تعب، وترتوي من ظمأ، وتأمن من خوف، هنا تحس بالهداية بعد الحيرة، والاستقرار بعد التخبط، والاطمئنان بعد القلق، ووجدان المنزل والأهل بعد طول الغربة والتيه في الأرض.

فألقت عصاها واستقر بها النوى

كما قر عينا بالإياب المسافر

قال ابن القيم: "في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته، وصدق معاملته، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه، والفرار إليه، وفيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه، ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه فاقة لا يسدها إلا محبته والإنابة إليه، ودوام ذكره وصدق الإخلاص له، وإن أعطى الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبدا" [5].

وإني لآسى لهؤلاء المساكين أشد الأسى، أولئك الذين صادروا فطرتهم، وغلظ حجابهم، وأظلمت قلوبهم؛ فلم تنفذ إليها أشعة الإيمان، أولئك الأشقياء المطموسون الذين يجادلون في الله بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير.

إني لآسى لهؤلاء مرتين: آسى لهم؛ لأنهم دخلوا الحياة ثم خرجوا منها ولم ينعموا بأطيب ما فيها وأعظم ما فيها وهو الإيمان، وآسى لهم مرة أخرى حين أراهم خلعوا رداء العبودية لله، فوقعوا في العبودية لغير الله.

·       نجاة المؤمن من عذاب الحيرة والشك: وبهذا الإيمان البسيط العميق الذي جاء به الوحي، وأيده العقل واقتضته الفطرة، وشهد له كل سطر - بل كل حكمة - في كتاب الكون المفتوح - سلم المؤمن من الشك والاضطراب، واستراح من البلبلة والحيرة الذهنية والنفسية، التي يتجرع غصصها الجاحدون المرتابون.

بهذا الإيمان الواضح حل المؤمن ألغاز الوجود الكبرى حين عرف مبدأه ومصيره وغايته ومهمته، بل عرف مبدأ الوجود كله وغايته وهدفه، فانحلت عقد الشك من نفسه، وزالت علامات الاستفهام الكبيرة من حياته.

أما الملحدون المنكرون للإيمان فلا تستطيع عقولهم المحدودة أن تجيبهم إجابة شافية، تشفي الصدورن وتروي الغلة، وتمحو بنورها الشك والحيرة والاضطراب، فلا يثبتون على قرار، ولا يستقرون على فكرة، ولا يدومون على وجهة، كريشة في مهب الريح طائرة لا تستقر على حال من القلق.

·       وضوح الغاية والطريق عند المؤمن: فغير المؤمن يعيش في الدنيا تتوزعه هموم كثيرة وتتنازعه غايات شتى؛ فهو في صراع دائم داخل نفسه، وهو في حيرة بين غرائزه الكثيرة. أما المؤمن فقد استراح من هذا كله وحصر الغايات كلها في غاية واحدة، عليها يحرص وإليها يسعى، وهي رضوان الله تعالى، ولا يبالي معه برضا الناس أو سخطهم.

فليتك تحلو والحياة مريرة

وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر

وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين

وكل الذي فوق التراب تراب

· أنس المؤمن بالوجود كله: إن المؤمن يعيش موصولا بالوجود كله، ويحيا في أنس به وشعور عميق بالتناسق معه، والارتباط به؛ فليس هذا الكون عدوا له ولا غريبا عنه، إنه مجال تفكره واعتباره ومسرح نظره وتأملاته، ومظهر نعمة الله تعالى وآثار رحمته.

هذا الكون الكبير كله يخضع لنواميس الله كما يخضع المؤمن، ويسبح بحمد الله كما يسبح المؤمن، والمؤمن ينظر إليه نظرته إلى دليل يهديه إلى ربه وإلى صديق يؤنسه في وحشته، وبهذه النظرة الودودة الرحبة للوجود تتسع نفس المؤمن وينشرح صدره وقلبه الذي وسع العالم المنظور وغير المنظور، وليس هناك أضيق من صدر الملحد، والشاك في الله والآخرة؛ إن حياته أضيق من "زنزانة" في سجن، إنه يعيش معزولا عن الأزل والأبد، لا يرى إلا شخصه، ولا يرى من شخصه إلا جسمه المادي ودوافعه الحيوانية. قال سبحانه وتعالى: )قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى (124)( (طه).

فإذا رأيت بعض هؤلاء المعرضين عن هدي الله في بحبوحة من العيش المادي، والنعيم الحسي، فلا يخدعنك ذلك عن حقيقة حالهم؛ فإن الضنك الحقيقي في أنفسهم، وإذا ضاقت النفس وضاق الصدر، ضاقت المعيشة وضاقت الحياة كلها، وإذا اتسعت النفس اتسعت الحياة.

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها

ولكن أخلاق الرجال تضيق

·       المؤمن يعيش في معية الله: فلا يعتريه ذلك المرض النفسي الوبيل الذي يفتك بالمحرومين من الإيمان، ذلك هو مرض الشعور بالوحدة المقلقة، فيحس صاحبه أن الدنيا مقفلة عليه، وأنه يعيش منفردا معزولا كأنه بقية غرقى سفينة ابتلعها اليم، ورمت به الأمواج في جزيرة صغيرة موحشة يسكنها وحده، ولا يرى إلا زرقة البحر وزرقة السماء، ولا يسمع إلا صفير الرياح وهدير الأمواج.

وأي عالم أشد على النفس من هذا العالم؟ وأي إحساس أمر من هذا الإحساس؟ إن أقصى ما يصنعه السجان بالسجين أن يحبسه في سجن انفرادي ليحرمه من لذة الاجتماع وأنس المشاركة والاختلاط، فما بالنا بمن وضع نفسه دائما في تلك الزنزانة، وعاش فيها بمشاعره وتصوره وحده، وإن كانت الدنيا تضج من حوله بخلق الله من بني الإنسان.

إن شعور المؤمن بأن يد الله في يده وأن رعايته تسير بجانبه، وأنه ملحوظ بعينه التي لا تنام، وأنه معه حيث كان، يطرد عنه شبح الوحدة المخيف، ويزيح عن نفسه كابوسها: )إن معي ربي سيهدين (62)( (الشعراء)، )لا تحزن إن الله معنا( (التوبة:40).

يقول موريس جوبتهيل مدير إدارة الصحة العقلية بنيويورك: "إن مرض إحساس الإنسان بوحدته لمن أهم العوامل الأساسية للاضطرابات العقلية".

ولم يدخر الأطباء وعلماء النفس وسعا في البحث عن علاج مؤثر لهذا المرض، وبذلوا في ذلك جهودا جمة، وأجروا تجارب كثيرة، وحاولوا محاولات مخلصة حتى انتهى رأي المنصفين أخيرا إلى أن العلاج الأمثل لهذا المرض هو اللجوء إلى الدين، والاعتصام بعروة الإيمان الوثقى، وإشعار المريض بمعية الله عز وجل والأنس به[6].

رابعا. الإيمان يرفع من شأن الإنسان وكرامته، بينما الإلحاد يحط من قدره:

قال سبحانه وتعالى: )ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70)( (الإسراء)، هناك فرق كبير بين نظرة الماديين[7] للإنسان ونظرة المؤمنين إليه، ونوضح فيما يأتي هذا الفرق:

·       الإنسان في نظر الماديين:

ما الإنسان؟ إنه في نظر الماديين قبضة من تراب هذه الأرض، من الأرض نشأ، وعلى الأرض يمشي، ومن الأرض يأكل، وإلى الأرض يعود‍‍‍‍! هو كتلة من اللحم، والدم، والعظام، والأعصاب، والأجهزة، والغدد[8]، والخلايا[9]، وما العقل والتفكير إلا مادة يفرزها المخ، كما تفرز الكبد الصفراء[10]، أو كما تفرز الكلية البول! هو كائن ليس له أهمية، ولا امتياز على غيره، إنه أحد الأحياء الكثيرة المتنوعة على هذه الأرض، بل هو من جنس هذه الهوام والحشرات والزواحف والقرود، غاية أمره أنه "تطور" بمرور الزمن فأصبح هذا الإنسان! والأرض التي يحيا عليها الإنسان إن هي إلا كوكب صغير ضمن المجموعة الشمسية، التي هي مجموعة من مجاميع ضخمة كبيرة كثيرة يضمها عالم الأفلاك، تعد بمئات الملايين.

هكذا أنبأنا الفلك الحديث، وعرفنا من كوبرنيكس أن الإنسان شيء ضئيل في الكون الكبير، هذا من حيث المكان. أما من حيث الزمان، فقد جاء دارون والجيولوجيون فأثبتوا لنا أن الإنسان شيء تافه أيضا من حيث الزمان، فإن عمر الأرض يمتد إلى مئات الملايين من السنين، فما قيمة مائة أو حتى مئات من الأعوام يعيشها الإنسان؟ تلك هي قيمة الإنسان من حيث المكان والزمان في نظر الماديين.

·       الإنسان في نظر المؤمنين:

أما الإنسان في نظر المؤمنين فهو مخلوق كريم على الله عز وجل خلقه في أحسن تقويم، وصوره فأحسن صورته، خلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وميزه بالعلم والإرادة، وجعله خليفته في الأرض، ومحور النشاط في الكون، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعا، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فكل ما في الكون له ولخدمته، أما هو فجعله تعالى لنفسه.

يقول الله - عز وجل - في حديثه القدسي: "ابن آدم خلقتك لنفسي، وخلقت كل شيء لك، فبحقي عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له. ابن آدم خلقتك لنفسي فلا تلعب، وتكفلت برزقك فلا تتعب. ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتني فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء"[11].

حقا إن الإنسان شيء ضئيل بالنسبة لسعة الكون من حيث حجمه وحياة جسمه، ولكنه من حيث روحه وكيانه المعنوي شيء كبير، وهل الإنسان في الحقيقة إلا ذلك الروح، وذلك الكيان المعنوي؟ ولله در القائل:

دواؤك فيك وما تبصر

وداؤك منك وما تشعر!

وتزعم أنك جرم صغير

وفيك انطوى العالم الأكبر!

حقا إن الإنسان من حيث عمره القصير على الأرض ذرة[12] في صحراء الأزمنة الجيولوجية[13] البعيدة الضاربة في أغوار القدم - إن صح ما قالوا - ولكن المؤمنين يؤمنون أن الموت ليس نهاية الإنسان، إنه محطة انتقال إلى الأبد الذي لا نهاية له، إلى دار الخلود.. إلى حيث يقال للمؤمنين: )سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (73)( (الزمر).

خامسا. إيمان المؤمن قائم على أدلة مركوزة في فطرته وفي الكون من حوله، وليس مرضا نفسيا:

لقد صور مثيرو هذه الشبهة الإنسان المسلم الذي يؤمن بربه - عز وجل - ويقيم شعائر دينه،أنه إنسان تائه حيران يتخبط في حياته، ولا ينطلق في إيمانه إلا من أمر اصطلحوا على تسميته "لوثة الإيمان"، غافلين - أو متغافلين - عن حقيقة لا ينكرها إلا جاحد متعصب، مؤداها أن إيمان المؤمن بربه قائم على أدلة مركوزة في فطرته - إن سلمت من الآفات -، وفي الكون من حوله، وليس ثمة أي وجود لما ادعوه من مرض نفسي يساور المؤمن وفيما يأتي تفصيل لهذه الحقيقة:

دلالة الآيات الكونية على خالقها ومبدعها[14]:

1.  ارتياد الكون عبر آيات القرآن:

يأخذنا القرآن في جولات وجولات، نرتاد آفاق السماء، ونجول في جنبات الأرض، ويقف بنا عند زهرات الحقول، ويصعد بنا إلى النجوم في مداراتها، وهو في كل ذلك يفتح أبصارنا وبصائرنا، فيرينا كيف تعمل قدرة الله - عز وجل - وتقديره في المخلوقات، ويكشف لنا أسرار الخلق والتكوين، ويهدينا إلى الحكمة من الخلق، والإيجاد والإنشاء، ويبين عظيم النعم التي حبانا بها في ذوات أنفسنا وفي الكون من حولنا.

إنه حديث طويل في كتاب الله يطالعك في طوال سوره وقصارها، وهو حديث شائق تنصت إليه النفس، ويلتذ به السمع، ويستثير المشاعر والأحاسيس، وإذا طالعت الكثير مما توصل إليه العلم والعلماء في شتى جوانب الحياة وهم يبينون أسرار الخلق، ودلالة الخلق على الخالق، فلن تجد في شيء من ذلك كله ما يوجد في القرآن من جمال وصف، ووفرة علم، واستثارة مشاعر، وحسن توجيه، ودقة استنتاج، وكيف لا يكون كذلك، وهو تنزيل الحكيم الحميد!

2.  فعل الله في الكون:

تعال معنا لنقوم بجولة مع الآيات القرآنية نرتاد هذا الكون؛ ليرينا كيف تعمل قدرة الله في مختلف أرجائه؛ فالحبة تلقى في التربة فتنفلق وتضرب بجذورها فيها، فيخرج من هذه الحبة الجامدة حياة تتمثل في سوق وأوراق وأزهار تفوح بالشذى، وثمار يتغذى بها الإنسان والحيوان. وفي الإصباح وهو ينبلج، وفي سكون الليل، ومسير الشمس والقمر: )إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون (95) فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم (96)( (الأنعام).

وانظر إلى مشهد السحاب كيف يصنعه الله، والبرد كيف يكونه ويصرفه: )ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43)( (النور)، ويحدثنا الله عن فعله في الظل: )ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا (45) ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46)( (الفرقان). وانظر إلى تصريفه شئون الحياة والأحياء والليل والنهار: )قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير (26) تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب (27)( (آل عمران).

3.  التعرف على الله من خلال آياته الكونية سبيل حث عليه القرآن:

حث القرآن عباد الله على النظر في آياته الكونية: الأرض والسماء وما فيهما وما بينهما، وجعل النظر والتأمل في ذلك من الذكرى التي تنفع المؤمنين، وقد أطلق بعض المعاصرين على هذا المنهج مصطلح "قانون السير والنظر"؛ لكثرة حث الآيات القرآنية على ذلك، وقد يكون السير والنظر حسيين، فيسير المرء بقدميه وينتقل من بلد لآخر، كما قد يكون النظر بالبصر، وقد يكون بالفكر والعقل، وقد جاء الأمر في القرآن أمرا عاما، قال سبحانه وتعالى: )قل انظروا ماذا في السماوات والأرض( (يونس: 101)، وقد يأتي أمرا خاصا، فيقول سبحانه وتعالى: )فلينظر الإنسان مم خلق (5)( (الطارق)، )فلينظر الإنسان إلى طعامه (24)( (عبس).

العلوم الحديثة في غيبة الإيمان تقطع الصلة بين الناس والكون:

يقول سيد قطب: إن مناهج البحث التي يسمونها "علمية" في هذا الزمان تقطع ما وصل الله من وشيجة بين الناس والكون الذي يعيشون فيه، فالناس قطعة من هذا الكون لا تصح حياتهم ولا تستقيم إلا حين تنبض قلوبهم على نبض هذا الكون، وإلا حين تقوم وثيقة بين قلوبهم وإيقاعات هذا الكون الكبير، وكل معرفة بنجم من النجوم، أو فلك من الأفلاك، أو خاصة من خواص النبات والحيوان، أو خواص الكون على وجه الإجمال وما فيه من عوالم حية وجامدة - إذا كانت هناك عوالم جامدة - أو أي شيء واحد جامد في هذا الوجود! - كل معرفة علمية يجب أن تستحيل في الحال إلى إيقاع في القلب البشري، وإلى ألفة مؤنسة بهذا الكون، وإلى تعارف يوثق أواصر الصداقة بين الناس والأشياء والأحياء، وكل معرفة أو علم أو بحث يقف دون هذه الغاية الحية الموحية المؤثرة في حياة البشر، هي معرفة ناقصة، أو علم زائف، أو بحث عقيم.

إن هذا الكون هو كتاب الحق المفتوح الذي يقرأ بكل لغة، ويدرك بكل وسيلة، ويستطيع أن يطالعه الساذج ساكن الخيمة وساكن الكوخ، والمتحضر ساكن العمائر والقصور، كل يطالعه بقدر إدراكه واستعداده، فيجد فيه زادا من الحق، حين يطالعه بشعور التطلع إلى الحق، وهو قائم مفتوح في كل آن )تبصرة وذكرى لكل عبد منيب (8)( (ق).

ولكن العلم الحديث قد يطمس هذه التبصرة، أو يقطع الصلة بين القلب البشري والكون الناطق المبين؛ إذا كان في رءوس مطموسة رانت عليها خرافة المنهج العلمي، المنهج الذي يقطع ما بين الكون والخلائق التي تعيش فيه.

و"المنهج الإيماني" لا ينقص شيئا من ثمار "المنهج العلمي" في إدراك الحقائق المفردة، لكنه يزيد ربط هذه الحقائق المفردة بعضها ببعض، وردها إلى الحقائق الكبرى، ووصل القلب البشري بها؛ أي: وصله بنواميس الكون وحقائق الوجود، وتحويل هذه النواميس والحقائق إلى إيقاعات مؤثرة في مشاعر الناس وحياتهم، لا معلومات جامدة جافة متحيزة في الأذهان لا تفضي لها بشيء من سرها الجميل، والمنهج الإيماني هو الذي يجب أن تكون له الكرة في مجال البحوث والدراسات؛ ليربط الحقائق العلمية التي يهتدى إليها بهذا الرباط الوثيق[15].

دلالة الخلق على صفات الخالق:

إذا نظرنا إلى آلة دقيقة الصنع وبديعة التكوين، غاية في القوة والمتانة، تقوم بعملها على خير وجه، فلا بد أن ندرك بلا تفكير كثير أن صانعها يتصف بصفة الحياة والعلم، ولديه قدرة وإرادة.. إلى آخر تلك الصفات التي تنبئنا عنها الآلة. وهذا الكون يخبرنا بكثير من صفات الخالق، فمن ذلك: قدرته وعلمه: إن هذا الكون الهائل الضخم الشاسع الواسع السائر وفق نظام دقيق - لا بد أن يكون صانعه قديرا عليما، والله خلق الخلق بهذا التكوين الهائل، وهذا النظام الكامل ليعرفنا بقدرته وعلمه: )الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما (12)( (الطلاق)، ولا بد أن يكون العلم الذي يتصف به خالق هذا الكون شاملا كاملا )ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين (59)( (الأنعام).

سادسا. الإسلام دين التسامح والرحمة، والتعصب والعنف من دأب أعداء الإسلام[16]:

إن الإسلام دين تسامح وتعايش سلمي مع كافة البشر أفرادا وجماعات، وينظر الدين الإسلامي للإنسان على أنه مخلوق مكرم، دون النظر إلى دينه أو لونه أو جنسه، قال سبحانه وتعالى: )ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70)( (الإسراء).

ووضع الإسلام دستور العلاقة بين المسلم، وغيره في المجتمع الواحد: )لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8)( (الممتحنة). في هذه الآية يأمرنا الله بالإحسان إلى غير المسلمين، وعـدم إيذائهـم مـن خـلال قولـه تعالـى: )تبروهم(، والبر: جماع الخير، وكأن الله تعالى يأمرنا ويندب لنا التعاون مع غير المسلمين في كافة سبل الخير.

ولا يخفى على كل من عرف الإسلام مدى اهتمامه بالسلام العالمي؛ حيث جعله دعامته الأولى، بل إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وصفة من صفاته، قال سبحانه وتعالى: )هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون (23)( (الحشر)، وجعله تحيته إلى عباده، وأمرهم بأن يجعلوا السلام تحيتهم، يلقيها بعضهم على بعض، وشعارهم في جميع مجالات الحياة، في المسجد والمعهد والمصنع والمتجر. وسميت الجنة دار السلام، فقد قال الله سبحانه وتعالى: )لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127)( (الأنعام). والآيات التي ورد فيها ذكر السلام كثيرة، من هنا كان السلام شعار المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها منذ ظهور الإسلام حتى الآن، وهو شعار يلقيه المسلم على غيره كلما لقيه، وكلما انصرف عنه، فيقول له: "السلام عليكم".

وهذا السلام والأمن لم يكن مقصورا على المسلمين فحسب، بل يعتقد المسلمون دائما أن الإنسان - مهما كان معتقده - له الحق في العيش في أمان وسلام داخل وطن المسلمين، فإن حماية الآخر من الظلم الداخلي أمر يوجبه الإسلام، ويحذر المسلمين أن يمدوا أيديهم أو ألسنتهم إلى أهل الذمة[17] بأذى أو عدوان، فالله - عز وجل - لا يحب الظالمين ولا يهديهم، بل يعاجلهم بعذابه في الدنيا أو يؤخر لهم العقاب مضاعفا في الآخرة.

وقد تكاثرت الآيات والأحاديث الواردة في تحريم الظلم وتقبيحه، وبيان آثاره الوخيمة في الآخرة والأولى، وجاءت أحاديث خاصة تحذر من ظلم غير المسلمين من أهل العهد والذمة. ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من ظلم معاهدا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة»[18].

وحث الإسلام على السلم والأمن؛ لما لهما من تأثير بالغ الأهمية على استقرار حياة البشر، وتقدمها في جميع المجالات، ولكي نعلم مدى تأثير السلم والأمن على التقدم بالنسبة للشعوب، فعلينا أن نلقي نظرة على الآثار المدمرة للحروب على الشعوب وتقدمها ورقيها، فكما يقال: الضد يظهر حسنه الضد، وبينما نرى أن أول مقومات الرقي والتقدم للأمة هي صلاحية أفراد المجتمع صحيا وبدنيا لأداء وظائفهم، نجد أن للحروب والعقوبات الاقتصادية آثارا وخيمة على صحة الأمم وعافيتها.

إن التسامح مع المخالفين في الدين من قوم قامت حياتهم كلها على الدين، وتم لهم به النصر والغلبة - أمر لم يعهد في تاريخ الديانات، وهذا ما شهد به الغربيون أنفسهم، يقول العلامة الفرنسي جوستاف لوبون: "رأينا من آي القرآن أن مسامحة محمد - صلى الله عليه وسلم - لليهودية والنصرانية كانت عظيمة للغاية، وأنه لم يقل بمثلها مؤسسو الأديان التي ظهرت قبله؛ كاليهودية والنصرانية على وجه الخصوص.

وقد اعترف بذلك التسامح بعض علماء أوربا المرتابين، أو المؤمنين القليلين الذين أمعنوا النظر في تاريخ العرب، يقول على سبيل المثال روبرتس في كتابه "تاريخ شارلكن": "إن المسلمين وحدهم الذين جمعوا بين الغيرة لدينهم وروح التسامح نحو أتباع الأديان الأخرى، وأنهم مع امتشاقهم الحسام نشرا لدينهم[19]، تركوا من لم يرغبوا فيه أحرارا في التمسك بتعاليمهم الدينية".

فنحن مثلا نعرف عن المسيحية أنها تدعو إلى المحبة، وأنها اضطهدت وعذبت في وقت ضعفها، فهل نحسب ما قامت به الكنيسة الإسبانية من قمع وتعذيب للمسلمين واليهود من تعاليم المسيحية؟! حيث صبت جام غضبها على اليهود والمسلمين معا، وخصوصا اليهود؛ فحكمت بطرد كل يهودي لا يقبل المعمودية، وأباحت له أن يبيع من العقار والمنقول ما يشاء، بشرط ألا يأخذ معه ذهبا ولا فضة، وإنما يأخذ الأثمان عروضا وحوالات. وهكذا خرج اليهود من إسبانيا تاركين أملاكهم لينجوا بأرواحهم، وربما اغتالهم الجوع ومشقة السفر مع العدم والفقر.

وحكمت الكنيسة كذلك سنة 1052م على المسلمين بطردهم من إشبيلية وما حولها، إذا لم يقبلوا المعمودية[20] بشرط ألا يذهبوا في طريق يؤدي إلى بلاد إسلامية، ومن خالف ذلك فجزاؤه القتل. ولا نحب أن نحسب الحملات الصليبية من تعاليم المسيحية، ونحاول أن نفرق بين الديانة المسيحية، وبين ممارسة بعض المسيحيين المرجفين والإرهابيين، فإن القرن العشرين بتجاربه الانقلابية - على ما فيها من وحشية كالانقلاب الشيوعي والنازي - يعجز أمام فظائع الحروب الصليبية التي كانت تقترفها ضد المسيحيين أنفسهم، فبعضها كان يحرث الأرض بأجساد ضحاياها من المارقين كطريقة لتسميد الأرض!

ويذكر فيدهام أن هذه الحروب كانت مليئة بالفظائع؛ لأن رجال اللاهوت[21] الطيبين كانوا مستعدين دائما أن يضعوا الزيت على النار، وأن يحيوا وحشية الجنود عندما يساورهم أي تردد أو ضعف، فقد يكون الجنود قساة، ولكنهم كانوا يميلون في بعض الأحيان إلى الرحمة، أما رجال اللاهوت فاعتبروا الاعتدال والرحمة نوعا من الخيانة!

يقول الشيخ محمد عبده عن محاكم التفتيش: لقد اشتدت وطأة هذه المحكمة حتى قال أهل ذلك العهد: يقرب من المحال أن يكون الشخص مسيحيا ويموت على فراشه! ويقول: لقد حكمت هذه المحكمة من يوم نشأتها سنة 1481م حتى سنة 1858م على 34000 نسمة منهم 20000 أحرقوا أحياء.

كل هذا وليس ببعيد عنا عدد القرى التي دمرت بالكامل في أفغانستان لمعاقبة شخص واحد، وكذلك ما زالت الحرائق في بغداد مشتعلة لمعاقبة شخص واحد؛ لأنه يمتلك أسلحة دمار شامل ليس لها وجود إلا في الأكاذيب المقصودة، والإرهاب الواضح الصريح الذي يقوم به الكيان الصهيوني لا يمكن أن نحسبه على تعاليم الدين اليهودي، فالأديان جاءت لرحمة الناس، ولنشر العدل والسماحة بينهم.

وهذا ليس معناه ألا نستنكر ما يحدث من تخريب وإرجاف في بلادنا الآمنة، فهذا فساد العقول وخراب القلوب والكبر، يقول الله سبحانه وتعالى: )استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله( (فاطر: 43)، بل إن هؤلاء يكاد ينطبق عليهم قول الله سبحانه وتعالى: )ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام (204) وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد (205) وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد (206)( (البقرة).

ونخلص مما سبق إلى أن إيمان المسلم لا علاقة له بما ادعاه هؤلاء من مرض نفسي، وإن المرء ليعجب من هؤلاء الذين قلبوا الحقيقة وزيفوها، فجعلوا هذا المرض النفسي نتيجة مترتبة على تمسك المرء بإيمانه بخالقه، وهو في الحقيقة نتيجة لانعدام الإيمان من قلب الكافر الجاحد، وإلا فأي الرجلين أحق بأن يوصف بأنه صاحب مرض نفسي، وصاحب حياة لا تستقر على حال: المؤمن بربه وخالقه، أم الكافر الجاحد الذي يعيش تائها حيران؟!

الخلاصة:

·       الإيمان ضرورة تحتمها الحياة النفسية لبني البشر؛ لأن الإنسان مفطور عليه، والمجتمع بغير دين ولا إيمان مجتمع غابة،وإن لمعت فيه بوارق الحضارة؛ إذ تكون الحياة والبقاء فيه للأشد والأقوى، لا للأفضل ولا للأتقى،مجتمع تعاسة وشقاء، وإن زخر بأدوات الرفاهية وأسباب النعيم، مجتمع تافه رخيص؛ لأن شهوات أهله لا تتجاوز البطن والفرج فهم: )يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام( (محمد).

·       الإيمان الذي نعنيه هو عقيدة الإسلام التي تحل لغز الوجود، وتزيل الحيرة والاضطراب، وهو يجعل المؤمن على بصيرة من أمره في هذا الكون والوجود.

·       إن الإيمان رفع من شأن الإنسان وكرمه، وخلقه الله في أحسن تقويم، وصوره فأحسن صورته، وأسجد له ملائكته، وميزه بالعلم والإرادة، وجعله خليفته في أرضه ومحور النشاط في الكون، وسخر له كل شيء، بينما الإلحاد حط من قدره وجعله كأسفل البهائم، فهو قبضة من تراب الأرض، منها نشأ، وعلى ظهرها يمشي، وإليها يعود، وما العقل والتفكير إلا مادة يقررها المخ كباقي المواد في جسم الإنسان.

·       إن إيمان المؤمن قائم على أدلة مركوزة في فطرته وفي الكون من حوله، فهو أمر يقيني لا شك فيه، وليس مرضا نفسيا، بل سلوكا قويما متزنا، والتأمل في الآيات الكونية يدل على أن لها خالقا ومبدعا، والمتصفح لآيات القرآن يلمس هذا صريحا وواضحا، كما أنه يلمس فعل الله في الكون، بيد أن ما يسمونه اليوم من مناهج علمية تقطع الوشائج بين العبد وخالقه وبما يروجه هؤلاء الطغاة.

·       الإيمان يحقق السكينة في النفس، والسعادة في الحياة، وهو وإن كان أمرا معنويا لا يحس، غير أنه يبعث السكينة، ورحم الله ابن القيم حين قال: في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفة الله.

·       الإسلام دين التسامح والرحمة، وإنما التعصب والعنف من دأب أعداء الإسلام، وشواهد التاريخ على ذلك كثيرة، وقد أقر بذلك المنصفون من غير المسلمين.

 



(*) مقال نشر في صحيفة الحياة، صالح بشير، لندن، عدد 17 سبتمبر 1995م.

1. اللوثة: الجنون.

[2]. التثليث: هو اعتقاد النصارى بوجود ثلاثة أقانيم في الذات الإلهية الواحدة، والأقانيم عندهم ذاتية تقوم عليها الذات الإلهية، فالله يكون أهل الوجود هو "الآب"، ولما كان قد تجسد في المسيح فالمسيح هو "الكلمة"، وهو أيضا "الابن"، والله أيضا هو "الروح الإعظم"، وهو لذلك "الروح القدس"، فالآب والابن والروح القدس خاصيات في الذات الإلهية الواحدة.

[3]. التشبيه والتجسيم: تصور الإله في ذاته وصفاته على غرار الإنسان، أي: إثبات الجسم لله تعالى.

[4]. الإيمان والحياة، د. يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، القاهرة، ط15، 1426هـ/ 2006م، ص76: 85 بتصرف.

[5]. مدارج السالكين، ابن القيم، تحقيق: حامد الفقي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط2، 1993م، ج3، ص164.

[6]. الإيمان والحياة، د. يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة، القاهرة، ط15، 1426هـ/ 2006م، ص88: 116.

[7]. الماديون: جمع المادي، وهو الذي يرجع كل شيء إلى المادة، أي: صاحب نظرة مادية للأمور.

[8]. الغدد: جمع الغدة، وهي عضو في جسم الإنسان أو الحيوان، يفرز مواد خاصة؛ كالدمع والعرق واللعاب والهرمونات والحليب.. وغيرها، مكون من خلايا بشرية، وقد تنتج خلايا التناسل أو الأمشاج كما في الغدة التناسلية.

[9]. الخلايا: جمع الخلية، وهي وحدة بنيان الأحياء من نبات أو حيوان، وهي صغيرة الحجم، لا ترى بالعين المجردة.

[10]. الصفراء: سائل شديد المرارة يفرزه الكبد يخزن في كيس المرارة، لونه أصفر ضارب إلى الحمرة أو الخضرة، يساعد على هضم المواد الدهنية.

[11]. فيض القدير، المناوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1415هـ/ 1994م، ج2، ص387.

[12]. الذرة: أصغر جزء في عنصر ما يصح أن يدخل في التفاعلات الكيميائية والتي تؤلف الأجسام المركبة، وتتكون من نواة تحتوي على: النيترون والبروتون، ومن الإلكترون الذي يدور حول النواة.

[13]. الأزمنة أو العصور الجيولوجية: هي الفترة الزمنية التي تشمل التشكيل الفيزيائي أو المادي للأرض وتطورها، خاصة في الفترة التي سبقت تاريخ البشر.

[14]. العقيدة في الله، د. عمر سليمان الأشقر، دار السلام، مصر، دار النفائس، الأردن، 1426هـ/ 2005م، ص110 وما بعدها.

[15]. في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط13، 1407هـ/ 1987م، ج6، ص3360.

[16]. البيان لما يشغل الأذهان، د. علي جمعة، المقطم للنشر والتوزيع، مصر، د. ت، ص82 وما بعدها.

[17]. أهل الذمة: المعاهدون من النصارى واليهود، ممن يقيمون في دار الإسلام، وسموا بذلك لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم.

[18]. صحيح: أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الخراج، باب في تعشير أهل الذمة إذا اختلفوا بالتجارات (3054)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الجزية، باب لا يأخذ المسلمون من ثمار أهل الذمة ولا أموالهم شيئا بغير أمرهم إذا أعطوا ما عليهم (18511)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (445).

[19]. مع التحفظ على ما في قوله: "مع امتشاقهم الحسام نشرا لدينهم" من إطلاق.

[20]. المعمودية: آية التنصير عند النصارى، وهي أن يغسل الطفل أو البالغ بالماء مع تلاوة القسيس لفقرات معينة من الإنجيل.

[21]. اللاهوت: علم يبحث في العقائد المتعلقة بالله تعالى؛ كوجوده وذاته وصفاته، والإيمان بالنصوص المقدسة وسلطان الكنسية، ويقوم عند المسيحيين مقام علم الكلام عند المسلمين.

click website dating site for married people
click why wives cheat on husbands dating site for married people
why do wife cheat on husband wife cheaters reasons why married men cheat
why do wife cheat on husband dating for married men reasons why married men cheat
husband cheat my husband almost cheated on me online affair
read here my husband cheated on me why women cheat on men
مواضيع ذات ارتباط

أضف تعليقا
عنوان التعليق 
نص التعليق 
التعليقات المنشورة تعبر عن آراء كاتبيها فقط ولا تعبر عن الموقع
 
 
 
  
المتواجدون الآن
  29321
إجمالي عدد الزوار
  14470323

الرئيسية

من نحن

ميثاق موقع البيان

خريطة موقع البيان

اقتراحات وشكاوي


أخى المسلم: يمكنك الأستفادة بمحتويات موقع بيان الإسلام لأغراض غير تجارية بشرط الإشارة لرابط الموقع